منوعات

الجزء الثاني والاخير

دخل موظف البنك مرة تانية.

وقال:

— أستاذة سلمى، فيه مستند أخير وصلنا من الإدارة القانونية.

ثم مد لها ظرفًا أبيض.

— والمستند ده ممكن يغير مسار الموضوع كله.

فتحت سلمى الظرف.

قرأت أول سطر.

وتغير وجهها.

لأن الاسم الموجود أسفل المستند…

لم يكن اسم محمود.

ولا اسم نوال.

كان اسم شخص لم يخطر على بالها أبدًا.
سلمى فضلت ماسكة الورقة ومش قادرة تتكلم.

المحامي ياسر قرب منها.

— مين الاسم؟

سلمى رفعت الورقة ببطء.

كان مكتوبًا في أسفلها:

«هشام عبد الرحمن».

محمود أول ما شاف الاسم، وشه اتغير.

سلمى لاحظت.

— إنت تعرفه؟

محمود لم يرد.

المحامي سأله:

— أستاذ محمود؟

قال محمود بصوت منخفض:

— كان مستشار مالي.

سلمى بصت له.

— مستشار مالي لإيه؟

— لشغلي.

المحامي أخذ الورقة.

قرأها بعناية.

ثم قال:

— المستند ده بيقول إن هشام هو الشخص اللي قدم بعض المستندات الأولية للبنك.

سلمى سألت:

— يعني هو اللي زورها؟

المحامي رد:

— الورقة لا تثبت وحدها إنه زورها. لكنها تثبت إنه كان طرفًا في تجهيز الملف.

سلمى بصت لمحمود.

— وليه ما قلتليش؟

محمود سكت.

لكن قبل ما يجاوب، رن هاتفه.

ظهر اسم على الشاشة.

هشام.

محمود لم يرد.

رن الهاتف مرة ثانية.

ثم مرة ثالثة.

وأخيرًا فتح المكالمة.

جاء صوت هشام متوترًا:

— محمود، لازم نتكلم.

محمود رد:

— مش دلوقتي.

— لأ، دلوقتي. البنك عرف كل حاجة.

سلمى كانت واقفة أمامه وتسمع.

هشام أكمل:

— أنا مش هتحمل الموضوع لوحدي.

محمود قال بعصبية:

— اقفل!

لكن هشام قال جملة جعلت محمود يسكت:

— لو أنا وقعت، هقول لهم مين اللي اداني صور أوراق سلمى.

انتهت المكالمة.

ساد الصمت.

سلمى قالت:

— أخيرًا.

محمود بص لها.

— أخيرًا إيه؟

— أخيرًا عرفت إن كل حاجة كانت ماشية بخطة.

—

بعد يومين، بدأت الإجراءات القانونية.

البنك أوقف طلب التمويل.

وتم إرسال المستندات محل الشبهة إلى الجهات المختصة للفحص.

أما سلمى، فراجعت كل حسابات شركتها مع المحامي والمحاسب الجديد.

واكتشفت إن جزءًا من الأموال لم يكن مجرد «ديون» كما قال محمود.

كانت هناك تحويلات متفرقة على مدار شهور.

مبالغ صغيرة في البداية.

ثم مبالغ أكبر.

وكانت كلها تمر من خلال أكثر من حساب.

لكن وجود الملف الأزرق جعل تتبعها ممكنًا.

لأن سلمى كانت تحتفظ بنسخ من كل المستندات الأصلية.

ولهذا السبب تحديدًا، لم يستطع أحد إقناعها بأن الأوراق المزورة هي الحقيقة.

—

أما نوال، فاضطرت تترك البيت.

قبل ما تمشي، وقفت عند الباب.

بصت إلى سلمى.

وقالت بصوت ضعيف:

— أنا آسفة.

سلمى لم ترد بسرعة.

كانت تقدر تقول كلامًا كثيرًا.

لكنها اكتفت بجملة واحدة:

— كنت أتمنى تكوني فعلًا أمي… مش الشخص اللي كان بيطالبني بحقي في بيتي.

نوال نزلت عينيها.

ومشيت.

—

بعد أسبوع، جاء محمود إلى الشركة.

لم يدخل.

وقف عند الباب واتصل بها.

— سلمى، ممكن نتكلم؟

خرجت له.

كان شكله مختلفًا.

هادئًا.

متعبًا.

قال:

— أنا عارف إني غلطت.

سلمى لم ترد.

— وعارف إنك فقدتي ثقتك فيّ.

قالت:

— الثقة ما بتضيعش في يوم واحد.

نظر إليها.

— تقصدي إيه؟

— بتضيع كل مرة الشخص اللي قدامك يختار الكذب وهو عارف إنه بيكدب.

سكت.

ثم قال:

— ممكن نبدأ من جديد؟

سلمى هزت رأسها.

— أنا بدأت من جديد فعلًا.

— من غيري؟

— أيوه.

ظل صامتًا.

ثم سأل:

— والبيت؟

ابتسمت لأول مرة.

— البيت كان بتاعي قبل ما أتجوزك.

ثم أضافت:

— لكن المشكلة إنني كنت فاكرة إن الزواج معناه إن البيت بقى بيتنا إحنا الاتنين.

سكتت لحظة.

— إنت اللي قررت تحوله إلى ورقة ضمان.

محمود لم يجد ما يقوله.

—

بعد شهر، أغلقت سلمى الملف الخاص بالبيت.

وضعت النسخة الأصلية في خزنة جديدة داخل مكتبها.

أما الملف الأزرق القديم، فلم تعد تخبئه في درج.

وضعته على رف أمامها.

ليس لأنها كانت تخاف منه.

لكن لأنه أصبح بالنسبة لها تذكرة بشيء مهم جدًا.

إن الإنسان ممكن يقضي سنين وهو بيحاول يحافظ على بيته…

لحد ما يكتشف إن الحفاظ على البيت مش معناه إنه يسكت عن كل حاجة.

أحيانًا، الخروج من البيت هو أول خطوة لاستعادة نفسك.

وفي آخر يوم، كانت سلمى في مكتبها تراجع خطة المؤتمر الجديد.

رن هاتفها برسالة من رقم غير محفوظ.

فتحتها.

كانت رسالة قصيرة جدًا:

«أنا عرفت الحقيقة كاملة… وفيه حاجة واحدة لسه ما عرفتيهاش عن محمود.»

سلمى فضلت تبص للشاشة.

ثم ظهر بعدها مباشرة ملف مرفق.

اسم الملف:

«التحويل الأول».

فتحت سلمى الملف.

وقرأت التاريخ.

كان قبل زواجها من محمود بـ6 أشهر.

لكن المفاجأة لم تكن في التاريخ.

المفاجأة كانت في اسم الشخص الذي استلم أول تحويل.

لأن الاسم كان…

اسم والدها.

تجمدت سلمى مكانها.

رفعت عينيها عن الشاشة.

وقالت بصوت منخفض:

— بابا؟!

وهنا فهمت إن قصة محمود والملف الأزرق…

ربما لم تكن بدايتها بعد الزواج أصلًا.

بل قبل أن تعرف محمود بوقت طويل.
تمت

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى