
سألته:
— وإنت عرفت ده إمتى؟
— قبل جوازنا بشهور.
— يعني اتجوزتني علشان توصل للملفات؟
حسام خفض رأسه.
— في البداية… أيوه.
الكلمة كانت أقسى من أي اعتذار.
لكنه رفع عينيه وقال:
— لكن بعد ما حبيتك، كل حاجة اتغيرت.
ضحكت من شدة الصدمة.
— حبيتني؟ وإنت كنت بتعمل كل ده ورا ضهري؟
قال:
— لما حاولت أخرج من الموضوع، هددوني بيكي.
ثم أشار إلى الملف.
— عشان كده عملت كل اللي عملته. كنت عايز أخليهم يعتقدوا إنك مالكيش علاقة بالمستندات.
قلت:
— ورميتني قدام حماتي؟
— كان لازم أخليهم يصدقوا إن الخطة نجحت.
محمود قاطعه:
— ولو الخطة فشلت؟
حسام بص له.
— كانوا هيقتلوا نادية.
ساد الصمت.
الضابط اقترب منه.
— هتشرح كل حاجة في القسم.
حسام بصلي للمرة الأخيرة.
— قبل ما آخدوني… فيه حاجة لازم تعرفيها.
— إيه؟
قال:
— الشخص اللي كان بيمول كل ده مش مدير الشركة.
ثم أشار إلى صورة والدي.
— الشخص ده كان أقرب واحد لأبوكي.
نظرت للصورة.
الرجل الثالث.
الرجل الذي لم أكن أعرفه.
سامي فؤاد.
لكن رانيا شهقت فجأة.
— مستحيل…
بصينا لها.
قالت وهي بتحدق في الصورة:
— الصورة دي مستحيل تكون صحيحة.
سألتها:
— ليه؟
قالت:
— لأن والدي مات قبل التاريخ المكتوب على ظهر الصورة بسنتين.
وفي اللحظة نفسها، فهمنا الحقيقة المرعبة:
الصورة لم تكن قديمة كما اعتقدنا.
كانت مزورة.
والشخص الذي يقف بجوار والدي لم يكن سامي فؤاد…
كان شخصًا آخر استخدم اسمه.
لكن السؤال الذي قلب كل شيء:
مين الشخص اللي كان عايش باسم سامي فؤاد طوال السنين دي؟
فضلنا واقفين نبص للصورة كأننا بنحاول نطلع منها إجابة.
رانيا كانت شاحبة.
قالت:
— أنا متأكدة إن والدي مات من خمس سنين. وعندي شهادة الوفاة وكل المستندات.
محمود أخذ الصورة وقربها من الضوء.
— استنوا… هنا فيه حاجة.
أشار إلى ساعة كانت في يد الرجل الواقف بجوار والدي.
— الصورة متصورة بكاميرا حديثة نسبيًا، مش صورة قديمة.
الضابط سأل:
— يعني الصورة اتعملت مؤخرًا؟
— أيوه.
حسام قال:
— قلت لكم… الشخص ده كان لسه موجود.
سألته:
— إنت تعرفه؟
هز رأسه.
— شفته مرة واحدة.
— فين؟
قال:
— في مكتب شركة النور.
ثم أضاف:
— وكان بيتكلم مع مدير الشركة كأنه هو صاحب القرار الحقيقي.
الضابط سأل:
— تعرف اسمه؟
حسام سكت.
ثم قال:
— الاسم اللي كانوا بينادوه بيه كان فؤاد سامي.
رانيا انتفضت.
— فؤاد سامي؟
هز حسام رأسه.
قالت رانيا:
— ده اسم والدي بالعكس.
بدأنا نفهم.
الرجل كان يستخدم اسم والدها بطريقة معكوسة، وكأنه تعمد يترك وراءه خيطًا مضللًا.
لكن لماذا؟
في اللحظة دي، وصل اتصال للضابط.
استمع لبضع ثوانٍ.
ثم قال:
— لقيناه.
سأله محمود:
— مين؟
— الرجل اللي كنا بندور عليه.
بعد أقل من ساعة، كنا في مبنى شركة النور.
الشرطة كانت محاصرة المكان.
وفي أحد المكاتب الخلفية وجدوا رجلًا يحاول التخلص من ملفات.
أول ما شفته، عرفت إن ملامحه كانت مألوفة.
لكن ماعرفتش منين.
الضابط أمسكه.
قال الرجل:
— أنا ماليش علاقة بأي حاجة!
رانيا اقتربت منه.
وفجأة صرخت:
— إنت!
الرجل اتوتر.
قالت:
— أنا شفتك وأنا طفلة.
بص لها.
— مستحيل.
قالت:
— كنت واقف مع أبويا يوم جنازته.
الرجل سكت.
الضابط سأله:
— اسمك الحقيقي؟
لم يرد.
لكن الشرطة كانت بالفعل قد حصلت على بصماته.
بعد دقائق ظهر التقرير.
الاسم الحقيقي كان مختلفًا تمامًا.
والأخطر…
كان نفس الشخص المسجل في مستندات قديمة كشريك في شركة والدَي.
عندها انكشف كل شيء.
قبل سنوات، والدِي اكتشف أن شركاءه بيستخدموا الشركة في تحويلات مالية مشبوهة.
قرر الانسحاب وفضحهم.
لكن أحدهم سبقَه.
تم تدبير الحادث الذي أنهى حياته، وبعدها اختفت مستندات كثيرة.
لكن والدي كان أذكى منهم.
قبل وفاته، وضع النسخ الأصلية في الخزنة.
وكان يعرف إن الشخص اللي يثق فيه أكثر من أي حد ممكن يكون هو اللي يخونه.
علشان كده كتب الرسالة.
أما حسام…
فكان والده واحدًا من الأشخاص المتورطين.
حسام عرف الحقيقة بعد وفاة والده، لكنه دخل في نفس الدائرة بدل ما يهرب منها.
ولما قابلني، كان هدفه الأول هو الوصول إلى أوراق والدي.
لكن مع الوقت، اتغيرت مشاعره.
المشكلة إنه بدل ما يواجه الحقيقة، اختار يلعب لعبتهم.
زوّر مستندات.
استخدم أموالًا من حسابي.
ورهن شقتي.
وخدع أمه.
وفي النهاية كاد يخسر كل شيء.
أما سميحة، فكانت أكثر واحدة اتوجعت.
بعد التحقيق، اكتشفت أن الأموال التي دفعتها لشراء «الشقة» لم تدخل أصلًا في صفقة حقيقية.
كانت جزءًا من تمويل العملية.
رجعت لي بعدها بأيام.
وقفت قدامي، وعينيها مليانة ندم.
قالت:
— أنا ظلمتك.
ما رديتش.
قالت:
— صدقت ابني من غير ما أسمعك.
قلت:
— المشكلة مش إنك صدقتيه. المشكلة إنك حكمتي عليّ قبل ما تعرفي الحقيقة.
نزلت دموعها.
— عندك حق.
أما أنا، فلم أكن أعرف ماذا أفعل بحياتي بعد كل ما حدث.
قدمت كل المستندات للنيابة.
تم تجميد حسابات الشركة.
وتم فتح تحقيق موسع في العقارات والمستندات المزورة.
وحسام واجه اتهامات متعددة.
لكن قبل أن يأخذوه، طلب يقابلني مرة أخيرة.
وافقت.
دخل الغرفة وهو مكبل اليدين.
قال:
— عارف إنك مش هتسامحيني.
قلت:
— مش دلوقتي.
خفض رأسه.
— بس عايزك تعرفي حاجة واحدة.
سكت.
— لما بدأت الموضوع، كنت فاكر إنك مجرد وسيلة أوصل بيها للحقيقة.
رفع عيني.
— لكن إنتِ بقيتي أهم من الحقيقة نفسها.
قلت له:
— لو كنت بتحبني فعلًا، كنت وثقت فيا وقلتلي الحقيقة من الأول.
ماعرفش يرد.
خرج من الغرفة.
ولأول مرة منذ أيام، حسيت إن صدري أخف.
بعد شهور، رجعت أعيش في شقتي.
غيرت الباب.
وغيرت الأقفال.
وحتى الدواسة اللي عليها الديوك رميتها.
ياسين رجع لبطولات الشطرنج.
وفي أول بطولة بعد كل اللي حصل، وصل للنهائي.
قبل المباراة، بصلي وقال:
— ماما، فاكرة لما قلتلك إن بيتنا ممكن يهرب؟
ابتسمت.
— أيوه.
قال:
— طلع البيت ما هربش.
ضحكت.
— لأ.
هز رأسه.
— إحنا اللي رجعنا له.
وفهمت وقتها إن أكبر خسارة في حياتي لم تكن الشقة، ولا الفلوس، ولا حتى زواجي.
أكبر خسارة كانت ثقتي في شخص ظننته يومًا أقرب إنسان لي.
لكن في المقابل…
بتفضل مستنية اللحظة اللي تظهر فيها.
والورقة اللي ظنوها هتستخدم لطردي من بيتي…
هي نفسها اللي كشفت الشبكة كلها.
أما شقتي؟
فضلت ملكي.
وأما البيت الذي قالوا إنه لم يعد لي…
فكان أول مكان رجعت إليه بعدما انتهت الحكاية.
وقفت أمام الباب، ولمست المقبض الجديد، وقلت لنفسي:
«المرة دي… محدش هيقرر مكاني غيري.»
تمت




