
سألتها:
«طيب، إيه حكاية الحساب اللي آخره ٤٧٢١؟»
اتغير لون وشها فجأة.
رفعت عينيها ليا وقالت:
«إنتِ عرفتي الحساب ده منين؟»
«ده مش مهم. المهم إنه حساب مين؟»
فضلت ساكتة، وبعدين فتحت شنطتها وطلعت ورقة مطوية.
دفعتها ناحيتي وقالت:
«ده رقم الحساب اللي شفته في مستندات قديمة. لكن مش معايا دليل قاطع يثبت صاحبه. أنا حاولت أعرف، وكريم منعني.»
فتحت الورقة، ولقيت رقم الحساب مكتوبًا بخط إيدها، وتحته تاريخ تحويل قديم.
كان نفس التاريخ الموجود في الصورة اللي وصلتني في الظرف.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
قلت لها:
«يعني إنتِ كنتِ عارفة إن فيه حساب تاني؟»
ردت:
«كنت شاكّة، لكن ماقدرتش أثبت حاجة. ولما بدأت أراجع المستندات، لقيت إن فيه ملفات اختفت من الأرشيف.»
سألتها:
«اختفت إزاي؟»
قالت:
«بعد القبض عليكي، كريم أخد صلاحيات الإدارة كلها. وفي يوم، طلب مني أطلع له ملفات قديمة تخص الموردين والتحويلات. بعدها بأيام، لما حاولت أراجع نفس الملفات، لقيت أجزاء ناقصة.»
بصيت لها بعدم تصديق.
«وليه ما قلتيش الكلام ده في المحكمة؟»
نزلت راسها.
«لأنه هددني.»
سكتُّ لحظة، وبعدين سألتها:
«هددك بإيه؟»
قالت بصوت منخفض:
«قال لي إنه عنده مستندات تثبت إني شاركت في التحويلات، وإن لو غيرت كلامي أو قلت أي حاجة ضده، هيخليني أتحبس مكانك.»
فضلت باصة لها، وأنا بحاول أقرر إذا كنت أصدقها ولا لأ.
كان ممكن تكون بتقول الحقيقة، وممكن تكون بتحاول تنقذ نفسها بعد ما اكتشفت إن كريم مش هيحميها للأبد.
قلت لها بوضوح:
«أنا مش هقدر أثق فيكي لمجرد إنك اعتذرتي. لو عايزة تصلحي اللي عملتيه، لازم تقولي الحقيقة كاملة، وتقدمي أي مستندات معاكي للجهات المختصة.»
هزت راسها بالموافقة.
وبعدين قالت:
«فيه حاجة تانية لازم تعرفيها. كريم كان بيقول إن الشركة اللي اتحولت لها الفلوس مملوكة لشخص اسمه فؤاد السعدني. لكني اكتشفت إن الاسم ده ممكن يكون مجرد واجهة.»
سألتها:
«واجهة لمين؟»
قبل ما ترد، موبايلها رن.
بصت للشاشة، واتبدلت ملامحها.
قامت بسرعة وقالت:
«لازم أمشي دلوقتي.»
مسكت إيدها وقلت:
«استني! إنتِ لسه ما قلتيليش كل حاجة.»
سحبت إيدها وقالت:
«هكلمك تاني، بس أوعي تواجهي كريم دلوقتي. هو مش عارف إنك بدأتي تدوري في الموضوع.»
وبعدين قربت مني وهمست:
«وخلي بالك من الحاجة زينب. فيه سبب يخلي كريم مهتم يعرف إنتِ عايشة فين.»
قبل ما أقدر أسألها عن السبب، خرجت من المقهى بسرعة.
فضلت قاعدة مكاني، وعندي أسئلة أكتر من الإجابات.
### الأستاذ عادل يكتشف تفصيلة خطيرة
في نفس المساء، قابلت الأستاذ عادل وسلمته صورة التحويل والورقة اللي ادتهالي مريم.
راجع المستندات، وبعدها قال:
«أنا محتاج أعرف مصدر كل ورقة من دول. الصورة المطبوعة وحدها مش كفاية عشان نثبت ملكية الحساب أو نربطه بالقضية.»
حكيت له عن المقابلة، وعن كلام مريم بخصوص اختفاء الملفات.
سألني:
«هل مريم مستعدة تدلي بأقوالها رسميًا؟»
قلت:
«قالت إنها هتساعدني، لكن مش عارفة إذا كانت هتلتزم بكلامها ولا لأ.»
رد:
«يبقى لازم نشتغل على الأدلة اللي نقدر نوصل لها بشكل قانوني. هنطلب مراجعة ملف القضية، ونشوف إذا كانت فيه سجلات مصرفية أو مستندات أصلية تقدر تكشف مسار الفلوس.»
وبعدها فتح ملفًا جديدًا على مكتبه.
قال:
«فيه تفصيلة لفتت نظري في العقود اللي جبتيها. المورد اللي ظهرت باسمه التحويلات اتسجل في الأوراق بعنوان معين، لكن بياناته في فاتورة تانية مختلفة. لو قدرنا نثبت إن الشركة ماكانتش بتعمل نشاطًا حقيقيًا، أو إن المستندات اتقدمت ببيانات غير صحيحة، ده ممكن يساعد في إعادة فحص القضية.»
سألته:
«يعني ممكن أخرج من القضية نهائيًا؟»
رد بهدوء:
«إنتِ خرجتي من السجن، لكن الحكم لسه موجود في سجلك. إثبات براءتك أو إلغاء الحكم محتاج إجراءات قانونية وأدلة قوية. أنا هساعدك في الجانب المالي، لكن لازم محامٍ متخصص يتابع إعادة فتح القضية أو الطعن بالطريق القانوني المناسب.»
الكلام كان واقعي، لكنه اداني أمل حقيقي.
لأول مرة، ماكانش الأمل مجرد أمنية.
كان فيه خطة.
### الحاجة زينب تكشف سرًا من ماضيها
لما رجعت البيت، لقيت الحاجة زينب قاعدة في الصالة، وقدامها صندوق خشبي صغير.
أول ما شافتني، قالت:
«تعالي يا سلمى. أعتقد إن الوقت جه إني أحكيلك حاجة عن حياتي.»
قعدت قدامها، وحطت الصندوق على الترابيزة.
فتحته وطلعت منه مجموعة صور قديمة، وعقود، وخطابات.
قالت:
«قبل ما أبقى أرملة وأعيش لوحدي، كنت شريكة في مشروع تجاري مع جوزي. كنا بنشتغل في توريد الأدوات والأجهزة للمستشفيات والعيادات.»
بصيت لها باستغراب.
«يعني حضرتك كنتِ في نفس مجال شغلي؟»
ابتسمت بحزن.
«تقريبًا. وده السبب اللي خلاني ألاحظ من أول يوم إنك مش مجرد ست بتدور على شغل في بيت. طريقة كلامك عن الفواتير والحسابات كانت بتقول إنك فاهمة المجال كويس.»
وبعدين طلعت صورة لرجل في الخمسينات، واقف جنب جوزها السابق.
«ده الراجل اللي شوفته قدام البيت. اسمه حازم فؤاد. كان بيشتغل مع جوزي في فترة من الفترات.»
سألتها:
«وكان بيعمل إيه؟»
قالت:
«في البداية، كنت فاكرة إنه موظف عادي. لكن بعد ما اكتشفت إن فيه أموال بتخرج من حسابات الشركة من غير تفسير واضح، عرفت إن اسمه ظهر في بعض المراسلات الخاصة بالموردين.»
سكتت لحظة، وبعدين كملت:
«ماقدرتش أثبت إنه سرق حاجة. جوزي باع حصته في الشركة، وبعدها انتهى كل شيء بالنسبة لي. أو على الأقل، ده اللي كنت فاكره.»
أخدت الصورة من إيدها وبصيت فيها كويس.
الراجل كان أكبر سنًا من الشخص اللي شوفته عند البوابة، لكن ملامحه كانت متشابهة جدًا.
سألتها:
«إنتِ متأكدة إنه نفس الشخص؟»
ردت:
«مش هقدر أجزم من الصورة وحدها، لكن الشبه كبير.»
وبعدين قالت جملة خلتني أفكر في احتمال جديد:
«لو حازم له علاقة بقضيتك، يبقى لازم نعرف إذا كان ظهر في سجلات الشركة اللي اتهموكي بتحويل الفلوس ليها.»
حسيت إن كل الخيوط بدأت تتجمع ببطء.
كريم، ومريم، والمورد المجهول، والحساب البنكي، والراجل اللي بيراقب البيت.
لكن كان فيه سؤال أهم من كل ده.
ليه شخص من ماضي الحاجة زينب مهتم بقضيتي أنا؟
### الرسالة الأخيرة
في صباح اليوم التالي، صحيت على صوت خبط خفيف على باب أوضتي.
كانت الحاجة زينب.
قالت:
«يا سلمى، فيه ظرف وصل لك من غير اسم.»
فتحت الباب، وأخدت الظرف منها.
جواه كانت فيه ورقة واحدة، مكتوب عليها:
«لو عايزة تعرفي مين استفاد فعلًا من فلوس شركتك، دوري على عقد بيع الشركة اللي اتوقّع بعد القبض عليكي بشهرين.»
قريت الرسالة مرتين.
أنا كنت فاكرة إن كريم استولى على الشركة واستمر في إدارتها، لكن لو فيه عقد بيع، يبقى ممكن يكون باعها لشخص تاني أو نقل ملكيتها بطريقة مختلفة.
قلبت الورقة، ولقيت سطرًا مكتوبًا في أسفلها:
«اسم المشتري مش فؤاد السعدني… اسمه الحقيقي حازم فؤاد.»
رفعت عيني للحاجة زينب.
كانت واقفة قدامي، ووشها فقد لونه.
همست:
«حازم؟ مستحيل…»
سألتها:
«إنتِ تعرفي الاسم ده كويس؟»
قعدت على أقرب كرسي، وحطت إيديها على وشها.
وبعد لحظات، قالت:
«يا سلمى، لو الكلام ده صحيح، يبقى جوزي السابق ماكانش مجرد شخص اتعرض لمشكلة مالية من سنين. ممكن يكون فيه ارتباط بين اللي حصل له واللي حصل لشركتك.»
وفي نفس اللحظة، وصلني إشعار على تليفوني من رقم مريم.
كانت رسالة قصيرة جدًا:
«ما تروحيش الشركة القديمة. كريم عرف إنك بتدوري، وطلب تغيير كل الأقفال. والأخطر من كده… هو بيحاول يبيع آخر مستند ممكن يثبت براءتك.»
لكن إيه هو المستند اللي كريم بيحاول يتخلص منه؟ وهل حازم فؤاد هو العقل المدبر لكل اللي حصل؟ والأهم، هل الحاجة زينب هتكتشف إن ماضيها مرتبط بمأساتي قبل فوات الأوان؟
يتبع في الجزء الرابع والأخير…




