منوعات

الجزء الثاني والاخير

اتجمدت.

“عمي؟”

أمي هزت رأسها.

“أخو أبوكي.”

المحامي سأل:

“هل هو شريك في الشركة؟”

أمي قالت:

“كان.”

فجأة بدأت كل الخيوط تركب.

الشركة.

الملكية.

أخويا.

طارق.

فؤاد.

وأخيرًا عمي.

قلت:

“فينه دلوقتي؟”

أمي قالت:

“مش عارفة.”

حسام كان ساكتًا، لكنه فتح هاتفه.

بعد ثواني قال:

“أنا عارف.”

بصيت له.

“فين؟”

قال:

“في نفس المكان اللي كان أبوك رايح له قبل ما يختفي.”

سألته:

“فين؟”

قال اسم المكان.

كان مخزن قديم خارج القاهرة.

المكان نفسه اللي كانت فيه مستندات الشركة قبل سنين.

اتجهنا إليه فورًا.

لما وصلنا، كان المكان شبه مهجور.

باب حديدي كبير.

والنور داخل من فتحات صغيرة في السقف.

دخلنا بحذر.

وفي آخر المخزن، لقينا عربية أبي.

الباب مفتوح.

لكن مفيش حد.

صرخت:

“بابا!”

مفيش رد.

مشينا للداخل.

ثم سمعنا صوتًا.

“ندى.”

اتجمدنا.

كان صوت أبي.

جرينا ناحية الصوت.

لقيناه واقفًا في غرفة صغيرة في آخر المخزن.

كان متعبًا، لكنه واقف.

قلت:

“بابا!”

قربت منه.

“إنت بخير؟”

هز رأسه.

“أنا بخير.”

ثم بص لحسام والمحامي.

وقال:

“كنت محتاج أتأكد إن ندى عرفت الحقيقة قبل ما أتكلم.”

قلت:

“عرفت إن عمي هو اللي أعطى طارق المعلومات.”

أبي سكت.

ثم قال:

“مش هو.”

تجمدت.

“إيه؟”

قال:

“عمك أخطأ، لكنه مش الشخص اللي بدأ كل ده.”

قلت:

“أمال مين؟”

أبي نظر إلى أمي.

ثم إلى منى.

وبعدها قال:

“الشخص اللي كان بيحرك كل الخيوط…”

سكت.

كنت مستنية.

قال:

“كان أقرب شخص ليا.”

سألته:

“مين؟”

أبي لم يجب.

بدلًا من ذلك، أخرج هاتفه.

فتح تسجيلًا.

وضغط تشغيل.

سمعت صوتًا.

صوت أعرفه جيدًا.

لكنني لم أستطع تصديق أذني.

صوت أمي.

كانت بتتكلم مع شخص آخر.

وقالت:

“ندى لازم تفضل جاهلة بالحقيقة. طول ما هي مش عارفة قيمة الملكية، محدش هيقدر يوصل لها.”

ثم جاء صوت رجل:

“وطارق؟”

أمي ردت:

“طارق مجرد أداة.”

تجمدت.

بصيت لأمي.

كانت واقفة قدامي.

وشها أبيض.

قلت:

“ماما…”

لم ترد.

أعدت تشغيل التسجيل.

صوتها كان واضحًا.

“أنا هخلي ندى تكره طارق، وبعدها هخليها تثق في أبوها. ولما يطلع أبوها من الصورة، هتكون محتاجة ليا.”

رفعت عيني إليها.

“إنتي؟”

بدأت تبكي.

“ندى، اسمعيني.”

قلت:

“إنتي اللي كنتي بتحركي كل ده؟”

قالت:

“أنا كنت بحميك!”

صرخت:

“بتحمييني؟!”

ثم سكتُّ.

لأنني تذكرت الرسالة القديمة.

والورقة.

والجناح.

وكل مرة قالت لي فيها إنني لازم أتنازل.

فجأة فهمت.

هي لم تكن تريد أن تخسرني.

لكنها أيضًا لم تكن مستعدة أن تتركني أعيش حياتي بعيدًا عن سيطرتها.

قال أبي:

“أمك كانت تعرف إن أخوكي اكتشف الحقيقة.”

بصيت لها.

“إيه الحقيقة؟”

أمي انهارت على الكرسي.

وقالت:

“أخوكي ما ماتش عشان الشركة.”

سكت الجميع.

ثم رفعت عيني وقالت:

“مات لأنه كان هيكشف إن الأموال كانت بتتسرق من حسابات العيلة.”

سألت:

“مين كان بيسرق؟”

أمي بدأت تبكي.

وأشارت إلى نفسها.

أنا ما قدرتش أتكلم.

لكنها قالت:

“أنا.”

ساد الصمت.

ثم أضافت:

“أنا بدأت آخد فلوس صغيرة من غير ما أبوكي يعرف… وبعدها الموضوع كبر.”

بصيت لها وأنا مش مصدقة.

قالت:

“أخوك اكتشف.”

“فهددك؟”

هزت رأسها.

“كان هيبلغ أبوكي.”

“وإنتي عملتي إيه؟”

قالت:

“حاولت أخليه يسكت.”

“إزاي؟”

سكتت.

وبعدين قالت:

“وده آخر جزء من الحقيقة…”

لكن قبل ما تكمل…

سمعنا صوت سيارات الشرطة خارج المخزن.

المحامي قال:

“حد بلغ الشرطة.”

أبي بص لي.

ثم قال:

“الآن لازم تختاري يا ندى.”

بصيت له.

“أختار إيه؟”

قال:

“إما تحمي أمك…”

سكت.

“أو تقولي كل اللي عرفتيه.”

نظرت إلى أمي.

ثم إلى أبي.

ثم إلى منى.

وأدركت أن القرار اللي كنت أهرب منه طول عمري…

وصل أخيرًا.

لأول مرة، لم يكن مطلوبًا مني أكون “البنت السهلة”.

ولم يكن مطلوبًا مني أسامح.

ولا أتنازل.

كان مطلوبًا مني فقط…

أقول الحقيقة.

لكن قبل ما أتكلم، دخل أحد رجال الشرطة الغرفة وقال:

“مدام ندى؟”

قلت:

“أيوه.”

قال:

“فيه شخص طلب يقابلك.”

“مين؟”

أخرج هاتفه.

وأراني صورة.

كانت صورة رجل لم أره منذ سنوات.

لكنني عرفته فورًا.

أخي.

رفعت عيني إليه في صدمة.

قلت:

“ده أخويا… لكنه مات.”

الشرطي قال:

“دي الصورة اتبعت لنا من رقم مجهول من عشر دقائق.”

ثم أضاف:

“والرسالة اللي تحتها بتقول…”

سكت.

ثم قرأ:

“قولوا لندى إن أخوها ما ماتش.”

تجمدت في مكاني.

التكملة في الجزء الأخير…
الشرطي لسه ماسك الموبايل قدامي، وأنا مش قادرة أستوعب الكلمة اللي قالها:

“أخوكِ ما ماتش.”

حسيت إن الأرض بتتحرك تحت رجلي.

بصيت لأبويا.

وشه كان متغير.

وبصيت لأمي.

كانت بتبكي، لكن المرة دي ما كانش بكاء خوف…

كان بكاء حد اتكشف سره.

قلت بصوت متقطع:

“بابا… إنت كنت عارف؟”

أبويا ما ردش.

صرخت:

“إنت كنت عارف إن أخويا عايش؟!”

أمي قامت بسرعة وقالت:

“ندى، اسمعيني…”

قاطعتها:

“إنتي متتكلميش!”

لأول مرة في حياتي، صوتي وقف أمي مكانها.

قلت:

“أنا عايزة الحقيقة كاملة. دلوقتي.”

أبويا غمض عينه، وقال:

“أخوكِ عايش.”

سكتُّ.

كنت مستنية باقي الكلام.

قال:

“بعد ، إحنا اعتقدنا إنه مات. لكن قبل الدفن…”

سكت.

قلت:

“قبل الدفن إيه؟”

قال:

“اكتشفنا إن الجثة مش جثته.”

حسام قرب منه وقال:

“يعني مين اللي مات؟”

أبويا قال:

“واحد كان موجود في نفس المكان.”

بدأت أفهم.

لم يكن مجرد

أخويا اختفى.

والعيلة دفنت شخصًا آخر.

لكن السؤال الأصعب كان:

ليه؟

أبويا قال:

“لأن أخوك كان شاهد على حاجة خطيرة.”

سألته:

“إيه؟”

قال:

“كان عنده مستندات تثبت إن فلوس الشركة اتسرقت من سنين، وإن فيه ناس من بره العيلة كانوا متورطين.”

بصيت لأمي.

“وإنتي؟”

قالت وهي بتبكي:

“أنا عرفت إنه عايش بعد شهور.”

“وعملتي إيه؟”

“خفت.”

“خوفك خلاكي تخبي عني إن أخويا عايش؟”

قالت:

“أبوك كان مقتنع إن لو عرفتي، هييجوا وراكي.”

هنا أبويا قال:

“وكان عندي سبب.”

ثم أخرج ظرفًا قديمًا من جيبه.

حطه قدامي.

وقال:

“ده آخر خطاب بعته أخوك.”

فتحته.

كان مكتوبًا فيه:

“أنا عايش، لكن لو رجعت، هعرّض ندى للخطر. خلي الملكية باسمها. هي الوحيدة اللي مش هيشكوا إنها صاحبة الأوراق.”

دموعي نزلت.

أخويا كان عايش.

وكان بيحميني من بعيد.

لكن ليه ما رجعش؟

في اللحظة دي، رن هاتف الشرطي.

استمع لثواني.

ثم قال:

“لقيناه.”

سألته بسرعة:

“فين؟”

قال:

“في مستشفى في القاهرة.”

ما استنيتش.

خرجنا كلنا.

بعد أقل من ساعة، كنت واقفة قدام غرفة في المستشفى.

إيدي كانت بتترعش.

حسام قال:

“لو مش مستعدة…”

قلت:

“أنا مستعدة.”

فتحت الباب.

وكان هناك رجل على السرير.

وجهه كان أنحف.

وشعره مختلف.

لكن عينيه…

عرفتهم فورًا.

قلت:

“كريم؟”

رفع عينه.

ابتسم ابتسامة صغيرة.

وقال:

“اتأخرتي يا ندى.”

انهرت.

جريت عليه.

وأول كلمة قلتها كانت:

“إنت سيبتني ليه؟”

دموعه نزلت.

قال:

“كنت بحميكي.”

قلت:

“أنا ما كنتش محتاجة حماية من أخويا.”

قال:

“كنت محتاجة حماية من الناس اللي حواليكي.”

وبص ناحية الباب.

كانت أمي واقفة.

أول ما شافته، انهارت.

“كريم…”

هو بص لها طويلًا.

وقال:

“إنتي أكتر واحدة كنت خايف منها.”

أمي بكت.

“أنا غلطت.”

قال:

“أيوه.”

ثم سكت.

بعدها بدأ كريم يحكي.

بعد ، اكتشف إن طارق كان يتعامل مع أشخاص من شبكة قديمة مرتبطة بالشركة.

وأمي كانت تعرف جزءًا من الموضوع.

لكنها لم تكن العقل المدبر.

كانت تحاول تغطي على سرقتها القديمة، فاستغلها الآخرون.

أما الشخص الذي كان يدير كل شيء من الخلف…

فكان عمنا.

لكن عمنا لم يكن يعمل وحده.

كان معه فؤاد منصور.

فؤاد هو الذي حاول استخدام طارق للوصول للملكية.

أما الرسائل والتهديدات، فكانت لإجبار أبي على تسليم المستندات.

أبويا كان يعتقد أنه يستطيع حماية الجميع بالصمت.

لكن الصمت جعل كل شيء أسوأ.

أما كريم…

فكان قد اختفى عمدًا.

واختار أن يجعل الجميع يعتقد أنه مات حتى يظل بعيدًا عنهم.

قلت له:

“طب ليه رجعت دلوقتي؟”

قال:

“لأنهم عرفوا إنك عرفتي الحقيقة.”

سكتُّ.

ثم فهمت.

كل اللي حصل في الغردقة…

ما كانش صدفة.

مونا وطارق.

الأوراق.

الجناح.

المشروع.

حتى محاولة الوصول ليا.

كل ده كان جزءًا من محاولة للوصول للملكية.

لكن كان فيه حاجة واحدة ما حدش حسب حسابها.

أنا.

البنت اللي طول عمرها كانت بتتنازل.

البنت اللي كانت بتدفع.

البنت اللي كانت بتسكت عشان البيت يفضل هادي.

أنا أخيرًا قلت:

“لأ.”

المحامي بدأ الإجراءات القانونية.

طارق اتقبض عليه بسبب المستندات المزورة.

وعمي اختفى فترة، لكنه اتقبض عليه بعد ما ظهرت التسجيلات والأوراق.

أما فؤاد منصور، فتم التحقيق معاه بعد ظهور الأدلة التي تثبت دوره في الضغط والابتزاز.

أمي اعترفت بكل اللي تعرفه.

ومع إنها دفعت ثمن أخطائها قانونيًا، إلا إنني لم أتركها وحدها.

مش لأنني نسيت.

لكن لأن المسامحة شيء…

والتنازل عن حقي شيء تاني.

أما منى؟

فكانت أصعب حاجة.

وقفت قدامي وقالت:

“أنا آسفة.”

بصيت لها.

“على إيه؟”

قالت:

“على كل مرة استغليتك فيها.”

قلت:

“مش بس الغرفة.”

سكتت.

قلت:

“إنتي كنتي فاكرة إني هفضل الأخت اللي تدفع وتتنازل وتعدي.”

قالت:

“كنت غلطانة.”

قلت:

“وأنا كمان كنت غلطانة.”

بصت لي.

قلت:

“كنت فاكرة إن الحفاظ على العيلة معناه إني أخسر نفسي.”

دموعها نزلت.

“وإنتي مش هتسامحيني؟”

قلت:

“هسامحك.”

سكتت.

ثم قلت:

“بس مش هرجع أكون زي زمان.”

بعد أسابيع، رجعت الغردقة.

المرة دي لوحدي.

دخلت نفس الفندق.

لكن ما حجزتش غرفة عادية.

حجزت نفس الجناح المطل على البحر.

وقفت قدام الشباك.

البحر كان هادي.

افتكرت اليوم اللي سحبوا فيه شنطتي من الغرفة.

افتكرت أمي وهي بتقول:

“منى عندها أولاد.”

افتكرت كل مرة اتقال لي فيها:

“إنتي هتستحملي.”

وكل مرة كنت بوافق.

ابتسمت.

مش لأن اللي حصل كان سهل.

لكن لأنني أخيرًا فهمت حاجة مهمة:

الطيبة من غير حدود ممكن تتحول لعبء على صاحبها.

وفي اليوم التالي، جالي اتصال من الشركة.

حسام قال:

“ندى، المشروع بدأ.”

قلت:

“وأنا جاهزة.”

قال:

“وفيه اجتماع مهم جدًا.”

سألته:

“مع مين؟”

سكت لحظة.

ثم قال:

“مع مستثمر جديد.”

“مين؟”

قال اسمًا لم أسمعه من قبل.

لكن بعد ثواني وصلتني رسالة على هاتفي.

فتحتها.

كانت جملة واحدة:

“مبروك إنك عرفتي الحقيقة… بس لسه ما عرفتيش الحقيقة كلها.”

تحت الرسالة كان فيه ملف مرفق.

فتحته.

وكان أول سطر فيه:

“ملف وفاة كريم — النسخة الأصلية.”

قلبي اتقبض.

بصيت إلى البحر.

وفهمت إن القصة اللي افتكرت إنها انتهت…

يمكن تكون لسه بتبدأ.

لكن المرة دي، أنا مش البنت اللي هتتنازل.

أنا ندى.

واللي عايز يدخل حياتي…

لازم يعرف الأول:

الأخت السهلة انتهت.
تمت

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى