
«خليها تسأل أختها عن التحويل اللي حصل قبل القبض عليها بأسبوع. هي هتفهم قصدي.»
وبعدها لف ومشي.
فضلت واقفة مكاني، وأنا بحاول أستوعب اللي سمعته.
تحويل قبل القبض عليّ بأسبوع؟
أنا كنت فاكرة إن كل التحويلات المشبوهة حصلت خلال الفترة اللي كنت فيها مشغولة بوالدة كريم في المستشفى.
لكن لو فيه تحويل تاني حصل قبل القبض عليّ بأسبوع، فده ممكن يكون مفتاح القضية كلها.
التفت للحاجة زينب وقلت:
«أنا لازم أعرف التحويل ده كان إيه.»
مسكت إيدي وقالت:
«هتعرفي، بس مش لوحدك. استني لحد ما تقابلي الأستاذ عادل.»
لأول مرة، حسيت إن حد بيفكر في سلامتي قبل ما يفكر في حل المشكلة.
### الاجتماع اللي كشف أول كذبة
جاء موعد المقابلة.
روحت مكتب الأستاذ عادل في وسط القاهرة، ومعايا الملف اللي جمعت فيه كل المستندات.
كان مكتبه بسيط، فيه مكتب خشبي كبير ورفوف مليانة ملفات وكتب متخصصة في المحاسبة والتحقيقات المالية.
استقبلني باحترام، وطلب مني أحكي له القصة كاملة من البداية.
حكيت له عن الشركة، وعن كريم ومريم، وعن التحويلات، وعن المحاكمة.
وبعدين وريته المستندات.
فضل يراجع الأوراق واحدة واحدة، ويسجل ملاحظاته في دفتر أمامه.
بعد حوالي ساعة، رفع رأسه وسألني:
«هل كان عندك صلاحية تنفيذ التحويلات البنكية بنفسك؟»
قلت:
«أيوه، لكن بعض التحويلات الكبيرة كانت بتحتاج موافقة إضافية من شخص تاني، وكان المفروض إن كل عملية تتسجل باسم الموظف اللي نفذها.»
سألني:
«مين الشخص اللي كان عنده صلاحية الموافقة الإضافية؟»
اترددت، وبعدين قلت:
«كريم، لأنه كان شريكًا في الإدارة، ومريم كانت بتتابع الحسابات وتجهيز المستندات.»
رجع بص للأوراق، وبعد دقائق قال:
«فيه مشكلة هنا. العقد اللي معاكي بيشير لمورد معين، لكن بيانات الاتصال الموجودة في الفواتير مش متطابقة. ده مش دليل لوحده على جريمة، لكنه سبب كافي إننا نراجع أصل المستندات وسجلات التحويلات.»
سألته:
«يعني ممكن يكون فيه تزوير؟»
رد بحذر:
«ممكن، لكن ماينفعش نجزم قبل ما نفحص التوقيعات والنسخ الأصلية وسجلات البنك. والأهم إننا نعرف مين استفاد من الفلوس.»
وبعدين سألني سؤالًا ماكنتش متوقعة إنه يكون مهم للدرجة دي:
«إنتِ فاكرة آخر مرة راجعتي فيها الحسابات بنفسك قبل ما تبدأ التحقيقات؟»
فكرت شوية، وبعدها قلت:
«قبل ما تدخل والدة كريم المستشفى بأيام. وقتها كنت راجعت تقريرًا شهريًا، وكان فيه رصيد أكبر من اللي ظهر بعد كده في كشف الحساب.»
طلب مني أحاول أفتكر التاريخ التقريبي، وبدأ يكتب ملاحظات.
وبعدها قال:
«أنا محتاج نسخة من ملف القضية، ونسخة من تقرير المحاسبة اللي اتقدم للمحكمة، وكمان تفاصيل التحويلات اللي اتذكرت في الحكم. من غيرهم، هنكون بنحاول نحل لغز ونص الأدلة ناقصة.»
خرجت من مكتبه وأنا لأول مرة حاسة إن فيه طريق واضح قدامي.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت مستنياني لما رجعت بيت الحاجة زينب.
لقيتها قاعدة في الصالة، وقدامها ظرف بني كبير.
أول ما شافتني، قالت:
«الظرف ده وصل من غير اسم مرسل. واللي سابه قال إنه مخصوص ليكي.»
فتحت الظرف بحذر.
