روايات وقصص

االجزء الاخير

هل كانت بتحبني فعلًا؟

ولا كانت بتحب الحياة اللي وفرتها لها؟

وهل كنت أنا كمان مسؤولًا عن إني سمحت للعلاقة دي تستمر بالشكل ده؟

ما لقيتش إجابة كاملة، لكني عرفت إن الوقت جه عشان أبطل أهرب من الحقيقة.

—

اتصال نادين الأول

في مساء اليوم نفسه، موبايل شريف رن.

بص للشاشة، وبعدها بص لي.

— دي نادين.

سكت لحظة، وبعدين سألني:

— تحب أرد؟

فكرت شوية، وقلت له:

— رد. ولو عايزة تكلمني، ادّيها فرصة.

شريف رد على المكالمة، وبعد ثوانٍ شغّل مكبر الصوت بعد ما استأذنني.

جالي صوت نادين واضحًا:

— أستاذ شريف، أنا محتاجة أعرف آخر التطورات. ياسر حالته إيه؟

شريف رد:

— الحمد لله، العملية نجحت مبدئيًا، وهو بدأ يستعيد عافيته، لكن لسه تحت الملاحظة الطبية.

ساد صمت قصير.

وبعدين سمعتها تقول:

— الحمد لله على سلامته.

كنت متوقع أفرح لما أسمعها بتقول الجملة دي، لكني ما حسيتش بحاجة تقريبًا.

يمكن لأن الجملة جات متأخرة، أو لأن قلبي كان لسه بيفتكر اللحظة اللي رمت فيها ورق الطلاق على رجلي.

نادين كملت:

— طيب، هل هو يقدر يتكلم؟ أنا محتاجة أتكلم معاه في موضوع مهم.

شريف بص لي، فأشرت له إنه يوصل لها المكالمة.

قلت بصوت هادي:

— أيوه يا نادين، أنا سامعك.

اتغير صوتها فورًا.

— ياسر! حمد لله على سلامتك! أنا كنت قلقة عليك جدًا.

قفلت عيني للحظة.

ما رديتش فورًا.

وبعدين قلت:

— شكرًا يا نادين.

قالت بسرعة:

— أنا عارفة إن اللي حصل قبل العملية كان صعب، ويمكن طريقتي كانت قاسية، لكن إنت لازم تفهم موقفي. أنا كنت خايفة من المستقبل، وخايفة من المسؤولية اللي ممكن تقع عليّ لو حالتك ساءت.

سألتها:

— وإيه اللي خلاكي تختاري اللحظة دي بالذات عشان تجيبي لي ورق الطلاق؟

اتأخرت في الرد.

وبعدين قالت:

— كنت عايزة أنهي الموضوع بدل ما نفضل معلقين.

قلت لها:

— كان ممكن تستني لحد ما أخرج من العملية، وتتكلمي معايا كإنسانة قبل أي شيء. كنت محتاج أشوف وشك وأحس إنك خايفة عليّ، مش إنك جاية تخلصي معاملة.

سمعتها بتتنفس بعمق.

— أنا آسفة يا ياسر. يمكن ما عرفتش أتصرف صح.

كان ممكن في الماضي أتمسك بالجملة دي، وأعتبرها بداية للصلح.

لكن المرة دي كنت شايف الصورة بشكل مختلف.

قلت لها:

— أنا مش هقدر أرجع علاقتنا زي ما كانت. مش هقول إن كل حاجة اتحسمت قانونيًا، لأننا لسه محتاجين نراجع الاتفاق وحقوق كل طرف. لكن من الناحية الشخصية، حاجة كبيرة اتغيرت جوايا.

بدأ صوتها يرتعش.

— يعني إيه؟ إنت ناوي تنتقم مني؟

رديت فورًا:

— لأ. أنا مش عايز أنتقم منك، ومش هستخدم الفلوس عشان أعاقبك. أنا بس مش هقدر أعيش بنفس الطريقة بعد اللي حصل.

سكتت طويلًا.

ثم سألت فجأة:

— طيب، هل وصيتك لسه زي ما هي؟

السؤال خلاني أبص لشريف.

ما كنتش قلت لها أي حاجة عن تعديل الوصية، ومع ذلك كان أول شيء سألَت عنه بعد كلامنا عن الطلاق.

جاوبتها بهدوء:

— الوصية مسألة قانونية خاصة بيا، واتعمل فيها تعديل مستوفٍ للإجراءات المطلوبة. لو فيه أي استفسار قانوني، المحامي يقدر يوضحه في إطاره الصحيح.

صوتها اتغير.

— تعديل إيه يا ياسر؟ إنت عملت إيه؟

قلت:

— عملت قرار كنت شايف إنه صح، قبل ما أدخل العملية. مش هتكلم في تفاصيله دلوقتي.

بدأت تتكلم بسرعة:

— بس أنا مراتك! من حقي أعرف!

رد شريف بهدوء:

— أستاذة نادين، الحقوق القانونية بتتحدد وفقًا للقانون والوثائق السارية. وأي تفاصيل تخص الوصية هنراجعها في الوقت المناسب، من غير ما نخلط بينها وبين اتفاق الطلاق.

نادين سكتت.

وبعدين قالت بصوت منخفض:

— أنا هاجي المستشفى.

رديت:

— لما أكون جاهز لاستقبال الزيارة، هنتفق على موعد مناسب.

وأنهيت المكالمة.

لأول مرة من سنين، ما حاولتش أرضيها، ولا اعتذرت عن قراري، ولا فضلت أشرح نفسي عشان ما تزعلش.

حطيت الموبايل على الترابيزة، وبصيت من الشباك.

كنت لسه تعبان، ولسه قدامي فترة علاج وتأهيل ومتابعة طويلة.

لكن جوايا كان فيه إحساس بالراحة، كأني أخيرًا بطلت أجري وراء شخص مش عايز يمشي معايا في نفس الطريق.

—

مريم تحكي حكايتها

بعد المكالمة، مريم فضلت ساكتة شوية.

وبعدين قالت:

— عارف يا ياسر، أنا كمان اتعلمت بالطريقة الصعبة إن الإنسان ممكن يقضي عمره كله وهو بيحاول ينقذ علاقة، لحد ما ينسى إنه محتاج ينقذ نفسه.

بصيت لها وسألتها:

— إنتِ كنتِ متجوزة؟

ابتسمت بحزن.

— أيوه. كنت متجوزة راجل اسمه خالد. عشنا مع بعض أكتر من عشرين سنة، وربنا رزقنا بابن وبنت. كنت فاكرة إننا هنكبر سوا، وإن مهما حصل هنفضل عيلة واحدة.

سكتت لحظة، وبعدها كملت:

— لكن لما تعبت، وبقيت محتاجة علاج طويل، اكتشفت إن جوزي مش قادر يتعامل مع فكرة إني ما بقيتش الست اللي بتعمل كل حاجة بنفسها. بدأ يبعد بالتدريج، وبعدها قرر ينفصل عني.

سألتها:

— وإنتِ عملتي إيه؟

قالت:

— في الأول انهرت. كنت فاكرة إن حياتي انتهت. لكن بعد فترة، فهمت إن المرض غيّر جسمي، لكنه ما غيّرش قيمتي. وإن وجود شخص يرفضني وقت ضعفي مش معناه إني بقيت أقل قيمة.

الكلمات دي خلتني أفكر في اللي حصل لي.

كنت أنا وهي في موقفين مختلفين، لكن الوجع كان متشابهًا.

كل واحد فينا اكتشف إن الحب اللي كان فاكره ثابتًا، ممكن يختفي لما الحياة تبقى صعبة.

سألتها:

— طيب، إنتِ داخلة العملية عشان إيه؟

ردت:

— عندي مشكلة صحية محتاجة تدخل جراحي، والدكتور شرح لي المخاطر والاختيارات المتاحة. أنا أخدت وقتي في التفكير، وقررت أعمل العملية لأن عندي أمل أعيش حياة أفضل.

وبعدين بصت لي وأضافت:

— بس مش هكدب عليك. أنا خايفة. مهما الواحد حاول يكون قوي، الخوف بيبقى موجود.

قلت لها:

— وأنا كمان كنت خايف.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى