قصص وروايات

فارس

— إذا حدث لي شيء، فالمبلغ المستحق يجب أن يعود إلى ابنتي مريم، وليس إلى أي فرد من أفراد عائلتي أو عائلة نوال.

وقتها فهمت. أبويا كان متوقع إن ممكن يحصل له حاجة. والأهم… إنه كان عارف إن فلوسه ممكن تختفي بعد وفاته.

بصيت لفارس. وقلت:

— إنت كنت تعرف كل ده من قبل ما تتجوزني؟

سكت. ثم قال:

— عرفت بعد الخطوبة.

— وسكت؟

— كنت خايف.

— خايف من مين؟

بص ناحية أمه. وفهمت الإجابة من غير ما يقولها.

في نفس اللحظة، رن جرس الباب. كلنا اتجمدنا. محمود راح يفتح. وكان واقف قدام الباب… سامر. بص لنوال. ثم لف ناحيتي وقال:

— أخيرًا عرفتي الحقيقة.

ثم أخرج من جيبه ملفًا أزرق. وقال:

— وده آخر مستند… واللي لو قريتيه، هتفهمي ليه أمك حذرتك من فارس قبل جوازك.

نظرت إلى فارس. وكان واضح من عينيه إن اللي جاي… هو أخطر شيء في القصة كلها.

سامر دخل الشقة، وحط الملف الأزرق على الترابيزة. نوال كانت بتبص له بغضب.

— إنت مالكش حق تدخل هنا.

رد بهدوء:

— البيت ده فيه أوراق تخصني كمان.

محمود قال:

— افتح الملف.

سامر بص لي.

— قبل ما أفتحه، لازم تعرفي حاجة. أنا ماجيتش عشان أهددك، ولا عشان آخد فلوس منك.

فتح الملف. وأخرج أول ورقة.

— أنا كنت شريك والدك في المشروع.

بصيت له باستغراب.

— لكن أمي قالت إنك كنت شريكها هي.

ابتسم ابتسامة حزينة.

— كانت شريكتي في جزء من المشروع، لكن والدك كان صاحب الحصة الأكبر.

ثم أخرج مستندًا آخر.

— قبل وفاة والدك بفترة، اكتشف إن فيه تحويلات مالية اتعملت من غير علمه.

نظرت لنوال. قال سامر:

— والدك واجه نوال.

نوال قاطعته:

— ده كلام كذب.

سامر لم يرد عليها. وأخرج نسخة من محضر اجتماع قديم.

— والدك كان ناوي ينهي الشراكة ويسترد أمواله.

قلب الصفحة.

— لكن قبل ما يقدر يعمل ده، حصل الحادث.

سكت. كل شيء أصبح واضحًا بطريقة مؤلمة. سألت:

— وفارس؟

سامر تنهد.

— فارس عرف جزءًا من الموضوع قبل الجواز.

بصيت لفارس.

— إنت عرفت إن أمي كانت بتحذرني من عيلتك، ومع ذلك اتجوزتني؟

قال:

— كنت بحبك.

رديت:

— الحب مش مبرر للكذب.

سكت. ثم قال:

— كنت فاكر إني أقدر أصلح كل حاجة.

محمود سأله:

— والتحويلات اللي خرجت من حساب مريم؟

سامر رد:

— كانت لسداد جزء من أموال والدها.

نظرت لفارس.

— يعني الفلوس اللي أخدتها مني قبل الجواز كانت عشان تسدد ديون أمك؟

خفض رأسه.

— أيوه.

شعرت أن الأرض تهتز تحت قدمي. كل مرة قال فيها إنه محتاج فلوس. كل مرة قال فيها إن أمه عندها مشكلة. كل مرة صدقته فيها. كانت الحقيقة مختلفة.

قال سامر:

— لكن فيه حاجة أهم.

أخرج ورقة أخيرة.

— والدك ترك تعليمات قانونية تمنع نقل أي جزء من أمواله إلا بموافقتك.

محمود أخذ الورقة وراجعها. ثم قال:

— الوثيقة صحيحة، وده معناه إن أي تصرف تم بالمخالفة لها محتاج مراجعة قانونية.

نوال بدأت تبكي. وقالت:

— أنا ماكنتش عايزة أؤذي مريم.

بصيت لها.

— بس أذيتي أولادي.

سكتت. قلت:

— حتى لو كل اللي عملتيه قبل ما أتجوز فارس كان بسبب الخوف أو الطمع أو أي سبب تاني، اللي حصل في المطعم كان اختيارك.

ثم نظرت لفارس.

— وأنت كان عندك فرصة تختار أولادك.

قال:

— أنا آسف.

هزيت راسي.

— الاعتذار مهم، لكنه مش هيمسح اللي حصل.

في اليوم التالي، بدأ محمود الإجراءات القانونية. تم تجميد بعض الحسابات محل النزاع لحين مراجعة المستندات، وتمت مراجعة التحويلات القديمة والعقود. وبعد أسابيع، ظهرت الحقيقة كاملة. والدي كان قد ترك جزءًا من أمواله باسمي، لكن بعض الأموال كانت قد انتقلت بالفعل بطريقة غير صحيحة قبل وفاته. والأموال التي حصل عليها فارس قبل زواجنا كانت جزءًا من محاولة لإخفاء المشكلة بدل مواجهتها. أما نوال، فكانت قد أخفت مستندات مهمة لسنوات.

لم يكن الأمر مجرد حفلة عيد ميلاد. كانت هناك سنوات من الأسرار. لكن أغرب شيء حصل بعد ذلك كان متعلقًا بليلى وآدم.

في أول جلسة عائلية بعد الانفصال، قال آدم لفارس:

— بابا، أنا مش زعلان إنك سبتنا في الحفلة.

فارس رفع عينيه.

— مش زعلان؟

آدم قال:

— زعلان إنك شفتنا زعلانين وماعملتش حاجة.

فارس بدأ يبكي. ليلى كانت واقفة بجانبه وقالت:

— إحنا مش محتاجين منك تختار بينا وبين تيتا. إحنا بس كنا محتاجين تحترمنا.

ماعرفش يرد. أما أنا، فكنت عارفة إن قرار الانفصال أصبح نهائيًا بالنسبة لي.

بعد عدة أشهر، انتقلت أنا وأولادي إلى بيت جديد. لم يكن أكبر من البيت القديم. ولم يكن أفخم. لكنه كان هادئًا. وكان أهم شيء فيه أن أولادي لم يعودوا يشعرون أنهم ضيوف في حياتهم.

وفي عيد ميلاد نوال التالي، وصلني منها ظرف. لم أفتحه إلا بعد أيام. كان بداخله جواب قصير:

— مريم، ربما خسرت ابني بسبب أخطائي، وربما لن تسامحيني أبدًا. لكني أدركت متأخرة أن الأطفال لم يكونوا المشكلة. المشكلة كانت في الطريقة التي عاملتهم بها.

قرأت الرسالة مرة واحدة. ثم وضعتها جانبًا. لم أكن أعرف إذا كنت هسامحها يومًا. لكنني كنت أعرف شيئًا واحدًا: لن أسمح لأي شخص مرة أخرى أن يجعل أولادي يشعرون أنهم أقل قيمة من أي شخص آخر.

أما فارس، فقد بدأ يحاول إصلاح علاقته بأولاده. لم أعد زوجته. لكنني لم أمنعه من أن يكون أبًا لهم. كنت أضع حدودًا واضحة. وكان عليه أن يثبت بالأفعال، وليس بالكلام، أنه فهم الدرس.

وفي ليلة هادئة، كنت قاعدة مع ليلى وآدم على السفرة. آدم قال فجأة:

— ماما، فاكرة يوم حفلة تيتا؟

ابتسمت.

— فاكره.

قال:

— أنا كنت فاكر ساعتها إننا عبء.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى