
بصيت للشاشة، وسيبت الموبايل يرن لحد ما المكالمة انتهت.
بعد ثوانٍ، وصلتني رسالة منها:
«نور، لازم ترجعي القصر فورًا. فيه موضوع مهم يخص أملاك مجدي، والمحامي عايزنا كلنا نقعد مع بعض.»
بصيت للمحامي.
هو كمان قرأ الرسالة، وبعدها قال:
«واضح إنهم عرفوا إنك جيتي هنا.»
سألته بقلق:
«نعمل إيه دلوقتي؟»
قفل الملف، ورتب المستندات قدامه.
«هنعمل الحاجة الصح. هنراجع الأوراق، ونتأكد من حقوقك، وبعدها نتعامل مع أي خلاف بطريقة قانونية. ما فيش داعي للخوف، وما توقعيش على أي حاجة تحت الضغط.»
قمت من مكاني، وحطيت رسالة مجدي في شنطتي.
لأول مرة من سنين، ما كنتش راجعة للقصر وأنا خايفة من مواجهة سعاد.
كنت راجعة وأنا عارفة إن فيه حقائق لازم تظهر.
لكن قبل ما أخرج، المحامي ناداني:
«نور، استني لحظة.»
رجعت بصيت له.
فتح درجًا آخر، وطلع منه صورة قديمة لمجدي، واقف فيها جنب رجل ما شفتوش قبل كده.
قال:
«قبل ما أبوكي يتوفى بشهور، الشخص ده قابله، وقدم له مستندات مهمة عن شركة شريف. ومجدي طلب مني أحتفظ بالصورة دي مع الملف.»
قربت الصورة من عيني.
وبمجرد ما شفت ملامح الرجل بوضوح، افتكرت إني شفته قبل كده.
لكن مش في القصر.
ولا في أي مناسبة عائلية.
كنت شفته واقف قدام مقر شركة شريف، في اليوم اللي رجعت فيه من مهمتي العسكرية!
قلبي بدأ يدق بسرعة.
ليه الرجل ده كان بيتابع شركة شريف؟
وإيه اللي عرفه عن مجدي قبل وفاته؟
وليه ظهوره تزامن مع محاولة إجبارى على توقيع ضمان القرض؟
المحامي بص لي وقال:
«لو عايزين نفهم الصورة كاملة، لازم نعرف الشخص ده مين، وإيه علاقته بالتحويلات المالية اللي أبوكي كان بيحقق فيها.»
خرجت من المكتب وأنا شايلة الرسالة والصورة، وعندي إحساس إن الحقيقة أكبر بكتير من مجرد خلاف على الميراث.
لكن اللي ما كنتش أعرفه، إن سعاد كانت بالفعل مستنياني في القصر، وإنها جهزت مفاجأة جديدة، معتقدة إنها هتخليني أتنازل عن كل أسئلتي.
يتبع في الجزء الثالث…
### الجزء قبل الأخير: المواجهة اللي سعاد ما كانتش مستعدة ليها
رجعت للقصر في الساحل الشمالي بعد ما خلصت مقابلتي مع المحامي طارق منصور، وأنا شايلة رسالة مجدي والصورة القديمة اللي شفتها في مكتبه.
طول الطريق، كان سؤال واحد بيلف في دماغي:
إيه اللي كان مجدي عارفه عن شريف، وخلاه يجمع كل المستندات دي قبل وفاته؟
وأهم من كده، ليه سعاد كانت مستعجلة إني أمضي على ضمان القرض؟
أول ما دخلت القصر، لقيت سعاد قاعدة في الصالون، وجنبها داليا وشريف، وقدامهم المحامي اللي كان حاضر في العزومة.
سعاد بصت لي وقالت بنبرة متوترة:
«أخيرًا وصلتي يا نور. إحنا مستنيينك من بدري.»
حطيت شنطتي على الأرض، ورديت بهدوء:
«خير؟»
شريف اتدخل بسرعة:
«إحنا محتاجين نخلص موضوع القرض النهارده. البنك مستني الرد، وكل يوم تأخير بيضر الشركة.»
بصيت له وقلت:
«أنا راجعت الأوراق، ومش همضي على ضمان قبل ما أفهم كل التفاصيل وأعرف حقوقي والتزاماتي.»
سعاد ضربت بإيدها على الترابيزة وقالت:
«إنتِ ليه مصممة تعقدي كل حاجة؟ إحنا مش غرب عن بعض!»
رديت عليها:
«لو إحنا عيلة فعلًا، كان المفروض تتكلموا معايا بصراحة من البداية، مش تخبوا عني الديون وتطلبوا مني أتحمل مسؤوليتها.»
داليا قامت من مكانها وقالت:
«إنتِ اتغيرتي جدًا يا نور. زمان كنتِ بتسمعي الكلام، دلوقتي بقيتي بتشكّي في كل الناس.»
بصيت لها وقلت:
«أنا ما اتغيرتش. أنا بس بقيت بقرأ الورق قبل ما أمضي.»
سكتت داليا، وشريف بدأ يتجنب النظر في عيني.
في اللحظة دي، رن جرس الباب.
دخل رجل في منتصف الخمسينات، لابس بدلة رسمية، ومعاه حقيبة مستندات.
أول ما شفته، افتكرت الصورة اللي ورّاني إياها المحامي طارق.
كان هو نفس الرجل اللي شفته قبل كده قدام مقر شركة شريف.
سعاد اتفاجئت بوجوده، وقالت بارتباك:
«أستاذ سامح؟ إنت جاي هنا ليه؟»
رد الرجل بهدوء:
«جاي أسلّم المستندات اللي طلبها الأستاذ طارق، واللي تخص مراجعة حسابات شركة شريف وبعض المعاملات المرتبطة بأملاك المرحوم مجدي.»
وش سعاد اتغير.
شريف وقف فجأة وقال:
«أي مستندات؟ وإنت جبتها منين؟»
سامح حط الحقيبة على الترابيزة، وفتحها.
قال:
«أنا كنت مسؤولًا عن مراجعة بعض الحسابات والعقود خلال الفترة اللي فاتت. وفيه معاملات مالية اتطلب مني أراجعها بعد ما ظهرت اختلافات بين بعض القيود والمستندات.»
فتح ملفًا، وبدأ يعرض كشوف حسابات وعقودًا وإيصالات تحويل.
المبالغ كانت كبيرة، وبعض العمليات ما كانش ليها تفسير واضح في المستندات المتاحة.
سعاد حاولت تتكلم، لكن سامح كمل:
«الأستاذ مجدي طلب مراجعة المعاملات دي قبل وفاته، وكان عايز يتأكد إن حقوق كل الأطراف محفوظة. وأنا سلّمت نسخة من المستندات للمحامي عشان يراجعها قانونيًا.»
بصيت لشريف وسألته:
«إيه تفسير التحويلات دي؟»
رد بعصبية:
«دي معاملات تجارية، وإنتِ مش فاهمة طبيعة شغل الشركات!»
المحامي اللي كان قاعد مع سعاد طلب يشوف المستندات بنفسه، وبدأ يقلب فيها.
بعد دقائق، رفع عينيه وقال:
«الموضوع محتاج مراجعة دقيقة. ما ينفعش نصدر أحكام قبل ما نتحقق من كل المعاملات.»
وافقت على كلامه، لأنني ما كنتش عايزة أظلم حد، حتى لو كان الشخص ده ظلمني.
لكن سامح أخرج مستندًا آخر، وقال:
«فيه حاجة كمان. الأستاذ مجدي كان طلب مني أتأكد من وضع بعض العقارات قبل ما يعتمد التعديلات الأخيرة في ترتيبات أملاكه.»
سعاد قامت من مكانها بسرعة.
«كفاية! مش كل حاجة تخص مجدي لازم تتحول لتحقيق قدام الناس!»
بصيت لها وقلت:
«إحنا مش بنحقق مع حد. إحنا بنحاول نفهم الحقيقة.»
ردت بغضب:
«الحقيقة إنك جاية من بره وعايزة تدخلي نفسك في أملاك مش من حقك!»
في اللحظة دي، أخرجت رسالة مجدي من شنطتي.
فتحتها، وحطيتها قدامها.
قلت:
«أنا ما طلبتش من حد يورثني حاجة، ولا طلبت منكم فلوس. أنا جيت عشان أفهم ليه كنتوا بتحاولوا تجبروني أمضي على قرض من غير ما تقولوا لي الحقيقة.»
سعاد بصت للرسالة، ولما شافت خط مجدي، سكتت للحظات.
أما شريف، فبدأ يطلب من سامح إنه يوقف الكلام عن الحسابات لحد ما يتواصل مع مستشاره القانوني.
لكن سامح رفض يتخلص من أي مستند أو يغيّر أي بيانات، وأكد إنه هيسلّم كل الأوراق المطلوبة للجهات المختصة لو استدعى الأمر.
بعدها، المحامي طارق وصل للقصر، ومعاه نسخة موثقة من التعديلات اللي أجراها مجدي على ترتيبات أملاكه.
طلب من الجميع يقعدوا، وبدأ يشرح الموقف القانوني بهدوء.
قال:
«مجدي رتّب أملاكه قبل وفاته وفق مستندات موثقة. والحقوق اللي حددها ما ينفعش حد يغيّرها لمجرد إنه مش راضي عنها. وأي تصرف مالي يخص حقوق نور لازم يتم بموافقتها، وبالإجراءات القانونية المطلوبة.»
سعاد حاولت تتمالك نفسها.
«يعني إيه؟ إنت عايز تقول إن نور ليها حق في أملاك مجدي؟»
فتح المحامي الملف، وقال:
«أنا عايز أقول إننا هنلتزم بالمستندات والقانون، مش بالافتراضات أو الرغبات الشخصية.»
وبعدين التفت ناحيتي.
«نور، فيه جزء من المستندات لازم أشرحه لك على انفراد، لأن فيه تفاصيل مالية وقانونية تخصك بشكل مباشر.»
خرجنا إلى غرفة المكتب، وبدأ يوضح لي تفاصيل حقوقي، والالتزامات المتعلقة ببعض العقارات، والضمانات اللي كان ممكن أتعرض لمخاطرها لو وقّعت على طلب شريف.
وفهمت أخيرًا إن مجدي كان حريصًا على حمايتي من أي قرار متسرع، وإنه ترك وراءه مستندات تساعد على إثبات حقوقي، مش عشان يدخلني في حرب مع العيلة.
لكن قبل ما ينهي كلامه، أخرج المحامي ورقة إضافية.
وقال:
«فيه شرط مهم كتبه مجدي في خطاب منفصل. الشرط ده مش بيحرم حد من حقه، لكنه بيوضح إزاي كان عايز الأمور تتدار بعد وفاته.»
سألته:
«إيه هو؟»
ناولني الورقة.
قرأت السطور الأولى، وبعدها رفعت عيني بصدمة.
مجدي كان قد أوصى بأن تتم مراجعة الحسابات المتعلقة ببعض أملاكه، وأن تُحفظ حقوق كل مستفيد، وأن تُحال أي معاملات غير مفسرة للمراجعة القانونية.
ما كانش هدفه يعاقب سعاد أو شريف.




