روايات وقصص

رماها في الطريق بقلم محمد عبده الجزء الثاني

أول ما شافت أمها، وبعدها شافت ليلى قاعدة جنبها، قالت بضيق:
— ماما! إنتِ بتعملي إيه هنا؟ وإيه اللي جاب ليلى معاكي؟ أنا قلت لك إنها هتفضل عندك!
زينب بصت لها بحزن، لكنها ما ردتش.
بدلًا منها، ليلى قامت من مكانها، ووقفت قدام أمها، وسألتها سؤالًا واحدًا خلّى القاعة كلها تسكت:
— يا ماما، لو أنا مش مسؤوليتك، إنتِ ليه خلفتيني من الأساس؟
مريم اتسمرت مكانها.
ولأول مرة، ما لقتش أي إجابة جاهزة تقدر تقولها لبنتها.
لكن الصدمة الأكبر كانت لسه جاية.
لأن زينب كانت عارفة إن مريم مش مجرد زوجة واقفة في النص بين أمها وجوزها.
كان فيه احتمال أخطر بكتير…
إن بنتها نفسها تكون وقّعت على المستند اللي سمح لرشدي باستخدام حصص العمال كضمان للقرض، من غير ما تعرف حقيقة اللي بتوافق عليه.
ولو ده حصل فعلًا، فالمواجهة الليلة دي مش هتكون بين زينب ورشدي بس.
هتكون بين أم وبنتها، وبين الحقيقة والسنين الطويلة اللي اتبنت على الثقة العمياء.
نهاية الجزء الثاني…

الجزء الثالث: بنتها كانت مخبية إيه؟ والحقيقة اللي رشدي حاول يدفنها!
وقفت مريم في نص القاعة، مش قادرة تبص في عيون بنتها.
سؤال ليلى فضل يتردد في ودانها:
«لو أنا مش مسؤوليتك، إنتِ ليه خلفتيني من الأساس؟»
كانت مريم عايزة ترد، تبرر موقفها، وتقول إنها كانت متعصبة وإنها ما كانتش تقصد تتخلى عن بنتها فعلًا.
لكن الحقيقة إنها ما بعتتش الرسالة وهي متعصبة بس.
هي كانت عارفة إن رشدي بيعامل ليلى بقسوة، وكانت في كل مرة بتختار إنها تتجاهل اللي بيحصل عشان تحافظ على جوازها.
رفعت عينيها ناحية بنتها، وقالت بصوت مهزوز:
— ليلى، أنا… أنا ما كنتش أقصد إنك تفهمي كلامي بالشكل ده.
ليلى ردت والدموع في عينيها:
— أمال أفهمه إزاي يا ماما؟ أنا كنت بعيدة عن البيت، وكنت خايفة. اتصلت بيكي، لكن إنتِ قلتي لتيتة إنها مسؤولة عني!
مريم حاولت تقرب منها، لكن ليلى رجعت خطوة لورا واستخبت جنب جدتها.
الحركة البسيطة دي وجعت مريم أكتر من أي كلام.
لأول مرة، بنتها اللي كانت بتجري عليها كل ما تخاف، بقت بتخاف منها هي كمان.
رشدي استغل اللحظة الحالية وحاول يسيطر على الموقف.
قال بصوت حاد:
— كفاية تمثيل! إحنا في اجتماع مهم، ومش هنحول المكان ده لمسرحية عائلية. مريم، خدي بنتك وامشي، وأنا هتصرف مع الموضوع ده بعدين.
لكن مريم ما اتحركتش.
كانت عينيها معلقة بالملف الأسود اللي على الترابيزة.
— رشدي، هو إيه موضوع التحويلات المالية اللي بيتكلموا عنه؟
بصلها بغضب مكتوم.
— إنتِ كمان هتصدقي الكلام ده؟ دي محاولات لتشويه صورتي قدام المستثمرين.
زينب تدخلت بهدوء:
— محدش طلب من مريم تصدقني. كل اللي طلبته إننا نراجع المستندات ونتأكد من الحقيقة.
وبعدين مدت إيدها بورقة، وحطتها قدام بنتها.
— بصي على المستند ده يا مريم. التوقيع اللي عليه توقيعك فعلًا؟
مريم قربت من الترابيزة، ومسكت الورقة.
أول ما شافت التوقيع، اتغير لون وشها.
— أيوه، ده توقيعي… بس أنا مش فاهمة! أنا وقعت على ورق من شهور، ورشدي قال لي إنه إجراء إداري عادي عشان نسهّل إجراءات تطوير المصنع.
زينب سألتها:
— قال لك إن الورق ده بيسمح باستخدام حصص العمال كضمان لقرض؟
مريم هزت راسها بسرعة.
— لأ! والله ما قال لي حاجة زي دي. هو قال لي إن التوقيع مطلوب عشان تحديث بيانات الشركة، وإن الموضوع ملوش أي علاقة بأموال العمال.
رشدي ضرب بإيده على الترابيزة.
— كفاية! إنتِ بتتكلمي في حاجة مش فاهمها. أنا شرحت لك كل التفاصيل وقتها!
مريم بصت له بصدمة.
— إنت ما شرحتليش حاجة! إنت قلت لي إن الموضوع مجرد أوراق إدارية!
رد عليها بعصبية:
— لأنك مش متخصصة في الإدارة ولا الحسابات، وأنا كنت بحاول أريحك من التفاصيل المعقدة!
زينب رفعت إيدها تطلب الهدوء.
— مفيش داعي للصوت العالي. لو كلامك صحيح يا رشدي، يبقى المستندات هتثبت ده.
ثم التفتت إلى الأستاذ سامح.
— أنا عايزة كل المستندات تتسلم لمراجع مستقل ومحامٍ مختص، ومحدش يتصرف في أي حسابات أو أصول للشركة لحد ما نعرف الحقيقة.
سامح وافق على الفور.
لكن ممثل المجموعة الاستثمارية وقف وقال:
— قبل أي حاجة، لازم أوضح إننا مش هنكمل إجراءات الشراء النهارده. وجود شكوك مالية بالشكل ده معناه إن الصفقة محتاجة مراجعة كاملة.
رشدي حس إن آخر فرصة كانت قدامه بتضيع.
الصفقة اللي قضى شهورًا بيجهز لها كانت بتنهار قدام عينيه، والمشكلة إن زينب لسه ما كشفتش كل اللي معاها.
قرب منها وقال بصوت منخفض، محاولًا يمنع الحاضرين من سماعه:
— إنتِ مش فاهمة إنتِ بتعملي إيه. لو الصفقة وقعت، المصنع كله ممكن يخسر. والناس اللي بتدافعي عنهم دول هما أول ناس هيتضرروا.
زينب بصت له بثبات.
— المصنع مش هيتدمر عشان الصفقة وقعت يا رشدي. المصنع ممكن يتدمر لو سلمناه لشخص بيخفي الحقيقة عن أصحابه.
وبعدين أضافت:
— أما العمال، فدول مش ورقة بتستخدمها عشان تهددني بيها.
رجع رشدي لورا، وهو بيحاول يفكر في طريقة ينقذ بيها نفسه.
وفجأة، افتكر حاجة.
بص ناحية مريم وقال:
— بما إنك قررتي تتكلمي، يبقى قولي لهم كمان إنك كنتِ عارفة إن المصنع عليه ديون، وإنك وافقتي تساعديني في ترتيب الأمور المالية!
مريم اتلخبطت.
— أيوه، أنا كنت عارفة إن فيه ديون، لكن ما كنتش أعرف أي حاجة عن التحويلات دي!
رشدي ابتسم ابتسامة باردة.
— ممتاز. يبقى عندنا اعتراف إنك كنتِ عارفة بالوضع المالي، وإنك وقعتي على المستندات بنفسك.
زينب فهمت على الفور هو بيحاول يعمل إيه.
كان عايز يحول مريم من زوجة مخدوعة لشريكة مسؤولة عن كل اللي حصل، عشان لو التحقيق بدأ، ما يبقاش هو الشخص الوحيد اللي يتحمل المسؤولية.
لكن اللي رشدي ما حسبش حسابه إن مريم كانت محتفظة برسائل قديمة بينهما.
رسائل كانت بتبعتها له كل ما يسلمها مستندات للتوقيع، وكانت بتسأله فيها عن طبيعة الأوراق.
مريم طلعت موبايلها بإيدين بتترعش.
— أنا مش فاهمة كل اللي يحصل، لكن فيه حاجة لازم أوريها لماما.
فتحت محادثة قديمة، وبدأت تقرأ بصوت مسموع:
— «رشدي، إنت قلت لي إن الورق ده مجرد تحديث بيانات. ليه فيه كلام عن قروض وضمانات؟»
وبعدها قرأت رده:
— «ما تقلقيش. دي إجراءات داخلية، وأنا مسؤول عنها بالكامل. توقيعك مجرد إجراء شكلي، ومش هيترتب عليه أي التزام شخصي عليكِ».
مريم رفعت عينيها ناحية زوجها.
— إنت قلت لي إن توقيعي مش هيترتب عليه أي التزام! إزاي دلوقتي بتقول إني كنت عارفة بكل حاجة؟
رشدي ما ردش.
فمريم فتحت رسالة تانية، كانت باعتاها له بعدها بأيام.
«أنا مش مرتاحة للموضوع، ولو فيه أي مخاطرة تخص العمال أو حصصهم، لازم نوقف كل حاجة».
وكان رده:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى