منوعات

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

قال:

— في البداية دخلت معاه في الشغل، لكن بعد فترة اكتشفت إن الموضوع أكبر من مجرد تلاعب في الحسابات. كان فيه ناس بتستخدم الشركات في عمليات مالية مش قانونية، وكانوا بيستغلوا أسماء أشخاص مالهمش  بأي حاجة.

عادل قال:

— وسامح حاول ينسحب.

سامح هز رأسه.

— أيوه.

— لكنهم هددوك.

— وهددوا نادية وداليا.

أمي سألت:

— طب ليه ما قلتليش؟

— لأنهم كانوا بيراقبوا البيت.

بصيت له.

— ووالدي اللي رباني؟

سامح قال:

— كان عارف جزء من الحقيقة، لكنه ماكانش يعرف كل حاجة.

— وإنت؟

سكت.

— إنت كنت عارف إني بنتك من الأول؟

— أيوه.

دموعي نزلت.

— وسيبتني عشرين سنة؟

قال بصوت مكسور:

— كنت فاكر إن اختفائي هو الطريقة الوحيدة عشان تفضلي عايشة.

— بس أنا كنت محتاجة أبويا!

ما ردش.

أمي بدأت تبكي.

وفجأة سمعنا صوت خطوات فوقنا.

حسام أشار لنا نسكت.

صوت باب البيت الرئيسي اتفتح.

وبعدين صوت رجل:

— فتشوا كل الأوض.

سامح همس:

— لازم نتحرك.

نزلنا في الممر الضيق.

كان مظلم، ومليان تراب.

بعد مسافة قصيرة، وصلنا لباب حديد صغير.

سامح فتحه.

خرجنا من مكان خلف البيت.

لكن قبل ما نتحرك، لقيت حسام واقف مكانه.

— إيه؟

أشار للأرض.

كان فيه ظرف أبيض صغير.

أخذته.

مكتوب عليه اسمي.

“داليا.”

فتحته.

جواه ورقة واحدة.

وكان مكتوب:

“لو وصلتي للرسالة دي، يبقى سامح قال لك نصف الحقيقة فقط.”

تجمدت.

كملت القراءة:

“سامح لم يكن وحده في الخطة. الشخص الذي ساعده في اختفائه كان أقرب شخص إليك.”

بصيت لحسام.

ثم لأمي.

ثم لعادل.

مين فيهم؟

قبل ما أتكلم، عادل قال:

— لازم نمشي.

لكن سامح مسك إيده.

— استنى.

وبص له.

— إنت كنت تعرف بالرسالة دي؟

عادل سكت.

سامح كرر:

— عادل… إنت كنت تعرف؟

عادل نزل عينيه.

وساعتها فهمت.

— إنت!

عادل رفع عيني لي.

— داليا، اسمعيني…

صرخت:

— إنت اللي ساعدت سامح يختفي؟

قال:

— أيوه.

حسام اندفع ناحيته، لكن سامح وقفه.

— استنى.

عادل قال بسرعة:

— أنا ساعدته عشان أنقذكم!

— كداب!

— والدك كان عارف إن فيه خيانة جوه الشركة، لكن الشخص اللي سرب المعلومات كان قريب جدًا منكم.

سألته:

— مين؟

عادل سكت.

ثم قال:

— والد حسام.

حسام اتجمد.

— أبويا؟

عادل هز رأسه.

— أيوه.

وبعدين أخرج هاتفه.

— وعندي تسجيل يثبت ده.

شغل التسجيل.

ظهر صوت قديم، لكنه واضح.

كان صوت والد حسام.

“لو سامح ما سلّمش الدليل، لازم نتصرف قبل ما يفضح كل حاجة.”

حسام رجع خطوة للخلف.

— ده مش ممكن.

التسجيل كمل.

صوت والد حسام قال:

“نادية لازم تختفي. وداليا لازم تفضل بعيدة عن الموضوع.”

أمي غطت وشها.

أما أنا…

فكنت ببص لحسام.

وفجأة فهمت إن زواجي منه ماكانش مجرد صدفة.

لكن قبل ما أسأله، وصلتنا رسالة على هاتفه.

فتحها.

وكان فيها صورة قديمة ليا وأنا طفلة.

وتحت الصورة جملة واحدة:

“دلوقتي عرفتِ الحقيقة… لكن لسه ما عرفتيش ليه حسام اتجوزك.”
الجزء الأخير

فضلت باصة للصورة على موبايل حسام، وإيدي بتترعش.

كانت صورة ليا وأنا طفلة، واقفة قدام بيتنا القديم.

الصورة كانت متاخدة من بعيد.

يعني الشخص اللي صورها كان بيراقبني.

رفعت عيني لحسام.

— ليه اتجوزتني؟

حسام ما ردش فورًا.

وده كان كفاية يخليني أفهم إن فيه حاجة فعلًا مخبيها.

— حسام، أنا سألتك سؤال.

أخذ نفس طويل.

— في البداية… جوازي منك كان له علاقة بالموضوع.

أمي شهقت.

سامح بص له بغضب.

— كنت عارف؟

حسام هز رأسه.

— كنت عارف إن والدك كان بيحاول يحميك، وكنت عارف إن عيلتي كانت مرتبطة بالقضية.

بصيت له.

— واتجوزتني عشان تراقبني؟

قال بسرعة:

— في البداية، أيوه.

دموعي نزلت.

— يعني كل السنين دي كانت كذبة؟

قرب مني.

— لأ.

— إبعد عني!

وقف مكانه.

— بعد فترة أنا حبيتك بجد.

ضحكت من وسط دموعي.

— وإمتى حصل ده؟

— من أول سنة تقريبًا.

— وكان لازم تستنى خمس عشرة سنة عشان تقول لي؟

قال:

— كنت خايف أخسرك.

سامح تدخل:

— والخوف مش مبرر إنك تخبي الحقيقة عنها.

حسام بص له.

— عارف.

ثم أخرج من جيبه مفتاحًا صغيرًا.

— لكن فيه حاجة محدش يعرفها.

بصيت له.

— إيه؟

— أبويا قبل ما يموت سلمني ظرف.

فتح الظرف.

كان فيه مستندات وصور.

— وقال لي إن لو ظهر سامح في يوم، لازم أوصل الأوراق دي لداليا.

أخذتها.

كان فيها كشف حساب قديم، وتوقيعات، وأسماء.

لكن اسم واحد شد انتباهي.

كمال الراوي.

وتحته اسم آخر.

محمود الشاذلي — والد حسام.

لكن المفاجأة كانت إن فيه اسم ثالث.

اسم لم أسمعه طوال القصة.

عادل.

رفعت عيني له.

— إنت كنت معاهم؟

عادل نزل رأسه.

— كنت أشتغل معاهم في البداية.

أمي صرخت:

— عادل!

قال:

— أنا غلطت.

— وإنت اللي ساعدت سامح؟

— أيوه.

— ليه؟

— لأن لما عرفت إنهم ناويين يضروا نادية وداليا، قررت أواجههم.

بصيت له.

— وإنت اللي كنت بتبعت الرسائل؟

هز رأسه.

— بعضها.

— ومين كان بيبعت الباقي؟

سكت.

حسام فتح آخر مستند.

وكان فيه رقم هاتف.

— الرقم ده كان بيتواصل مع أبويا وكمال.

بصيت للرقم.

عرفته.

كان رقم قديم محفوظ عندي في دفتر عائلي.

رقم شخص كنت فاكرة إنه مجرد قريب بعيد.

اتجمدت.

— خالي؟

أمي بصت لي.

وشها اتغير.

— مستحيل.

حسام قال:

— هو الشخص اللي كان بيحرك كل حاجة من البداية.

سامح هز رأسه.

— كنت شاكك فيه.

أمي بدأت تبكي.

— أخويا…

وفجأة وصلتنا رسالة جديدة.

“لو عايزين النهاية، تعالوا للمخزن القديم جنب محطة القطار.”

حسام قال:

— دي فرصة نخلص كل حاجة.

سامح رفض.

— ممكن يكون فخ.

لكن عادل قال:

— لازم نروح ومعانا الأدلة.

قررنا نروح، لكن المرة دي ما رحناش لوحدنا.

وصلنا للمكان، وكان مهجورًا.

ظهر رجل من الظلام.

كان خالي.

بص لأمي.

— نادية.

قالت:

— ليه عملت كل ده؟

ابتسم بحزن.

— لأن أبوكي كان هيدمر كل اللي بنيناه.

قلت:

— وإنت كنت السبب في اختفائها؟

— أيوه.

أمي انهارت.

— عشرين سنة!

قال:

— كنت فاكر إن الخوف هيخليكم تسكتوا.

حسام قال:

— والأدلة؟

— كانت المشكلة الوحيدة.

سامح أخرج شريحة الذاكرة.

— خلاص. كل حاجة اتسجلت.

خالي تغير وجهه.

— مستحيل.

حسام رفع هاتفه.

— كل اعترافاتك اتسجلت.

وصلت الشرطة بعد دقائق.

وانتهت المطاردة الطويلة.

بعدها بأسابيع، بدأت القضية تظهر تفاصيلها بالكامل.

اتضح إن والدي الحقيقي سامح كان فعلًا مختفيًا لحمايتي، وإن والد حسام كان متورطًا في جزء من الشبكة، لكنه حاول التراجع قبل وفاته.

أما خالي، فكان الشخص اللي استغل الخلافات، وساعد كمال في إخفاء الأدلة.

وأمي…

رجعت لبيتها بعد عشرين سنة.

أما أنا، فكان قدامي قرار أصعب من أي شيء مررت به.

هل أقدر أسامح حسام؟

بعد فترة طويلة، قعدنا سوا.

قال لي:

— مش طالب منك تنسي اللي حصل.

بصيت له.

— ولا أنا هقدر.

— بس أتمنى تديني فرصة أصلح اللي أقدر عليه.

سكت شوية.

وبعدين قلت:

— الثقة مش هترجع في يوم وليلة.

هز رأسه.

— مستعد أستنى.

ابتسمت لأول مرة من شهور.

مش لأن كل حاجة بقت مثالية.

لكن لأن الحقيقة أخيرًا خرجت للنور.

وأمي كانت جنبي.

وسامح أخيرًا عرف بنته.

وأنا فهمت إن بعض الأسرار ممكن تدمر عيلة كاملة…

لكن الحقيقة، مهما اتأخرت، تفضل أقوى من أي كذبة.

وفي آخر يوم زرنا فيه بيتنا القديم، فتحت المدالية اللي بدأت منها الحكاية.

بصيت لصورة أمي وأنا طفلة.

وبجانبها حطيت صورة جديدة جمعتني أنا وأمي وسامح.

وقلت لنفسي:

“أحيانًا، اللي بنفتكره نهاية حياتنا… بيكون مجرد بداية لحقيقة كنا محتاجين نعرفها من زمان.”
انتهت
حكايات محمد عبده

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى