روايات وقصص

رماها في الطريق بقلم محمد عبده الجزء الثاني

«الموضوع تحت السيطرة. ما تتدخليش في شغلي، وسيبي الإدارة ليا».
الأستاذ سامح طلب منها الاحتفاظ بنسخة من الرسائل وتسليمها للمراجعين المختصين.
لكن زينب كانت لسه محتاجة تعرف حاجة واحدة.
بصت لبنتها وسألتها:
— مريم، هل رشدي طلب منك قبل كده توقعي على أوراق تانية تخص المصنع أو حساباته؟
مريم سكتت.
كانت بتحاول تفتكر.
وبعد لحظات، قالت:
— أيوه… فيه ورق تاني. من حوالي ست شهور، جاب لي مجموعة مستندات وقال إنهم خاصين بإعادة تنظيم الملكية داخل الشركة. أنا كنت بسأله عن كل ورقة، لكنه كان بيأكد لي إن الموضوع قانوني وإن المحامي راجعه.
زينب حسّت إن الصورة بتكتمل قدامها.
— وعندك نسخة من الأوراق دي؟
مريم أومأت.
— أيوه، موجودة في البيت. أنا احتفظت بيها لأني كنت عايزة أراجعها بعدين.
رشدي صرخ:
— إنتِ مش هتروحي لأي مكان تجيبي أوراق! الكلام ده انتهى!
لكن مريم بصت له للمرة الأولى من غير خوف.
— لأ يا رشدي. الكلام ما انتهيش. أنا لازم أعرف إنت كنت بتخليني أمضي على إيه طول الفترة اللي فاتت.
ثم التفتت إلى أمها.
— ماما، أنا غلطت لما ما صدقتش ليلى، وغلطت لما سكت على معاملته ليها. لكن أنا ما كنتش أعرف إنه ممكن يكون بيعمل كل ده في المصنع.
زينب ما قدرتش تسامح بنتها في اللحظة دي، لكنها فهمت إن المواجهة لسه في بدايتها.
قالت لها:
— الحقيقة هتظهر يا مريم، سواء كانت في صالحك أو ضدك. المهم إنك من اللحظة دي ما تخبيش أي حاجة.
مريم هزت راسها، ودموعها بتنزل.
أما ليلى، فكانت قاعدة بتسمع الكلام كله، ومش فاهمة تفاصيل القروض والتحويلات، لكنها فهمت إن جدتها مش هتسيب حد يظلمها أو يظلم العمال.
قربت منها وهمست:
— تيتة، هو إحنا هنرجع البيت؟
زينب مسكت إيدها وقالت:
— أيوه يا حبيبتي. بس قبل ما نمشي، لازم نتأكد إن محدش هيقدر يأذيكي تاني.
وفي اللحظة دي، دخل رجل كان واضح عليه التوتر، واتجه مباشرة ناحية رشدي.
كان محاسبًا سابقًا في المصنع، اسمه خالد، وكان قد ترك عمله قبل عدة أشهر في ظروف غامضة.
أول ما شافه رشدي، اتجمد في مكانه.
خالد وقف قدام أعضاء المجلس، وحط ملفًا صغيرًا على الترابيزة.
وقال:
— أنا جيت النهارده لأن ضميري ما بقاش يسمح لي أسكت أكتر من كده.
رشدي حاول يتكلم، لكن خالد رفع إيده وقال:
— سيبني أكمل. أنا كنت مسؤولًا عن مراجعة بعض الحسابات، ولما اكتشفت اختلافات كبيرة بين الفواتير والتحويلات، طلبت تفسيرًا رسميًا.
فتح الملف، وطلع مجموعة من النسخ.
— بعد يومين، اتطلب مني أوقّع على تقرير بيقول إن كل الحسابات سليمة، رغم إن فيه مبالغ ما قدرتش أتحقق من صحتها. ولما رفضت، اتقال لي إن الأفضل ليا أسيب الشغل.
القاعة كلها كانت بتسمع باهتمام.
خالد كمل:
— أنا احتفظت بنسخ من بعض المستندات اللي راجعتها قبل ما أمشي. وفيه تحويلات تانية مش موجودة في الملف اللي قدمته الأستاذة زينب.
سامح قرب منه وسأله:
— عندك دليل على الكلام ده؟
خالد حط المستندات قدامه.
— دي نسخ من السجلات اللي كانت تحت مسؤوليتي. وكلها محتاجة مراجعة مستقلة، لكن فيه حاجة واحدة أنا متأكد منها: المبالغ اللي خرجت من الشركة أكبر بكتير من اللي اتسجل في التقارير الرسمية.
رشدي بدأ يفقد أعصابه.
— إنت موظف سابق، وما عندكش أي صلاحية تدخل الاجتماع ده! الكلام ده كله انتقام شخصي!
خالد رد بثبات:
— لو كنت عايز أنتقم، كنت اتكلمت من زمان. لكني سكت لأني كنت خايف أخسر شغلي ومستقبلي. النهارده، بعد ما عرفت إن العمال ممكن يفقدوا مصدر رزقهم، قررت إني ما اسكتش تاني.
زينب بصت إلى خالد باهترام.
— شكرًا إنك جيت. كل اللي معاك هيتراجع بالطريقة القانونية.
ثم التفتت إلى أعضاء المجلس وقالت:
— أعتقد إن مفيش حد هنا يقدر يوافق على بيع المصنع قبل ما نعرف مصير الأموال دي.
الأعضاء وافقوا على تأجيل التصويت، وطلبوا مراجعة مستقلة للحسابات، مع تجميد أي قرارات كبيرة تخص بيع أصول لحين اتضاح الصورة.
للحظة، بدا إن رشدي خسر كل شيء.
لكن وهو بيجمع أوراقه، قرب من زينب وقال بصوت منخفض، محاولًا يمنع الحاضرين من سماعه:
— إنتِ فاكرة إنك كسبتي؟ لسه ما تعرفيش كل حاجة.
زينب بصت له من غير ما ترد.
رشدي ابتسم ابتسامة غريبة، ثم أضاف:
— اسألي بنتك عن المستند اللي وقّعته قبل ما أتجوزها. اسأليها عن الحساب اللي اتحول له مبلغ كبير باسم شخص من عيلتها.
مريم رفعت رأسها بصدمة.
— إنت بتقول إيه؟
لكنه ما جاوبش.
أخد موبايله ومشى ناحية باب القاعة، وخرج بسرعة.
زينب كانت عارفة إن كلامه ممكن يكون مجرد محاولة أخيرة عشان يزرع الشك بين أفراد العيلة.
لكنها في نفس الوقت ما قدرتش تتجاهله.
بعد دقائق، اتصلت مريم بأحد أقاربها اللي كانت بتثق فيه، وسألته عن المستندات القديمة اللي رشدي ذكرها.
ولما سمعت الإجابة، وشها اتغير تمامًا.
قفلت المكالمة ببطء، وبصت لأمها.
— ماما… أنا افتكرت حاجة. فيه تحويل مالي فعلًا اتعمل لحساب باسم شخص قريب مننا، ورشدي قال لي وقتها إنه مجرد تسوية قديمة.
زينب سألتها:
— مين الشخص ده؟
مريم بلعت ريقها، وقالت الاسم بصوت واطي.
كان اسم والد ليلى الراحل، أحمد.
ساد الصمت.
زينب ما صدقتش اللي سمعته.
أحمد مات من سبع سنين، قبل ما رشدي يدخل حياتهم بوقت طويل.
إزاي يكون فيه تحويل مالي باسم شخص متوفى؟ وليه رشدي استخدم اسمه؟ وهل كان بيستغل حسابًا قديمًا، ولا فيه سر متعلق بميراث ليلى نفسها؟
بصت زينب لحفيدتها، اللي كانت واقفة جنبها ومش فاهمة ليه كل الكبار اتغيرت ملامحهم فجأة.
وبعدين قالت لمريم:
— إحنا مش هنفترض أي حاجة قبل ما نشوف الأوراق. لكن من اللحظة دي، مفيش أسرار تاني.
مريم أومأت، وهي بتدرك إن جوازها كله ممكن يكون مبنيًا على أكاذيب أكبر مما تخيلت.
أما زينب، فكانت بتفكر في سؤال واحد:
هل رشدي سرق أموال المصنع فقط، أم إنه مد إيده كمان لحق حفيدتها في ميراث والدها الراحل؟
ولما طلبت من مريم تجيب المستندات من البيت، وصلتها رسالة جديدة من رقم مجهول.
كانت الرسالة قصيرة جدًا:
«لو عايزة تعرفي الحقيقة كاملة، راجعي الملف القديم الخاص بوفاة أحمد. رشدي ما دخلش العيلة بالصدفة».
زينب قرأت الرسالة مرتين.
وبعدين رفعت عينيها ناحية الباب اللي خرج منه رشدي.
لأول مرة، بدأت تشك إن كل اللي حصل خلال السنين اللي فاتت كان جزءًا من خطة أكبر بكتير.
نهاية الجزء الثالث…
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى