عام

الجزء الثاني والاخير بقلم محمد عبده

أما حماتي، فكانت بتشجعه وبتقوله إن وجودها في البيت هيخليه أقوى، وإنها هتساعده يخلي القرارات كلها في إيده.

قفلت الرسائل وقتها، وقعدت قدام الكمبيوتر فترة طويلة وأنا مش قادرة أصدق اللي قريته.

ماكنتش عايزة أصدق إن الراجل اللي عشت معاه أربع سنين، واللي كنت فاكرة إنه شريكي في كل حاجة، بيخطط يستغل أصعب فترة في حياتي عشان يغير شكل حياتنا من غير موافقتي.

لكن بدل ما أواجهه وأنا حامل وقريبة من الولادة، احتفظت بنسخة من الرسائل اللي ظهرت قدامي بشكل طبيعي، واستشرت أبويا في إزاي أحمي حقوقي وحقوق بناتي.

أبويا نصحني ما أخدش قرارات متسرعة، وأراجع كل حاجة بهدوء، وأتأكد إن أموري المالية وأوراقي المهمة في مكان آمن.

ماكنش هدفنا نأذي إبراهيم أو ننتقم منه.

كنا عايزين نتأكد إني مش هبقى تحت رحمة أي حد لو حصل خلاف كبير بعد الولادة.

والنهارده، الرسائل دي بقت قدام عينيه.

### الحقيقة اللي ماقدرش ينكرها

إبراهيم خلص قراءة الورق، وحطه على الترابيزة بعصبية.

— إنتِ بتراقبيني؟! إنتِ وصلتي للدرجة دي؟!

رديت عليه وأنا بحاول أحافظ على هدوئي:

— أنا ماكنتش براقبك. الرسائل ظهرت قدامي على الكمبيوتر، ولما قريتها فهمت إن فيه قرارات بتتجهز تخص حياتي وبيتي من غير ما حد يرجع لي.

صرخ:

— كان المفروض تواجهيني بدل ما تروحي لأبوكي!

أبويا رد عليه قبل ما أتكلم:

— ولما كانت بنتي بتتعافى من الولادة، إنت كنت بتفكر إزاي تفرض عليها قراراتك. كنت مستني منها تواجهك إمتى بالضبط؟ وهي لسه خارجة من المستشفى ومعاها بنتين حديثتي الولادة؟

إبراهيم سكت.

أبويا كمل:

— الجواز مش معناه إن طرف يخطط والطرف التاني ينفذ. ولو عندك مشكلة مع مراتك، تتكلم معاها، مش تستغل تعبها عشان تحطها قدام أمر واقع.

حماتي حاولت تدخل في الكلام:

— إحنا ماكناش بنعمل حاجة وحشة! أنا أم، ومن حقي أساعد ابني. كل اللي كنا عايزينه إن البيت يبقى منظم، وإن إبراهيم مايبقاش تحت ضغط المصاريف.

بصيت لها وقلت:

— لو كنتِ عايزة تساعديه فعلًا، كان ممكن تساعديه في رعاية البنات، أو تسألي إذا كنت محتاجة مساعدة بعد الولادة. لكنك نقلتي حاجتك لأوضتي، وغيرتي ترتيب أوضة الأطفال، ووافقتِ إن جوزي يقسم الأكل بينه وبين بنتيه الرُضّع.

سكت لحظة، وبعدها كملت:

— أنا عمري ما منعتك من زيارة ابنك، ولا طلبت منه يبعد عنك. لكن وجودك في حياتنا لازم يكون باحترام متبادل، مش على حسابي أنا وبناتي.

حماتي نزلت عينيها للأرض.

كانت أول مرة تسمع مني كلام واضح بالشكل ده، من غير ما أعتذر أو أحاول أرضيها على حساب نفسي.

إبراهيم بدأ يتكلم بصوت أهدى:

— أنا غلطت في موضوع التلاجة، وكنت متعصب بسبب المصاريف. لكن الرسائل دي اتفهمت بطريقة غلط.

سألته:

— طيب، ليه ماقلتليش إنك عايز أمك تعيش معانا؟ ليه غيرت أوضتنا وإنت عارف إني هرجع من المستشفى بعد الولادة؟ وليه قلت إن البنات مش مسؤوليتيك؟

ماعرفش يرد.

وبعد لحظات، قال:

— أنا كنت فاكر إنك هتوافقي في الآخر.

بصيت له بحزن.

— وده بالضبط اللي كان موجعني يا إبراهيم. إنك ماكنتش شايف إن رأيي مهم من الأساس.

### القرار اللي اتاخد قبل الفطار

أبويا قفل الملف، وبص لإبراهيم بجدية.

— أنا مش جاي آخد قرار مكان بنتي، ولا هفرض عليك تعمل حاجة غصب عنك. البيت ملكي، وده أمر واضح في أوراقه، لكن الأهم عندي دلوقتي إن بنتي تعرف إنها مش مضطرة تقبل أي معاملة تقلل من كرامتها عشان تفضل متجوزة.

وبعدين بص لي وقال:

— القرار قرارك يا بنتي. لو عايزة ترجعي بيت أبوكي فترة لحد ما ترتاحي وتفكري، أنا موجود. ولو عايزة تحاولي تصلحي حياتك الزوجية، هساندك برضه، بشرط إنك تكوني آمنة ومحترمة.

بصيت لبناتي.

واحدة منهم كانت نايمة على صدري، والتانية في حضن أخويا عمر.

كنت عارفة إن القرار اللي هاخده مش هيأثر عليَّ لوحدي، لكنه هيحدد شكل الحياة اللي هعيشها أنا وبناتي في الفترة الجاية.

لفيت ناحية إبراهيم وقلت:

— أنا مش هاخد قرار نهائي وإحنا واقفين بالشكل ده. أنا محتاجة وقت أتعافى من الولادة، وأهتم ببناتي، وأفكر بهدوء. ومش هقبل إن أي حد يضغط عليَّ أو يقرر مكاني.

إبراهيم هز راسه، لكنه كان واضح عليه إنه مش متعود يسمع مني كلام بالشكل ده.

كملت:

— لحد ما نقرر هنعمل إيه، أنا وبناتي هنروح نقعد عند بابا كام يوم. وإنت محتاج تفكر في اللي حصل، مش بس في إزاي ترجع الأمور زي ما كانت.

اعترض بسرعة:

— يعني هتاخدي البنات وتمشي؟!

قلت له:

— أنا مش باخدهم منك عشان أعاقبك. أنا محتاجة مكان أرتاح فيه وأفكر، بعيد عن الضغط اللي أنا فيه. وأي ترتيبات تخص البنات هنحددها بشكل مناسب، وبما يحفظ حقوقهم وحقوقنا.

أبويا أكد إن أي خلافات تخص السكن أو رعاية البنات هتتراجع بشكل قانوني لو احتجنا، وإن محدش هيتصرف بناءً على تهديدات أو انفعالات.

أما حماتي، ففضلت قاعدة ساكتة.

وبعد شوية، قامت وراحت ناحية أوضة النوم عشان تجمع حاجتها.

إبراهيم وقف مكانه، وبص للتلاجة الجديدة اللي كانت سبب الخلاف كله.

وبعدين قال بصوت واطي:

— كل ده عشان تلاجة؟

بصيت له للمرة الأخيرة قبل ما أطلع فوق أجهز حاجات البنات.

— لأ يا إبراهيم. مش عشان تلاجة. عشان الطريقة اللي قررت بيها إنك تقسم بيتنا، وكأن وجودي ووجود بناتك حاجة ممكن تستغنى عنها بسهولة.

### بعد مرور شهر

عدى شهر من اليوم ده.

قعدت أنا وبناتي عند أبويا، وبدأت أتعافى تدريجيًا من الولادة. كان أخويا عمر بيساعدني في حاجات كتير، وخالد كان بيجيب لنا احتياجات البيت، وأبويا كان بيقعد مع حفيداته كل صباح قبل ما يروح شغله.

لأول مرة من فترة طويلة، بقيت بعرف أنام شوية وأنا مطمنة إن فيه حد ممكن يساعدني لو تعبت.

إبراهيم اتصل بيا أكتر من مرة.

في البداية، كانت مكالماته كلها اعتراضات وعتاب، وكان شايف إني كبرت الموضوع وإن كان المفروض أعدي اللي حصل.

لكن بعد مرور أيام، بدأ كلامه يتغير.

في مكالمة من المكالمات، قال لي:

— أنا فكرت في كل اللي حصل، وفهمت إنّي كنت بتعامل معاكِ كأن وجودك مضمون مهما عملت.

ما رديتش فورًا.

كمل كلامه:

— أنا كنت بسمع كلام ماما أكتر ما كنت بسمعك، وكنت فاكر إن لو فرضت نظام معين، كل حاجة هتمشي زي ما أنا عايز. لكن لما مشيتي، اكتشفت إن البيت من غيرك ومن غير البنات مش بيت أصلًا.

قلت له:

— أنا مش محتاجة أسمع كلام حلو يا إبراهيم. أنا محتاجة أشوف تغيير حقيقي.

قال:

— أنا فاهم. وبدأت أدور على حد متخصص يساعدنا نتكلم ونفهم إحنا وصلنا لكده إزاي. ومش هطلب منك ترجعي قبل ما تكوني مستعدة.

كانت دي أول مرة أسمع منه كلام فيه اعتراف حقيقي بمسؤوليته، حتى لو كان لسه قدامنا طريق طويل.

اتفقنا إننا نتقابل في وجود شخص محايد، ونتكلم عن مستقبل علاقتنا، وحدود تدخل الأهل، والمسؤولية المشتركة عن بناتنا.

ماوعدتوش إني هرجع، وماوعدتوش إني هسيبه.

قلت له بس إنّي مستعدة أسمع، وإن أي قرار هيتاخد لازم يكون مبني على الاحترام والتغيير الحقيقي، مش الخوف من الوحدة أو ضغط العيلة.

أما حماتي، فبعتت لي رسالة قصيرة بعد أسابيع، قالت فيها إنها بتعتذر عن تدخلها في حياتنا وإنها كان المفروض تستأذنني قبل ما تنقل حاجتها.

قبلت اعتذارها، لكن وضحت لها إن الثقة مش بترجع برسالة واحدة، وإن أي زيارة أو إقامة في المستقبل لازم تكون باتفاق بيني وبين إبراهيم.

وبعد فترة، بدأت أرجع تدريجيًا لشغلي، مع ترتيب رعاية البنات بطريقة تناسب ظروفن

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى