روايات وقصص

القصة كاملة بقلم محمد عبده

قال:
«ده جزء من الخطة.»
تدخلت نوال فجأة:
«هي كانت مجنونة.»
نظرت إليها.
«أمي؟»
«كانت مهووسة إنها تحميك.»
قلت:
«وده اللي مضايقك؟»
لم تجب.
اقتربت منها.
«أنتِ عايزة الحساب ليه؟»
قالت:
«لأن فيه مستندات.»
«مستندات إيه؟»
«أمك كانت بتحتفظ بنسخ من كل التحويلات.»
ابتسمت.
«يعني أدلة ضدك.»
لم ترد.
وهنا أدركت شيئًا.
قلت:
«أنتِ مش خايفة على الفلوس.»
تغير وجهها.
«إنتِ خايفة من المستندات.»
صمتت.
قلت:
«ولو ظهرت المستندات دي، هتدخلي السجن.»
صرخت:
«إنتِ مش فاهمة حاجة!»
ثم اندفعت نحوي.
لكن أبي وقف بينها وبيني.
«نوال! خلاص!»
دفعته بعيدًا.
«إنت السبب في كل ده!»
ثم نظرت إليّ.
«إنتِ عايزة تعرفي الحقيقة؟»
قلت:
«أيوه.»
قالت:
«أمك ما ماتتش بسبب المرض وحده.»
شعرت أن قلبي توقف.
«يعني إيه؟»
قالت:
«في الليلة الأخيرة… أنا كنت عندها.»
نظر أبي إليها بصدمة.
«إنتِ؟»
هزت رأسها.
«أيوه.»
قلت:
«عملتِ لها إيه؟»
قالت:
«ولا حاجة.»
ثم أضافت:
«لكن كان معايا شخص تاني.»
قلت:
«مين؟»
لم تجب.
رن هاتفي.
كان المحامي ياسر.
أجبت.
قال بسرعة:
«سلمى، لازم تخرجي من البيت فورًا.»
«ليه؟»
«لأنني راجعت تسجيلات كاميرات الفندق القديمة.»
«ولقيت إيه؟»
قال:
«في شخص دخل غرفة والدتك في الليلة الأخيرة.»
«مين؟»
صمت للحظة.
ثم قال:
«الشخص ده لم يكن نوال.»
نظرت إلى نوال.
ثم إلى أبي.
قال ياسر:
«كان والدك.»
تراجعت خطوة.
«أبويا؟»
«أيوه.»
أغلقت المكالمة.
نظرت إلى أبي.
«كنت عند ماما ليلة وفاتها؟»
لم يجب.
«جاوبني!»
قال أخيرًا:
«أيوه.»
«ليه؟»
«كانت طلبت مني أجي.»
«وحصل إيه؟»
أغمض عينيه.
«اتخانقنا.»
«وبعدين؟»
«خرجت.»
«وسبتها؟»
«أيوه.»
«وهي كانت…؟»
«كانت عايشة.»
سكت.
ثم قال:
«لكن لما رجعت البيت، اتصلت بي نوال وقالت لي إن أمك نقلوها للمستشفى.»
حدقت فيه.
«مين نقلها؟»
لم يجب.
وهنا ظهرت أمام عيني صورة قديمة.
سيارة الإسعاف.
الجيران.
الممرضون.
لكن كان هناك شيء لم أتذكره من قبل.
ماما لم تكن وحدها في سيارة الإسعاف.
كان هناك رجل آخر.
رجل يرتدي معطفًا أسود.
قلت:
«ياسر لازم يجيب لي اسم الشخص اللي ظهر في تسجيلات المستشفى.»
وبعد دقائق وصلتني رسالة.
فتحتها.
قرأت الاسم.
ثم شعرت بأنني فقدت القدرة على التنفس.
لأن الرجل الذي دخل غرفة أمي قبل وفاتها…
كان طبيبًا خاصًا يعمل لدى نوال.
لكن الصدمة الأكبر كانت في السطر التالي:
«والطبيب اختفى من مصر بعد وفاة والدتك بثلاثة أيام.»
رفعت عيني إلى نوال.
كانت تحدق بي بصمت.
قلت:
«إنتِ عملتِ إيه لماما؟»
لم تجب.
فقلت:
«آخر فرصة.»
