
— طب ممكن تفسر لنا ليه نفس الشركة استلمت تحويلات على دفعات مختلفة، وبعد كل تحويل بيومين أو تلاتة، كانت مبالغ قريبة منه تخرج لحسابات تانية؟
المرة دي، رشدي ما ردش فورًا.
كان بيفكر بسرعة، وبيحاول يلاقي مخرج من الورطة اللي وقع فيها.
لكن زينب ما ادتلوش فرصة.
حطت قدام سامح ملفًا تاني، وقالت:
— دي مش عملية واحدة ولا اتنين. أنا عندي أدلة على 23 عملية مالية منفصلة. وكل عملية ليها مستندات، وتواريخ، وأرقام حسابات، ومراسلات مرتبطة بيها.
اتسمع صوت همهمة في القاعة.
واحد من المستثمرين قفل الملف اللي قدامه، والتاني مال على زميله وهمس له بشيء.
أما رشدي، فكان حاسس إن الأرض بتنسحب من تحت رجليه.
لأنه كان فاكر إن زينب ست كبيرة، ومش هتقدر تكتشف اللي بيعمله، خصوصًا بعد ما أقنعها إنه بيطور الشركة وبيحاول ينقذها من الخسائر.
لكنه ما كانش يعرف إنها قضت شهورًا بتراجع الحسابات بنفسها، وإنها استعانت بمحاسب مستقل عشان تتأكد من كل رقم قبل ما تواجهه.
ومع ذلك، حاول يستخدم آخر ورقة عنده.
بص للحاضرين وقال بنبرة غاضبة:
— أنا مش هسمح إن حد يحول اجتماعًا رسميًا لمحاكمة من غير دليل! طنط زينب عندها خلافات شخصية معايا، وده واضح للجميع. هي مش متقبلة إني قدرت أجيب مستثمرين كبار للمصنع، وعايزة تعطل الصفقة.
وبعدين بص لحماته مباشرة وأضاف:
— يمكن تكون ناسية إن المصنع كان هيقفل أبوابه قبل ما أستلمه، وإن أنا اللي رجعت له أرباحه!
زينب فضلت ساكتة لحظات.
وبعدين قالت:
— أيوه، المصنع كان بيمر بأزمة. لكن مين اللي وقف مع العمال لما كانوا مهددين بفقدان شغلهم؟ مين اللي رفض يبيع حصصه لما الناس كلها كانت بتبيع؟ ومين اللي قضى عمره بيحافظ على المكان ده؟
ما استنتش رد.
— إحنا اللي أنقذنا المصنع يا رشدي. أنا وجوزي والعمال اللي بتتكلم عنهم كأنهم أرقام في كشف حساب. إنت جيت بعد ما تعبنا سنين، واديناك ثقتنا. لكن واضح إنك اعتبرت الثقة دي فرصة عشان تعمل اللي إنت عايزه من غير ما حد يسألك.
رشدي ضغط على أسنانه.
كان نفسه يصرخ فيها، لكنه عارف إن أي تصرف متهور قدام المستثمرين ممكن يضيع كل حاجة.
وفجأة، قام رجل كبير في السن من آخر القاعة.
كان اسمه عم جابر، واشتغل في المصنع أكتر من خمسة وعشرين سنة.
قال بصوت متأثر:
— أنا عايز أفهم حاجة واحدة. هو صحيح المصنع هيتباع، والورش هتقفل، وإحنا هنمشي من شغلنا؟
رشدي رد بسرعة:
— محدش هيتظلم. الصفقة هتضمن مستقبل الشركة، وكل التفاصيل هتتعلن في وقتها.
لكن زينب رفعت ورقة من الملف وقالت:
— عندي نسخة من مسودة الاتفاق. فيها بند بيسمح للمشتري بإيقاف الإنتاج المحلي خلال أول ستة شهور من الاستحواذ، مع الاحتفاظ بالعلامة التجارية والمخازن الرئيسية فقط.
عم جابر وقف مكانه كأنه اتلقى صدمة.
— يعني بعد كل السنين دي، هنتبهدل؟
زينب بصت له بحزن.
— مش طول ما أنا عايشة، يا عم جابر.
في اللحظة دي، بدأ عدد من العمال الموجودين في القاعة يقربوا من الترابيزة.
كانوا عايزين يعرفوا الحقيقة، وعايزين يفهموا ليه مصيرهم بيتقرر من غير ما حد يرجع لهم.
أما ممثل المجموعة الاستثمارية، فطلب من رشدي نسخة من المستندات المالية.
رشدي حاول يمنعه وقال:
— دي أوراق داخلية، ومش من حق أي حد يطلع عليها بالطريقة دي.
رد المستثمر بصرامة:
— إحنا جايين نشتري شركة، مش نشتري مشكلة. لو فيه شكوك مالية، لازم يفهمها قبل ما نكمل أي خطوة.
لأول مرة من بداية الاجتماع، رشدي حس إن السيطرة بتفلت من إيده فعلًا.
لكنه لسه ما كانش وصل لأخطر جزء في الحكاية.
لأن زينب ما جتش بالملف الأسود عشان توقف الصفقة وبس.
كان عندها مستندات تانية، أخطر من التحويلات المالية نفسها.
مستندات بتكشف علاقة بين بعض الشركات اللي استلمت الأموال وبين أشخاص قريبين جدًا من رشدي.
وقبل ما تطلعها، سمعت صوت حفيدتها.
ليلى كانت قاعدة على الكرسي، ماسكة البطانية بإيديها، وبتبص لرشدي بخوف.
لكنها المرة دي ما كانتش ساكتة.
قالت بصوت مسموع:
— يا تيتة، هو الراجل ده هيقدر يعمل فيكي زي ما عمل فيا؟
كل العيون اتجهت ناحيتها.
زينب قربت منها، وانحنت لمستواها، وقالت:
— لأ يا حبيبتي. محدش هيقدر يعمل حاجة لينا طول ما إحنا بنقول الحقيقة.
ليلى بلعت ريقها، وبصت ناحية رشدي.
— طب ينفع أقول حاجة حصلت قبل ما ينزلني؟
رشدي اتجمد مكانه.
لأنه افتكر إن ليلى ممكن تكون سمعت مكالمة كان بيجريها.
مكالمة كان فاكر إن محدش يعرف عنها حاجة.
قرب منها بسرعة وقال بعصبية:
— إنتِ مش هتتكلمي في أي حاجة مش فاهماها!
لكن زينب وقفت بينه وبين حفيدتها.
— إوعى تقرب منها يا رشدي.
وبعدين بصت لليلى وقالت:
— اتكلمي يا حبيبتي. محدش هيجبرك على السكوت.
أخدت ليلى نفسًا طويلًا، وبعدها قالت:
— قبل ما ينزلني، كان بيتكلم في التليفون مع واحد. وقال له إن كل حاجة هتخلص الليلة، وإن محدش هيقدر يوقفه بعد ما الورق يتوقّع.
سكتت لحظة، ثم أضافت:
— وقال كمان إن «الست الكبيرة» مش هتقدر تعمل أي حاجة، وإن بنتها هتفضل في صفه مهما حصل.
حست زينب بوجع شديد لما سمعت آخر جملة.
كانت حفيدتها مش بس ضحية تصرفاته، لكنها كمان بدأت تكتشف إنها كانت عايشة وسط ناس بيستهينوا بيها وبمشاعرها.
أما رشدي، فوشه بقى شاحبًا.
حاول يرد، لكن مفيش كلمة خرجت من بقه.
زينب رجعت للملف، وطلعت مظروفًا صغيرًا كان مخبياه في الجيب الداخلي.
بصت ناحية المستثمرين وأعضاء المجلس، وقالت:
— اللي شفتوه لحد دلوقتي مجرد البداية. لأن فيه مستند واحد تحديدًا، لو ثبتت صحته، هيغيّر فهمنا لكل اللي حصل في المصنع خلال السنتين اللي فاتوا.
فتحت المظروف، وطلعت ورقة عليها توقيع رسمي.
الأستاذ سامح أخدها منها، وبدأ يقرأ.
بعد ثوانٍ، رفع عينيه بصدمة وقال:
— مستحيل! التوقيع ده معناه إن فيه حد وافق على استخدام حصص المساهمين كضمان لقرض كبير… من غير علمهم!
زينب هزت راسها ببطء.
— بالظبط. والقرض ده مرتبط بنفس الشركات اللي استلمت التحويلات المشبوهة.
رشدي رجع خطوة لورا.
كان عارف إن اللحظة اللي كان بيخاف منها قربت.
لكن زينب ما قالتش اسم الشخص اللي وقّع على المستند.
بدل كده، قفلت الملف وقالت:
— قبل ما نكمل، فيه شخص لازم يكون موجود هنا ويسمع الكلام ده بنفسه.
بصت ناحية باب القاعة.
وفي اللحظة دي، الباب اتفتح.
دخلت مريم، بنت زينب، وهي لابسة فستان أنيق، وواضح إنها جاية تلحق الإعلان الكبير اللي جوزها كان مستنيه من شهور.




