
ساد الصمت.
كان صمتًا طويلًا جدًا.
ثم قال:
—مين قالك؟
—مش مهم.
—سلمى، اسمعيني…
—أنا هاجي الغدا يوم الجمعة.
سكت.
ثم سأل:
—هترجعي البيت؟
—لا.
—طيب هتجيبي محامي؟
—ممكن.
أغلق الهاتف.
وضعت هاتفي على الطاولة.
كنت أعرف أنني أصبت نقطة حساسة.
—
جاء يوم الجمعة.
ارتديت ملابس بسيطة، ووضعت تقرير الطبيب داخل حقيبتي.
وضعت أيضًا نسخة من المستندات التي أعطاني إياها حسام.
وقبل أن أخرج، نظرت إلى يدي.
الخاتم ما زال في إصبعي.
لم أخلعه.
وصلت إلى الشقة في الموعد.
فتحت نوال الباب.
نظرت إليّ من رأسي حتى قدمي.
ثم قالت:
—أخيرًا افتكرتي إن ليكي بيت.
دخلت دون رد.
كان هناك عدد من أفراد العائلة.
عم كريم، شقيقته، ابن عمه، وزوجته.
الجميع جلسوا حول الطاولة.
ابتسمت نوال.
—اتفضلي اقعدي. إحنا جايبينك علشان نحل المشكلة.
جلست.
جاء كريم وجلس بجواري.
همس:
—مفيش داعي نفتح مواضيع قديمة.
نظرت إليه.
—أنا مش جاية أفتح مواضيع قديمة.
ثم وضعت حقيبتي بجانبي.
—أنا جاية أسمع.
بدأت نوال الكلام.
—أنا مش عايزة أظلمك يا سلمى، لكن اللي عملتيه غلط. أنا أم جوزك، وكان المفروض تخدميني من غير ما تعملي مشكلة.
سألتها:
—هل أنا خادمة؟
تغير وجهها.
—ما قلتش كده.
—لكن تصرفاتك قالت.
تدخل كريم:
—خلاص يا سلمى.
رفعت يدي.
—لسه ما خلصتش.
ساد الصمت.
ثم أخرجت تقرير الطبيب ووضعته أمامه.
—ده تقرير الإصابة اللي حصلت لي الساعة خمسة الصبح.
بدأت الهمهمات بين أفراد العائلة.
قالت نوال بسرعة:
—هو زقها بس، ما كانش قصده يعمل حاجة.
نظرت إليها.
—يعني أنتِ كنتِ موجودة؟
لم تجب.
ثم نظرت إلى كريم.
—وأنت قلت لهم إن مفيش حاجة حصلت؟
بقي صامتًا.
فتحت حقيبتي مرة أخرى.
وأخرجت ملفًا آخر.
وضعته على الطاولة.
—بس أنا مش جاية علشان التقرير الطبي.
نظر كريم إلى الملف.
تغير لون وجهه.
قال:
—إيه ده؟
أجبت:
—المستندات اللي عليها اسمي.
أخذ الورقة.
قرأها.
ثم رفع عينيه إليّ.
—مين اداكي ده؟
—محامي.
بدأت شقيقته تسأل:
—إيه المستندات دي؟
لم يجب كريم.
قلت:
—واضح إن اسمي مستخدم في مشروع مالي كبير.
نوال نظرت إلى ابنها.
—كريم؟
قال بعصبية:
—الموضوع مش زي ما هي فاهمة.
قلت:
—إذن اشرح.
—هشرح لك بعدين.
—لا. دلوقتي.
وقف كريم.
—سلمى، مش قدام الناس.
ابتسمت.
—إنت اللي دعوتني قدام الناس.
ثم أخرجت آخر ورقة.
—ودي المشكلة الأكبر.
أمسكت الورقة ووضعتها أمام الجميع.
كان فيها رقم كبير جدًا.
سبعة ملايين ونصف جنيه.
شهقت شقيقته.
—إيه الرقم ده؟
قال كريم بسرعة:
—ده مجرد تقييم للمشروع.
نظرت إليه.
—لا.
ثم قلت:
—ده التزام مالي مسجل باسمي.
ساد الصمت.
حتى نوال لم تجد شيئًا تقوله.
قال عم كريم:
—إنت عملت إيه يا ابني؟
لم يجب.
اقتربت منه ونظرت في عينيه.
—كنت فاكر إن أسوأ حاجة عملتها فيا إنك جررتني من السرير؟
ابتلع ريقه.
—سلمى…
—كنت غلطانة.
وضعت يدي على الملف.
—أسوأ حاجة إنك استخدمت ثقتي فيك علشان تدخلني في حاجة أنا ما وافقتش عليها.
ثم نهضت.
—لكن لسه في حاجة ما تعرفوهاش.
نظر الجميع إليّ.
قلت:
—الأستاذ حسام طلب نسخة من المستندات الأصلية.
تجمد كريم.
—ليه؟
—لأن التوقيع الموجود عليها…
توقفت لحظة.
ثم نظرت إليه مباشرة.
—مش توقيعي.
شهقت نوال.
أما كريم فلم يتحرك.
كان ينظر إليّ وكأنه رأى شيئًا لم يكن مستعدًا لمواجهته.
وعندها فقط أدركت أنني لم أكن الوحيدة التي اكتشفت السر.
شخص آخر كان يعرف الحقيقة أيضًا.
شخص كان على وشك الظهور أمام الجميع…
ويحمل معه الدليل الذي قد يقلب حياة كريم وعائلته بالكامل.
الجزء الرابع
لم يتحرك أحد.
كان الصمت على المائدة أثقل من أي كلام.
كريم ظل واقفًا، ووجهه شاحب.
أما نوال فكانت تنظر إلى الأوراق وكأنها تحاول فهم كيف خرج الأمر عن سيطرتها.
قال عم كريم:
—يعني إيه التوقيع مش توقيعها؟
أجبت:
—يعني إن حد استخدم بياناتي ووقّع باسمي من غير علمي.
نظر إلى كريم مباشرة.
—إنت تعرف حاجة عن الموضوع ده؟
—طبعًا لا.
كانت إجابته سريعة أكثر مما ينبغي.
وهذا جعلني أكثر يقينًا أن هناك شيئًا يخفيه.
فجأة رن جرس الباب.
نظر الجميع ناحية المدخل.
ذهبت شقيقة كريم لتفتح.
وبعد ثوانٍ عادت وهي تقول:
—في راجل بيسأل عن سلمى.
التفتُّ إليها.
—مين؟
جاء صوت من خلفها:
—أنا.
ظهر رجل في منتصف الخمسينيات.
كان يحمل حقيبة مستندات صغيرة.
نظر إليّ ثم قال:
—حضرتك سلمى؟
—أيوه.
—أنا محمود الشاذلي، كنت مسؤول مراجعة الحسابات في الشركة اللي بيتعامل معاها زوجك.
تجمد كريم في مكانه.
—إنت بتعمل إيه هنا؟
نظر محمود إليه بهدوء.
—جيت علشان أسلّمها نسخة من المستندات اللي طلبتها.
اقتربت منه.
—إيه المستندات؟
فتح الحقيبة.
أخرج مجموعة أوراق.
—النسخ الأصلية من ملف المشروع.
أخذتها بيد مرتجفة.
بدأت أقلب الصفحات.
ثم توقفت.
كانت هناك نسخة من عقد، ونسخة من بطاقة هويتي، وصفحة تحمل توقيعًا باسمي.
لكن التوقيع لم يكن توقيعي.
قال محمود:
—أنا راجعت الملف قبل ما أسيبه في الشركة.
—ولقيت إيه؟
نظر إلى كريم.
—لقيت تناقضات كثيرة.
كريم صاح:




