
— أين أنت؟
صمت لثوانٍ.
— في مكتبي.
قلت:
— لا تتحرك.
ضحك بتوتر.
— لماذا؟
أجبته:
— لأن الشرطة في منزلي الآن، ونحن نتحدث عن مستندات مزورة تحمل توقيعي.
ساد صمت طويل.
ثم قال:
— لا أعرف عمّا تتحدثين.
— بل تعرف.
ثم أغلقت الهاتف.
بعد أقل من دقيقة، وصلتني رسالة من رقم مجهول.
“إذا أردتِ معرفة الحقيقة عن حسام، تعالي وحدك إلى المكان الذي بدأ فيه كل شيء.”
أسفل الرسالة كان هناك عنوان.
كان المكان في أطراف الإسكندرية.
المكان الذي كنت أعيش فيه مع حسام قبل سنوات طويلة.
قلت لمحمود:
— سنذهب إلى هناك.
قال فورًا:
— لا. هذا خطر.
— لن أذهب وحدي.
نظرت إلى الضابط.
— سأذهب برفقة الشرطة.
وافق بعد أن تم ترتيب الأمر.
أما ابنتي، فأصرت على الذهاب معي.
قلت لها:
— أنتِ لن تقتربي من هذا الأمر أكثر.
أجابت:
— هذه المرة لن أتركك وحدك.
بعد ساعة، وصلنا إلى العنوان.
كان منزلًا قديمًا مهجورًا.
نزلنا من السيارة بحذر.
دخلنا إلى المنزل.
كان كل شيء مغطى بالغبار.
لكن شيئًا واحدًا جعلني أتوقف.
على الجدار كانت هناك صورة قديمة.
صورة لي ولحسام.
وتحتها جملة مكتوبة بخط اليد:
“لم يخبركِ بالحقيقة كاملة.”
اقتربتُ من الصورة.
وجدت خلفها ظرفًا بنيًا.
فتحته.
كان بداخله مفتاح صغير وذاكرة إلكترونية.
قال الضابط:
— لا تلمسي شيئًا أكثر.
أعطيته الظرف.
لكن قبل أن نتمكن من فحصه، سمعنا صوت باب يُغلق في الطابق العلوي.
رفع رجال الشرطة أسلحتهم، وطلبوا منا البقاء خلفهم.
صعدوا الدرج.
ثم سمعنا صوت رجل:
— ليلى!
تجمدت.
كنت أعرف الصوت.
كان مروان.
بعد لحظات، ظهر على الدرج.
لم يكن يحمل سلاحًا.
لكنه كان يحمل ملفًا أسود.
قال:
— كنت أعرف أنك ستأتين.
قلت:
— لماذا فعلت هذا؟
نظر إلى الملف.
— لأن حسام طلب مني ذلك.
توقفت أنفاسي.
— حسام؟
أومأ.
— قبل وفاته بأشهر، اكتشف أن هناك أشخاصًا يحاولون الاستيلاء على شركتك وثروتك.
قلت:
— ولماذا لم تخبرني؟
خفض رأسه.
— لأنه طلب مني ألا أفعل.
صرخت:
— ولماذا؟
فتح الملف.
ثم قال:
— لأن الشخص الذي كان يقود المخطط لم يكن كريم.
نظرت إليه.
— من إذن؟
رفع عينيه نحوي.
— نوال.
تراجعت خطوة.
— هذا مستحيل.
قال:
— نوال كانت تعرف حسام قبل زواجكما. وكانت تعرف أسرارًا عن عائلته لا يعرفها أحد.
ثم أضاف:
— لكن هناك شخصًا آخر كان يعمل معها.
سألت:
— من؟
نظر إلى ابنتي.
ثم قال:
— شخص قريب جدًا منك.
شعرتُ بقلبي يخفق بعنف.
— مَن؟
وقبل أن يجيب، انطفأت الأنوار فجأة.
سمعنا صوت ارتطام قوي في الأسفل.
ثم صرخة.
