روايات وقصص

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

— كريم هو اللي كان بيتابع الحسابات. اكتشف إن جوزك عرف بوجود تحويلات مالية غير قانونية، وخاف إنه يبلغ الجهات المختصة. اتفق معايا إننا نحل الموضوع بعيد عن الشرطة. أنا وافقت أساعده في إخفاء بعض الأوراق، لكني ماكنتش أعرف إنه هيوصل الأمور لكده.

— لكده إزاي؟!

رفع عينه ليا، وقال بصوت مكسور:

— ليلة ، كريم كان آخر واحد قابل جوزك قبل ما يسافر. وأنا عرفت بعدين إنهم ، وإن كريم أخد منه أوراق مهمة. لكني ماعنديش دليل إنه دبّر .

ماقدرتش أرد.

كنت محتاجة أعرف الحقيقة كاملة، مش مجرد اعترافات متقطعة من أخويا.

الضباط أخذوا محمود للتحقيق، واحتفظوا بالملفات باعتبارها أدلة محتملة، وبدأوا يتواصلوا مع الجهات المختصة لمراجعة القضية القديمة.

لكن سلمى لسه ماكنتش ظهرت.

### ظهور بنتي وكشف السر الأخير

بعد حوالي ساعة، رن موبايلي من رقم مجهول.

رديت بسرعة.

— ألو؟!

سمعت صوت بنتي.

— ماما، أنا عند البوابة الخلفية للمخزن. إنتِ لسه هناك؟

جريت ناحية الباب، والضباط اتحركوا معايا.

كانت سلمى واقفة في الظلام، متربة، وشعرها منكوش، وفي إيديها حقيبة صغيرة.

أول ما شافتني، جريت ناحيتي وارتمت في حضني.

فضلت أضمها وأبوس راسها، ودموعي بتنزل من غير ما أقدر أتكلم.

— إنتِ كويسة يا بنتي؟ عمل لك إيه؟

هزت راسها، وقالت:

— أنا كويسة يا ماما. بس كنت لازم أوصل لك الحقيقة قبل ما كريم كل الأدلة.

بعد ما هديت شوية، قعدنا في المكتب، وبدأت تحكي.

قالت إن الشك بدأ عندها من حوالي شهرين، لما لقت أوراقًا مالية مخبّية في درج مكتب كريم.

في البداية، افتكرت إنها مجرد معاملات تخص شغله، لكنها لاحظت إن اسم والدها الراحل موجود في مستندات مؤرخة بعد وفاته!

بدأت تبحث بهدوء، واكتشفت إن كريم كان بيستخدم مستندات قديمة تخص شركة والدها عشان ينقل أموالًا لحسابات تانية، وإن فيه توقيعات مشكوك في صحتها.

ولما واجهته، أنكر كل حاجة.

لكنها كانت قد احتفظت بنسخ من الأوراق.

بعدها بأيام، دخلت مكتبه بالصدفة، وسمعته بيتكلم مع محمود عن المخزن وعن «الملف الأصلي».

في اللحظة دي، فهمت إن الموضوع أكبر من مجرد سرقة أموال.

قالت لي وهي بتبكي:

— ماما، أنا كنت خايفة أقول لك، لأن محمود خالي، وكنت فاكرة إن فيه تفسير لكل حاجة. لكن لما اكتشفت إن كريم كان بيحاول يوصل للأوراق اللي معايا، عرفت إني في .

سألتها:

— وإيه اللي حصل ليلة ما برق وصل عندي؟

ردت:

— كريم اكتشف إني خدت نسخة من التسجيلات. حاول ياخدها مني، ولما قدرت أهرب، كتبت الرسالة على لوحة برق وخليته يخرج من الباب الخلفي. كنت عارفة إنه هيعرف يوصل لك، وإنك الوحيدة اللي هتفهم معنى الصخرة الرمادية.

مسكت إيدي وقالت:

— أنا ماكنتش عارفة إذا كنت هقدر أوصل لك ولا لأ. كل اللي كنت بفكر فيه إن الحقيقة لازم توصل لحد أمين.

في اللحظة دي، دخل أحد الضباط، ومعاه ظرف بلاستيكي شفاف.

قال إنهم لقوا داخل المخزن جهاز تسجيل قديمًا، عليه نسخة من محادثة محفوظة بتاريخ الليلة السابقة لوفاة زوجي.

طلبوا من سلمى تتأكد إن الصوت صوت كريم، وبعدها شغّلوا التسجيل.

في البداية، كان فيه تشويش، ثم ظهر صوت محمود:

— لازم نوقفه قبل ما يسلّم الأوراق.

وبعده صوت كريم:

— أنا هقابله وأحاول آخد منه الملف. مش عايز الموضوع يكبر.

ثم جاء صوت زوجي، واضحًا وحازمًا:

— أنا مش هسكت على اللي عملتوه. بكرة كل الأوراق هتكون عند المحامي، والموضوع هيتكشف بالكامل.

انتهى التسجيل بعد أصوات متداخلة، من غير ما يوضح ما حدث بعد ذلك.

لكن التسجيل كان كافيًا لفتح أسئلة جديدة حول  القديم، وإعادة فحص الأدلة التي جُمعت وقتها.

بصيت لسلمى، وهي كانت بتبكي في صمت.

زوجي ماكانش مجرد شخص  في  وانتهت حكايته.

كان فيه خلاف  سبق ، وأموال اختفت، وأوراق حاول أشخاص إخفاءها.

أما مسؤولية كريم عن ، فلم تكن قد ثبتت بعد، لكن التسجيلات والمستندات فتحت بابًا للتحقيق من جديد.

### المواجهة الأخيرة

في الأيام التالية، بدأت الحقيقة تظهر واحدة واحدة.

التحقيقات كشفت تحويلات مالية مشبوهة، ومستندات تحمل توقيعات تحتاج إلى فحص، ومحاولات لإخفاء أدلة مرتبطة بالشركة القديمة.

كريم تم استدعاؤه للتحقيق، وخضع للاستجواب بشأن الأموال والأوراق التي ظهرت في التسجيلات.

أما محمود، فاضطر يواجه حقيقة إنه ساعد في إخفاء مستندات كان من الممكن أن تكشف المخالفات من سنين.

ماكانش من حقي أحكم على أي حد قبل انتهاء التحقيق، لكن كان من حقي أحمي بنتي وأطالب بكشف الحقيقة كاملة.

وبالفعل، سلمى انفصلت عن كريم، وبدأت إجراءات الطلاق بعد ما تأكدت إنها مش هتقدر تعيش معاه وهي مش واثقة فيه.

أما أنا، فكان أصعب قرار أخدته في حياتي إني أبعد عن أخويا.

ماقدرتش أسامحه لمجرد إنه أخويا، ولا قدرت أنسى إنه سكت عن أمور كان لازم يقولها من البداية.

قلت له في آخر مقابلة بيننا:

— أنا مش عارفة إذا كنت هقدر أسامحك يومًا ولا لأ. لكن اللي أعرفه إن القرابة مش معناها إننا نغطي على الغلط. لو كنت بتحبني فعلًا، كان لازم تحمينا بالحقيقة، مش تحمينا بالكذب.

محمود ما ردش.

نزل راسه، ولأول مرة ما حاولش يبرر لنفسه.

أما سلمى، فبدأت حياتها من جديد بعيدًا عن الخوف والشك.

رجعت تشتغل، واستعادت ثقتها بنفسها بالتدريج، وكانت كل يوم بتكتشف إنها أقوى مما كانت متخيلة.

وبرق، بعد ما اتعالجت جروحه، رجع يعيش معانا في البيت الريفي.

كنت كل صباح أفتح له الباب، وأشوفه يجري في الحوش، وأفتكر الليلة اللي وصل فيها عندي وهو بينزف.

الليلة اللي أنقذت بنتي فيها رسالة صغيرة محفورة على قطعة معدن.

لكن الحقيقة إن برق ماكانش مجرد كلب وصل برسالة.

كان السبب اللي خلاني أفتح عيني على حاجات كنت رافضة أشوفها.

علّمني إن أحيانًا، أقرب الناس لينا ممكن يخفوا عنا الحقيقة، وإن الحب من غير صدق ممكن يتحول إلى قيد يخنق صاحبه.

وبعد شهور، وأنا قاعدة مع سلمى تحت شجرة قديمة في أرضنا، سألتني:

— ماما، لو رجع بيكي الزمن، كنتِ هتعملي نفس اللي عملتيه؟

بصيت لها وابتسمت بحزن.

— كنت هسمع إحساسي من أول مرة يا بنتي. كنت هسألك أكتر، وهحاول أفهم خوفك بدل ما أكتفي بكلامك إن كل حاجة تمام.

سلمى مسكت إيدي وقالت:

— المهم إننا عرفنا الحقيقة في الآخر.

بصيت للصخرة الرمادية البعيدة، وافتكرت كل الأسرار اللي اتدفنت تحتها، وكل الخوف اللي عشنا فيه.

ثم قلت لها:

— الحقيقة ممكن توجعنا، لكنها بتدينا فرصة نبدأ من جديد. إنما الكذب، مهما خبّيناه، بييجي يوم وينكشف.

ومن يومها، بقيت عارفة إن أقوى إنذار ممكن تسمعيه مش صوت صراخ، ولا مكالمة غريبة، ولا حتى رسالة محفورة على طوق كلب… أحيانًا بيكون مجرد إحساس صغير جوا قلبك بيقول لك إن الشخص اللي بتحبيه مش بيحكيلك الحقيقة كاملة.

والسؤال اللي فضلت أسأله لنفسي بعدها كان واحدًا:

لو كنت تجاهلت وصول برق في الفجر، هل كنت هعرف الحقيقة يومًا، ولا كانت أسرار عيلتي هتفضل مدفونة للأبد؟
تمت

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى