
— قدموا مجموعة عقارات ومستندات ملكية لشركات مختلفة.
الضابط سأل:
— يعني فيه عقارات تانية؟
— أكتر من عشرة.
بدأت أفهم.
حسام ماكانش بيحاول ياخد شقتي بس.
كان بيستخدم مستندات عقارات ناس تانية علشان يحصل على تمويل ضخم.
والشقة بتاعتي كانت واحدة من الضمانات.
لكن السؤال اللي كان بيقتلني:
ليه أنا؟
ليه اختار شقتي تحديدًا؟
سألت رانيا.
فضلت ساكتة.
ثم قالت:
— لأن شقتك كانت أسهل واحدة بالنسبة لهم.
— ليه؟
— لأن فيه مستند قديم جدًا باسم والدك.
اتجمدت.
— والدي؟
والدي كان متوفى من سنين.
قالت:
— قبل ما تشتري الشقة، والدك كان له ملف عقاري قديم مرتبط بنفس المنطقة.
محمود تدخل:
— استني… أنا فاكر الملف ده.
بصيت له.
— إنت تعرفه؟
— والدك كان عنده شركة مقاولات صغيرة زمان، صح؟
هزيت رأسي.
— أيوه.
— يبقى فيه احتمال إن حسام مااختاركش عشوائي.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
رانيا قالت:
— حسام كان بيدور على ملف قديم باسم والدك من قبل ما يتجوزك.
سألتها وأنا مش قادرة أصدق:
— قبل جوازنا؟
— أيوه.
سكتت لحظة، ثم أضافت:
— وده معناه إن تعارفه بيكي ممكن ماكانش صدفة.
كأن حد ضربني في صدري.
كل الذكريات بدأت تتغير قدامي.
اليوم اللي قابلته فيه.
إصراره إنه يعرف شغلي.
أسئلته الكتير عن والدي.
اهتمامه المبالغ فيه بملكية الشقة.
حتى أول مرة دخل فيها البيت، كان بيسألني عن أوراق قديمة في دولاب والدي.
وقتها كنت فاكرة إنه فضول.
لكن دلوقتي…
بدأت أشوف كل حاجة بشكل مختلف.
فجأة رن هاتف الضابط.
استمع للمكالمة، ووشه اتغير.
قال:
— فيه أمر تفتيش صدر.
سأله محمود:
— ضد مين؟
رد:
— ضد شركة النور.
ثم نظر لي.
— وكمان فيه بلاغات من ملاك تانيين بيقولوا إن عقاراتهم اتستخدمت في نفس العملية.
سميحة بدأت تبكي.
— وابني؟
الضابط لم يرد.
لكن رانيا قالت بهدوء:
— حسام اختفى من امبارح.
رفعت عيني لها.
— اختفى؟
— أيوه.
ثم مدت لي ظرفًا صغيرًا.
— وده اتساب عندي قبل ما يختفي.
فتحت الظرف بإيد مرتعشة.
كان بداخله مفتاح صغير.
ومعه ورقة مكتوب عليها بخط حسام:
«لو وصل المفتاح لنادية، يبقى أنا فشلت. لكن لو عايزة تعرفي الحقيقة كاملة، افتحي الخزنة رقم 17 قبل ما الشرطة توصل لها.»
وتحت الجملة عنوان مكان لم أسمع عنه من قبل.
بنك قديم في وسط الإسكندرية.
لكن آخر سطر في الورقة كان هو الأخطر:
«نادية، سامحيني… أنا مااخترتش أكون جوزك بالصدفة.»
رفعت عيني عن الورقة.
وفي اللحظة نفسها، وصل بلاغ جديد للشرطة.
كان عن سيارة حسام.
العربية اتوجدت متروكة عند محطة القطار.
لكن حسام نفسه لم يكن بداخلها.
وكان فيه شيء واحد فقط على كرسي السائق…
جواز سفره.
وصلنا للبنك قبل ما الشمس تغيب.
كان المكان قديم، وممراته شبه فاضية، وكأن الزمن وقف جواه من سنين.
محمود كان معايا، والشرطة كانت على بعد دقائق.
فضلت ماسكة المفتاح في إيدي وأنا حاسة إن كل خطوة بتقربني من حقيقة كنت خايفة أعرفها.
وصلنا للدور السفلي.
الموظف راجع الرقم وقال:
— الخزنة رقم 17 موجودة، لكن لازم صاحبة الخزنة تكون موجودة.
محمود قدم المستندات.
بعد دقائق، وافقوا على فتحها بحضور الشرطة.
دخلنا الغرفة.
كانت الخزنة صغيرة.
دخلت المفتاح.
لفيته.
طَق.
فتحت.
لكن بدل ما ألاقي فلوس أو مجوهرات، لقيت صندوقًا خشبيًا قديمًا.
فوقه صورة لوالدي.
إيدي بدأت ترتعش.
فتحت الصندوق.
كان جواه ملف كامل.
أول ورقة كانت نسخة من عقد تأسيس شركة قديمة كان والدي شريكًا فيها.
وتحتها أسماء عدة أشخاص.
واحد منهم كان اسم مدير شركة «النور».
والاسم الثاني…
والد حسام.
رفعت عيني لمحمود.
— أبو حسام كان شريك مع أبويا؟
قال:
— واضح إن الموضوع أقدم بكتير مما توقعنا.
قلبت الورق بسرعة.
لقيت مستندات تحويلات، وإيصالات، وصور عقود.
وفي آخر الملف كانت هناك ورقة مكتوب عليها بخط والدي:
«لو حصل لي أي شيء، لازم نادية تعرف الحقيقة كاملة.»
حبست نفسي.
قرأتها.
«الشركة اتورطت في معاملات مالية غير قانونية، وأنا قررت الانسحاب وتسليم كل المستندات للجهات المختصة. بعض الشركاء حاولوا يمنعوني. لو اختفيت أو حصل لي مكروه، فالمستندات الموجودة في الخزنة هي الدليل.»
اتسعت عيناي.
والدي لم يمت بسبب حادث عادي كما كنت أعتقد؟
محمود قرأ الورقة، ثم قال:
— نادية، لازم نعرف التقرير الرسمي لوفاة والدك.
قلت:
— التقرير قال حادث سيارة.
— وهل كان فيه تحقيق وقتها؟
— أيوه… لكن الموضوع اتقفل بسرعة.
وقبل ما نكمل، سمعنا صوت خطوات خارج الغرفة.
الضابط أشار لنا بالصمت.
الباب اتفتح.
ودخلت رانيا.
قالت بسرعة:
— لازم نمشي.
محمود سألها:
— ليه؟
قالت:
— لأن حسام مش هارب.
اتجمدت.
— يعني إيه؟
قالت:
— هو اتاخد.
— مين أخده؟
— مش عارفة، لكن قبل ما أجي هنا وصلتني رسالة من رقم مجهول.
أخرجت هاتفها.
الرسالة كانت قصيرة:
«ابعدوا عن الخزنة. اللي حصل من سنين ماينفعش يتفتح.»
الضابط أخذ الهاتف فورًا.
— هنعتبر دي تهديدًا رسميًا.
لكن أنا كنت ببص للملف.
وسط الأوراق لقيت صورة قديمة.
صورة لوالدي واقف أمام مكتبه.
وبجانبه ثلاثة رجال.
عرفت واحدًا منهم فورًا.
والد حسام.
والثاني كان مدير شركة النور.
أما الثالث…
فكان شخصًا لم أره من قبل.
قلبت الصورة.
على ظهرها مكتوب:
«الرجل الذي سيحمي نادية مهما حدث.»
وتحتها اسم:
سامي فؤاد.
سألت رانيا:
— مين سامي فؤاد؟
وشها تغير.
قالت:
— ده والدي.
سكت الجميع.
قلت:
— والدك كان يعرف أبويا؟
— كان أقرب شخص له.
ثم بدأت تبكي.
— والدي مات من خمس سنين.
محمود قال:
— ونادية اشترت الشقة من خمس سنين.
رانيا رفعت رأسها.
— يعني…
قلت:
— يعني كلنا كنا جزءًا من نفس القصة من غير ما نعرف.
وفجأة جاء صوت من خلف الباب:
— مش كلنا.
استدرنا.
كان حسام واقفًا عند الباب.
وجهه كان مرهقًا، وملابسه متسخة، لكنه كان حيًا.
صرخت:
— حسام!
الضابط رفع سلاحه وأمره يرفع إيديه.
حسام نفذ.
وبصلي مباشرة.
قال:
— نادية… أنا كنت عايز أحميكي.
صرخت فيه:
— تحميني؟! إنت حاولت تسرق بيتي وتستخدمه ضمان!
هز رأسه.
— أنا ماكنتش عايز أبيع بيتك.
— أمال كنت عايز إيه؟
سكت.
ثم قال:
— كنت عايز أوصل للمستندات اللي أبوكي خبّاها.
شعرت بصدمة.
— ليه؟
قال:
— لأن أبويا قتل الحقيقة… وأنا اكتشفت ده متأخر.
عمّ الصمت.
أكمل:
— والدك ما ماتش بسبب حادث عادي.
شعرت أن قدمي لم تعودا تحملانني.
محمود أمسك بذراعي.
حسام قال:




