
رفع عينه وقال:
— حسام عبد الرحمن.
سميحة شهقت.
— ابني؟!
لكن الضابط كمل:
— والأغرب إن المستند بيشير إلى أن العقار المستخدم كضمان للتمويل هو نفس عنوان شقة مدام نادية.
ساد الصمت.
بصيت لسميحة.
لأول مرة شفت الخوف الحقيقي في عينيها.
قالت بصوت مرتجف:
— بس حسام قالي إنه اشترى الشقة ليا!
محمود رد:
— واضح إنه مااشترهاش أصلًا.
سميحة حطت إيدها على صدرها.
— أمال فلوسي راحت فين؟
السؤال ده خلاني أبص لها.
— فلوس إيه؟
قالت وهي على وشك الانهيار:
— فلوس بيع شقتي في طنطا.
سكت الجميع.
قالت:
— حسام قال لي إن الفلوس هتتحط في حساب أمان، وإنه هيكمل عليها علشان يشتري الشقة دي.
محمود سألها:
— إمتى بعتي شقتك؟
قالت:
— من أسبوعين.
— والمبلغ؟
قالت رقمًا جعلني أنظر لمحمود في صدمة.
كان مبلغًا كبيرًا جدًا.
مبلغ يكفي فعلًا لشراء عقار محترم.
لكن فجأة…
رن هاتف أحد أفراد الشرطة.
رد.
استمع لبضع ثوانٍ.
ثم نظر إلى الضابط المسؤول.
— سيدي، البنك أكد إن التحويل تم فعلًا.
— لحساب مين؟
الرجل أعطاه الاسم.
الضابط سكت.
وبعدين قال:
— الحساب باسم شركة.
سميحة سألت:
— شركة مين؟
الضابط قرأ الاسم.
«النور للتطوير والاستثمار العقاري».
نفس الشركة الموجودة في الكود.
نفس الشركة اللي ظهر اسم حسام مرتبط بيها.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت لسه جاية.
لأن محمود فتح اللابتوب بسرعة وقال:
— نادية… لازم تشوفي ده.
قربت منه.
كان بيفتح ملف قديم خاص بشراء الشقة.
وبين الأوراق ظهر مستند لم أره في حياتي.
تاريخ المستند كان قبل زواجي بحسام بشهرين.
وفي أسفل الصفحة توقيع…
توقيعي أنا.
صرخت:
— ده مش توقيعي!
محمود قال:
— عارف.
— إزاي؟
— لأن التوقيع ده موجود في مستند رسمي تاني… لكن باسم شخص مختلف.
سألته:
— مين؟
رفع عينه ناحيتي وقال:
— الست اللي دخلت شقتك بالمعطف الأحمر.
في اللحظة دي وصلت رسالة على موبايل منى.
كانت صورة جديدة.
المرأة نفسها كانت واقفة في مدخل العمارة.
لكن المرة دي كانت ماسكة ملف بني في إيدها.
وتحت الصورة كتبت منى:
«هي بتسأل على حضرتك بالاسم… وبتقول إنها عندها الدليل اللي هيقلب القضية.»
بصيت لمحمود.
وقلت:
— عايزة أقابلها.
لكنه هز رأسه بسرعة.
— لأ.
— ليه؟
قال:
— لأن لو توقعي صح، الست دي مش مجرد واحدة داخلة في الموضوع.
وسكت لحظة.
ثم أضاف:
— دي ممكن تكون الشخص الوحيد اللي يعرف ليه حسام اختارك إنتِ بالذات من البداية.
فضلت واقفة مكاني وأنا ببص للست اللي كانت داخلة العمارة.
كان عندي إحساس غريب إني شفت ملامحها قبل كده، رغم إني متأكدة إني عمري ما قابلتها.
محمود قرب مني وقال بصوت منخفض:
— ماتتكلميش معاها لوحدك. خلي كل حاجة قدام الشرطة.
هزيت رأسي.
بعد دقائق، نزلت الست من على السلم.
كانت في أواخر الثلاثينات، ماسكة الملف البني بإيدها، ووشها هادي بشكل غريب.
وقفت قدامي وقالت:
— حضرتك نادية؟
— أيوه.
بصت لمحمود، ثم للضابط، وقالت:
— أنا اسمي رانيا فؤاد. ومش جاية آخد بيت حضرتك.
سألتها:
— أمال جاية ليه؟
فتحت الملف.
— جاية أرجعلك حاجة اتاخدت منك من غير حق.
مدت إيدها بورقة.
محمود أخدها.
قرأ أول سطر…
وفجأة اتغيرت ملامحه.
— نادية، دي صورة من عقد شراء الشقة الأصلي.
قلت:
— إزاي؟
ردت رانيا:
— لأن أنا كنت شغالة في مكتب التسجيل العقاري اللي اتعمل فيه العقد.
بصيت لها بدهشة.
— وإنتِ ليه معاكِ نسخة؟
قالت:
— لأن النسخة دي اتسجلت عندنا من خمس سنين. لكن بعد كده حصل تعديل على الملف.
سألتها:
— تعديل إزاي؟
قالت:
— تم استبدال نسخة من المستندات الأصلية بمستندات جديدة.
محمود فتح عينه بدهشة.
— وده تم رسميًا؟
ضحكت بسخرية.
— لا. وده تحديدًا سبب وجودي هنا.
سميحة كانت واقفة بعيد، وبتسمع كل كلمة.
قالت فجأة:
— يعني ابني زور الورق؟
رانيا بصت لها.
— ابن حضرتك مش الشخص الوحيد اللي شارك.
سميحة قربت منها.
— مين كمان؟
رانيا فتحت الملف على صفحة تانية.
— في موظف داخل مكتب التسجيل ساعده.
الضابط سأل:
— عندك دليل؟
— عندي تسجيلات.
الجميع سكت.
أخرجت هاتفها.
وقالت:
— قبل أسبوعين، اكتشفت إن فيه شخص بيطلب مني أطلع نسخة من ملف عقار نادية. في البداية رفضت. بعدها بدأ يضغط عليّ.
سألها محمود:
— مين؟
ردت:
— حسام.
قلبي انقبض.
قالت:
— لكنه ماكانش بيتصرف لوحده.
شغلت التسجيل.
ظهر صوت حسام بوضوح.
«الموضوع بسيط يا رانيا. إحنا محتاجين نسخة من العقد القديم بس. وبعدها كل حاجة هتتظبط.»
جاء صوتها:
«ولو نادية اكتشفت؟»
رد حسام:
«مش هتعرف. هي أصلًا مش بتراجع أوراقها.»
حسيت بغصة في حلقي.
كنت متجوزة الرجل ده.
عشت معاه سنين.
وكان شايفني لدرجة إنه واثق إني مش هراجع مستنداتي.
لكن التسجيل ماوقفش هنا.
جاء صوت رجل آخر:
«بس لازم نخلص قبل ما البنك يطلب أصل المستند.»
حسام رد:
«البنك مش هيطلب حاجة. الضمان هيعدي من غير مشاكل.»
الضابط أوقف التسجيل.
— الرجل الثاني ده مين؟
رانيا قالت:
— مدير شركة النور.
محمود سألها:
— وعندك دليل إنهم استخدموا شقة نادية كضمان؟
أخرجت مستندًا آخر.
— عندي طلب التمويل بالكامل.
فتح محمود الورقة.
قرأها بصمت.
ثم قال:
— المبلغ ده ضخم جدًا.
سألته:
— قد إيه؟
قال الرقم.
اتصدمت.
كان التمويل أكبر بكثير من قيمة شقتي.
قلت:
— إزاي بنك يوافق على مبلغ بالشكل ده بضمان شقة واحدة؟
رانيا ردت:
— لأنهم ماقدموش الشقة وحدها.
محمود رفع رأسه.
— أمال إيه؟