اقتربت مني.
وبدأت تبكي.
ثم قالت:
«أنا ما كنتش عايزة أمك تموت… أنا كنت بس عايزة أخوفها.»
توقفت أنفاسي.
لكن قبل أن أتمكن من سؤالها عن باقي الحقيقة، وصل إشعار جديد على هاتفي.
كان من المحامي.
«سلمى… فتحت الحساب السري.»
ثم أرسل صورة لوثيقة واحدة.
كانت وصية أمي الأخيرة.
وفيها جملة واحدة جعلتني أفهم لماذا تركت كل هذه الأدلة خلفها:
«إذا حدث لي شيء، فلا تبحثي عن القاتل أولًا… ابحثي عن الشخص الذي استفاد من موتي.»
نظرت إلى أبي.
ثم إلى نوال.
ثم إلى الصورة.
وفجأة أدركت أن الشخص الذي استفاد من موت أمي…
لم يكن واحدًا منهما.
كان شخصًا ثالثًا.
شخصًا قريبًا منا طوال هذه السنوات.
وشخصًا لم يخطر ببالي أبدًا.
ظللت أحدق في الوصية.
«ابحثي عن الشخص الذي استفاد من موتي.»
أعدت قراءة الجملة أكثر من مرة.
ثم سألت أبي:
«مين كان المستفيد؟»
رفع عينيه نحوي، لكنه لم يتكلم.
قلت:
«أنت؟»
هز رأسه بسرعة.
«لا.»
«نوال؟»
نظرت إليها.
كانت تبكي، لكن صمتها كان يقول الكثير.
قال أبي:
«في شخص واحد بس كان عنده القدرة يحرك كل الفلوس من غير ما حد يشك فيه.»
سألته:
«مين؟»
أجاب:
«مدير الحسابات القديم.»
تجمدت.
محمود السعدني.
الرجل الذي كانت أمي تثق فيه أكثر من أي شخص آخر.
كان مسؤولًا عن الحسابات منذ افتتاح الفندق.
وكان يعرف كل تفاصيل أموالها.
اتصلت بالمحامي ياسر فورًا.
«ياسر، راجع كل التحويلات اللي تمت عن طريق محمود السعدني.»
بعد دقائق جاء الرد:
«سلمى… عندي مفاجأة.»
«إيه؟»
«محمود مش هو صاحب الحسابات اللي الفلوس راحت لها.»
«أمال مين؟»
«الحسابات كانت باسم شركة قديمة.»
«اسمها؟»
قال الاسم.
شركة النيل للاستثمارات.
ثم أضاف:
«والشركة دي اتأسست قبل وفاة والدتك بشهر واحد.»
سألته:
«مين المالك؟»
ساد صمت طويل.
ثم قال:
«المالك المسجل… هو أخو نوال.»
نظرت إلى نوال.
«أخوكي؟»
انهارت على الكرسي.
أما أبي فكان ينظر إليها وكأنه يسمع الحقيقة لأول مرة.
قلت:
«يعني الفلوس كانت بتخرج من الفندق لحساب أخوكي؟»
صرخت:
«أنا ما كنتش أعرف!»
لكنني لم أصدقها.
أخرجت الهاتف وشغلت التسجيل الذي أرسله لي المحامي.
كان صوت أمي.
هذه المرة كان واضحًا.
قالت:
«لو وصل التسجيل ده لبنتي، يبقى لازم تعرف إن نوال مش هي العقل المدبر.»
توقفت للحظة.
ثم تابعت:
«الشخص اللي بيحرك كل حاجة هو محمود.»
شهقت.
محمود!
لم يكن مجرد موظف.
كان هو الشخص الذي كان يملك مفاتيح الحسابات.
كان يعرف كل كلمة مرور.
وكان يستطيع تزوير التحويلات.
أرسلت للمحامي:
«هات لي كل حاجة عنه.»
بعد دقائق وصلتني الملفات.
وكانت الحقيقة صادمة.
محمود كان يحول الأموال إلى شركة أخو نوال، ثم تعود أجزاء منها إلى حسابات مرتبطة بفؤاد.
أما الباقي…
فكان يختفي.
لكن أمي كانت قد اكتشفت الأمر.
ولهذا بدأت تجمع الأدلة.
ولهذا أخبرت أبي.
ولهذا تركت الحساب السري.
ولهذا كتبت الوصية.
لم تكن أمي تريد الانتقام.
كانت تريد أن تضمن أن الحقيقة ستظهر يومًا ما.
قلت لنوال:
«إنتِ كنتِ مجرد جزء من الخطة.»
خفضت رأسها.
ثم قالت:
«أنا غلطت.»
«غلطتي إنك حاولتي تاخدي حقي.»
«أنا كنت خايفة.»
«من مين؟»
بكت.
«من محمود.»
فهمت أخيرًا.
كان محمود يهدد الجميع.
أبي بسبب ديونه وتوقيعاته.
نوال بسبب تحويلاتها.
وفؤاد بسبب شراكته القديمة.
لكن أمي كانت الوحيدة التي لم تخف منه.
لأنها كانت تعرف أنه مهما حاول، لن يستطيع لمس إرثها بعد أن ينتقل إليّ.
وهكذا…
قررت ألا أواجههم بالصراخ.
واجهتهم بالقانون.
في صباح اليوم التالي، دخل فريق المحامين إلى الفندق.
تم تجميد الحسابات المشبوهة.
وأُرسلت المستندات إلى الجهات المختصة.
أما عقد بيع الأرض، فأصبح بلا قيمة بعد إثبات أنه تم توقيعه دون موافقة المالك الحقيقي.
وبعد أيام، تم القبض على محمود أثناء محاولته مغادرة البلاد.
وبدأت التحقيقات.
اعترف بالكثير.
لكنه ظل ينكر أي علاقة بوفاة أمي.
ولم أكن أريد الانتقام.
كنت أريد الحقيقة فقط.
أما أبي…
فقد جاء إليّ بعد انتهاء كل شيء.
وقف أمام باب مكتبي.
وقال:
«أنا خسرت مرات كتير في حياتي.»
نظرت إليه.
«وأكبر خسارة كانت ماما.»
هز رأسه.
«وأنتِ كمان.»
صمت قليلًا.
ثم قال:
«لو تقدري تسامحيني يوم… سامحيني.»
لم أعد أملك الغضب الذي كان بداخلي.
قلت:
«أنا مش هقدر أنسى.»
فخفض رأسه.
قلت:
«لكن ممكن أسامح.»
رفع عينيه.
«بس بشرط.»
«إيه؟»
«من النهارده، مفيش أسرار.»
وافق.
أما نوال، فقد غادرت المدينة بعد تسوية قانونية طويلة، وخسرت كل ما كانت تحاول الحصول عليه.
والفندق؟
أعدت فتحه باسم أمي.
وضعت صورتها الكبيرة في الردهة.
وتحتها كتبت:
«إلى المرأة التي بنت هذا المكان… وتركت لي الشجاعة لأستعيده.»
وفي أول ليلة بعد إعادة الافتتاح، وقفت وحدي أمام صورتها.
لم أعد أشعر أنني ابنة عادت لتجد بيتها مهدومًا.
كنت أعرف الآن أن أصعب معركة خضتها لم تكن في الخارج.
كانت داخل عائلتي.
ومع ذلك…
لم تكن النهاية في استعادة الفندق.
ولا الـ24 مليون دولار.
ولا حتى كشف الحقيقة.
كانت النهاية الحقيقية عندما فهمت أن أمي لم تتركني وحدي.
لقد تركت لي كل الأدلة.
كل المفاتيح.
وكل القوة التي احتجت إليها.
ثم تركت لي جملة أخيرة وجدتها مكتوبة في الصفحة الأخيرة من الوصية:
«يا سلمى… لا تسمحي لأحد أن يقنعك أنكِ ضيفة في المكان الذي بُني من أجل مستقبلك.»
وضعت يدي على الصورة وابتسمت.
وقلت:
«رجعت يا ماما… وخدت كل حاجة كانت بتاعتك.»
ثم نظرت إلى الفندق الممتد خلف الزجاج.
هذه المرة لم يكن هناك أحد يستطيع أن يطردني.
لأنني لم أعد أطلب من أحد أن يعترف بأن هذا المكان بيتي.
لقد أصبحت المالكة.
والأهم…
أنني أصبحت أخيرًا أعرف الحقيقة كاملة.
تمت
حكايات محمد عبده
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى