
أنا في اللحظة دي، حسيت إن الأرض بتتزلزل تحت رجلي. الدم اتجمد في عروقي ووداني بدأت تصفر. بقيت أبصله وببص لحواجبة المشدودة وشفايفه اللي بتتكلم ببرود، ومش مصدقة إن الراجل اللي واقف قدامي ده هو نفسه جوزي عصام! الأب الحنين، الراجل الطيب اللي كان بيشيل ولاده على كتافه ويجري بيهم!
صرخت فيه بأعلى صوت عندي، صوت طالع من أعمق نقطة في قلبي:
أنت اتجننت يا عصام؟! أنت بتبكش ولا عُقلك جرى له حاجة؟! تبيع بنتك؟! بنتك ضناك عشان ترقية وفلوس؟! عشان راجل مديرك مابيخلفش؟! إيه القسوة دي كلها؟! أنت بقيت إيه بالضبط؟!
مسكني من دراعي بقوة وعصر صوابعه على لحمي وهو بيهمس بحدة وشرار طالع من عينيه:
وطي صوتك بدال ما أسمعك اللي عمرك ما سمعتيه! أنا مش ببيعها.. أنا ببعدها عن وشي! وجودها هنا بيفكرني كل ثانية بيوسف وهو طالع من الشباك! بيفكرني بدمه على الأرض! أنا كل ما أبص لها بشوف شيطان قتل ابني! أنا مش هقدر أعيش معاها.. الترقية دي تعويض، فرصة نبتدئ بيها من جديد ونسيب الوجع ده ورا ضهرنا، والبت هتعيش في عز ومستوى أفضل من اللي نقدر نقدامهولها!
نفضت إيده عني بكل قوتي، وجريت خطوات لورا وأنا بهز رأسي بنفي وهستيريا:
شيطان؟! دي طفلة! طفلة عندها عشر سنين يا عصام! بتلعب مع أخوها.. زقة طفولية قضاء وقدر! أنت اللي بقيت شيطان! بقى يعميك الغضب والغل لدرجة إنك تفكر ترمي ضناك لغريب عشان منصب؟! إيه الخسة دي! والله لو انطبقت السماء على الأرض، لو موتنا جوع، عمري ما هسمحلك تلمس شعرة منها ولا تفرط فيها!
عصام اتعصب أكتر ووشه احمر، وقرب مني وهو بيزعق:
أنا صاحب الكلمة في البيت ده! والقرار ده هيتنفذ يعجبك أو ميعجبكيش! البت دي مش باقية هنا، ومفيش كلمة تانية هتتقال!
يبقى أنا وهي مش باقينلك في البيت ده كله!
صرخت فيها وأنا بمسح دموعي بقسوة، ولفيت ضهري وجريت على أُوضة نور.
دخلت الأوضة، كانت نور صاحية ومكموشة في الزاوية بتاعة السرير، ماسكة المخدة وضامّة ركبتها لصدرها، ودموعها نازلة من غير صوت، كانت سامعة كل الزعيق بره. أول ما شافتني جريت عليا وشبطت في جلابيتي وهي بتترعش وتقول بصوت بيتقطع:
ماما.. بابا عايز يرميـني؟ بابا زعلان مني أوي عشان يوسف؟ والله يا ماما ما كان قصدي.. والله ما كنت أعرف إنه هيقع!
ضميتها لصدري بأقصى قوة عندي، وبقيت أبوس في رأسها وأنا بكتم عواطفي بالعافية:
متخافيش يا نور.. محدش يقدر ياخدك مني طول ما أنا حية على وش الأرض.. يلا يا حبيبتي، يلا نقوم من هنا.
فتحت الدولاب بسرعة، وبأيدين بتترعش بقيت أرمي الهدوم في شنطة سفر كبيرة. عصام دخل الأوضة ووقف على الباب، حاطت إيده في وسطه وبيراقبني بجمود وقال:
أنتِ بتعملي إيه؟ فاكرة إنك لما تروحي عند أهلك هتغيري رأيي؟ هتترجي عشان ترجعي!
ما حطيتش عيني في عينه، ولا حبيت أضيع ثانية واحدة في الكلام مع بني آدم ماتت الرحمة في قلبه. قفلت الشنطة، ومسكت إيد نور اللي كانت ماشية ورايا زي الخيال المكسور، وخرجت من الأوضة. وأنا معدية من جنبه في الصالة، بصيت له بنظرة كلها كره وقلت له بصوت هادي بس مرعب:
أنا رايحة بيت أبويا.. وحسبي الله ونعم الوكيل فيك يا عصام.. حسبي الله ونعم الوكيل في قلبك اللي قسي على ضناك.
فتحت باب الشقة ونزلت في نص الليل، والدموع مغمية عينيا، وورايا عصام رزع الباب بقوة هزت العمارة كلها.
نزلت الشارع، وكانت الدنيا ظلام وبرد. أخدت تاكسي وعلى طول على بيت أهلي. لما فتحلي بابا الباب وشاف منظري أنا ونور والشنطة في إيدي، اتخض وأمي خرجت تجري من جوة. حكيت لهم كل حاجة بالحرقة والدموع. أبويا الفلاح الأصيل، الراجل اللي بيعرف يعني إيه أصول ورحمة، اتنفض من مكانه وضرب بإيده على الترابيزة وقال بغضب:
يتخلى عن بنته؟! يبيعها لمديره عشان ترقية؟! هو الراجل ده جرى في عقله حاجة؟! ده مش راجل طبيعي، ده اتجنن! اقعدي هنا يا بنتي معززة مكرمة، ونور دي في عينيا، ومش هيشوف ظفرها تاني طول ما فيا نفس!
من اليوم ده، بدأت فترة صعبة جداً. نور كانت متأثرة نفسياً بدرجة تخوف، تبص للباب كل ما يخبط وتستخبى ورايا، ترفض تاكل، وتسألني بكسرة هو بابا كرهني ليه يا ماما؟ هو أنا وحشة؟ وأنا قلبي كان بيتقطع عليها ألف مرة في اليوم، أحاول أضمها وأدعمها وأسندها، وبابا وإخواتي كانوا محوطين عليها وبيحاولوا يعوضوها عن القسوة اللي شافتها.
أما عصام.. ففضل في الشقة لوحده.
في الأول، كان فاكر إنه صح، وفاكر إن السكوت والهدوء اللي بقى في البيت هيخليه يرتاح. كان بيقنع نفسه إن كبريائه وكرامته هما أهم حاجة، وإن وجود نور كان هو السبب في وجعه.
بس اللي حصل كان العكس تمامًا..
بعد ما مر أسبوع والتاني، والبيت فضي عليه كليًا، السكوت بقى مرعب. الصالة اللي كانت مليانة ضحك ولعب وشقاوة يوسف ونور، بقت زي المقبرة. الحيطان بقت بتصرخ في وشه. كل زاوية في البيت بتبص له وتقول له أنت السبب.
كان يجي يرجع من شغله بالليل، يفتح الباب، يلاقي الشقة ضلمة وكئيبة. يدخل المطبخ مفيش أكل، يدخل أوضة الولاد، يلاقي سرير يوسف فاضي، وسرير نور فاضي ومترتب برود. يفتكر لما كانت نور تجري عليه وتستقبله على الباب وتقوله جبتلي إيه معاك يا بابا؟، ويفتكر يوسف وهو بينط في حضنه.
الوجع بدأت آثاره تظهر عليه بشكل بشع.