ركض أحد رجال الشرطة إلى الطابق السفلي.
وبعد ثوانٍ عاد وهو يقول:
— السيارة التي كانت تنتظرنا اختفت… وهناك شخص هرب من الباب الخلفي!
نظرت إلى مروان.
كان الملف الأسود لا يزال في يده.
قلت:
— أعطني الملف.
تردد.
ثم سلّمه لي.
فتحته.
وفي الصفحة الأولى وجدت صورة قديمة لرجل يقف بجوار حسام.
لكن الصدمة لم تكن في الرجل.
بل في الاسم المكتوب أسفل الصورة.
“سامر منصور — الأخ الذي قيل إنه مات قبل ولادة حسام.”
رفعت عيني عن الصورة.
وسألت مروان:
— ماذا يعني هذا؟
أجاب بصوت خافت:
— يعني أن الرجل الذي ظننتِ أن عائلتكِ فقدته منذ عقود… ربما كان حيًا طوال الوقت.
ثم قلب الصفحة الأخيرة.
كانت هناك صورة حديثة.
صورة التقطت قبل أيام فقط.
للرجل نفسه.
وكان يقف أمام منزل نوال.
وهنا فهمت أن سر الماضي لم ينتهِ بعد… بل كان يعود الآن ليحطم حياة ابنتي وحياتي بالكامل.
يتبع…
لم أستطع أن أرفع عيني عن الصورة.
الرجل الموجود فيها كان يشبه حسام بدرجة مخيفة.
لكنني لم أسمح للصدمة أن تشل تفكيري.
قلت لمروان:
— أريد الحقيقة كاملة. لا أريد نصف كلام بعد الآن.
تنهد وقال:
— الحقيقة أن سامر كان شقيق حسام الأكبر. حدث خلاف كبير بينه وبين العائلة منذ سنوات، واختفى بعدها. الجميع اعتقد أنه غادر البلاد، ثم وصلت أخبار تفيد بأنه مات.
سألته:
— وهل كان حيًا؟
— نعم.
— ومن كان يعرف؟
نظر مروان إلى الأرض.
— نوال كانت تعرف. وحسام اكتشف الأمر قبل وفاته بفترة قصيرة.
شعرت بقلبي يضيق.
— وما علاقة كل هذا بأموالي؟
فتح مروان الملف مرة أخرى.
— سامر لم يكن يريد أموالك وحدها. كان يريد السيطرة على الشركة من خلال شبكة من الأشخاص. كريم كان مجرد حلقة في هذه الشبكة.
قلت:
— ونوال؟
— كانت الوسيط.
ثم أضاف:
— أما أنا… فقد تورطت عندما هددوني بكشف شيء من الماضي.
نظرت إليه بغضب.
— لكنك ساعدتهم في تزوير توقيعي.
أجاب:
— نعم، وأنا مستعد لتحمل مسؤوليتي.
ساد الصمت.
وفجأة، وصلت رسالة إلى هاتف مروان.
نظر إليها، فتغير وجهه.
قلت:
— ماذا هناك؟
ناولني الهاتف.
كانت الرسالة قصيرة:
“أوقفوا التحقيق الآن، وإلا ستعرف ليلى الحقيقة التي أخفاها عنها حسام.”
تجمدت.
— ما الحقيقة؟
مروان لم يجب.
صرخت:
— ما الذي كان حسام يخفيه عني؟
قال بعد تردد:
— كان هناك حساب سري.
— حساب؟
— حساب باسمك.
حدقت فيه.
— ماذا يوجد فيه؟
— أموال وأوراق ملكية، لكنه ليس الجزء الأخطر.
— وما الأخطر؟
قال:
— تسجيل تركه حسام قبل وفاته.
شعرت بقشعريرة.
— أين التسجيل؟
— في الذاكرة الإلكترونية التي وجدناها في المنزل القديم.
أخرج الضابط الذاكرة ووضعها في جهاز الحاسوب.
ظهر ملف واحد فقط.
“إلى ليلى.”
ضغطنا عليه.