جواه كانت فيه صورة مطبوعة لشاشة تحويل بنكي قديم، وورقة صغيرة مكتوب عليها بخط واضح:
«اسألي أختك عن الحساب رقم ٤٧٢١… لأن الفلوس ما راحتش للمورد اللي اتهموكي إنك حولتي له.»
حسيت إن نفسي اتسحب مني.
الحساب ده ماكانش موجود في أي ورقة من الأوراق اللي احتفظت بيها.
رفعت عيني للحاجة زينب، فقالت:
«يا سلمى، واضح إن فيه حد عارف الحقيقة، لكنه خايف يقولها بشكل مباشر.»
بصيت للصورة مرة تانية، ولاحظت إن تاريخ التحويل كان قبل القبض عليّ بأسبوع بالضبط.
وفي أسفل الورقة، كان فيه جزء صغير من اسم صاحب الحساب، لكنه مقطوع.
ما ظهرش غير أول حرفين:
«م. شـ…»
حاولت أقنع نفسي إن ده ممكن يكون اسم أي شخص.
لكن قلبي كان بيقول لي إن الحروف دي مش جت بالصدفة.
لأن اسم أختي الكامل كان مريم شريف منصور.
هل كانت مريم هي صاحبة الحساب؟
ولا فيه شخص تاني بيحاول يوقعها، زي ما هي وقعتني؟
ماكانش عندي إجابة، لكني كنت متأكدة من حاجة واحدة.
التحويل ده ممكن يغير كل اللي كنت فاهمته عن قضيتي.
وقبل ما أقدر أوري الصورة للأستاذ عادل، رن تليفوني برقم مجهول. رديت، فسمعت صوت أختي مريم للمرة الأولى من يوم خروجي من السجن.
قالت بصوت مرتعش:
«سلمى، اسمعيني كويس… لازم أشوفك، لكن أوعي تثقي في الحاجة زينب! هي مش الشخص اللي إنتِ فاكرة إنها عليه.»
وبعدها قفلت الخط.
يتبع في الجزء الثالث…
### الجزء الثالث: أختي اتصلت بيا بعد أربع سنين… وقالت لي إن الحاجة زينب بتخدعني!
فضلت ماسكة التليفون قدام وشي، مش قادرة أصدق اللي سمعته.
مريم، أختي اللي شهدت ضدي في المحكمة، واللي ساهمت في دخولي السجن، اتصلت بيا بنفسها بعد أربع سنين من الصمت!
والأغرب إنها كانت بتحذرني من الحاجة زينب.
بصيت للحاجة زينب، اللي كانت قاعدة قدامي، وسألتني بقلق:
«مين اللي اتصل يا سلمى؟»
اترددت لحظة، لكني قررت ما أخبيش عنها حاجة.
قلت لها:
«مريم. أختي. بتقول إنها لازم تقابلني، وبتحذرني إني ما أثقش فيكي.»
الحاجة زينب ما اتفاجئتش زي ما توقعت.
فضلت ساكتة شوية، وبعدها قالت:
«كنت متوقعة إن اليوم ده هييجي.»
اتسعت عينيّ.
«يعني إيه كنتِ متوقعة؟ إنتِ تعرفي مريم؟»
هزت راسها وقالت:
«لأ، ماعرفهاش شخصيًا. لكني عارفة إن أي حد عنده سر كبير ممكن يحاول يمنعك من الوصول للحقيقة، سواء كان من أهلك أو من الناس اللي بتساعدك.»
ما اقتنعتش تمامًا بكلامها.
كنت محتاجة أفهم مين فيهم بيقول الحقيقة، ومين بيحاول يوجّهني ناحية معينة.
عشان كده، قررت أرجع أتصل بمريم.
لكن تليفونها كان مقفول.
جربت مرة تانية بعد ساعة، وكانت النتيجة نفسها.
وفي الوقت ده، وصلتني رسالة من رقم مجهول:
«لو عايزة تعرفي الحقيقة، تعالي بكرة الساعة ٤ العصر لمقهى صغير في شارع جامعة الدول العربية. تعالي لوحدك.»
ماكانش فيه اسم، ولا أي تفاصيل تانية.
ورغم إني كنت خايفة، قررت أروح، لكن بعد ما أبلغ الأستاذ عادل بالرسالة وأتفق معاه على خطوات تحميني.
اتصلت بيه وحكيت له اللي حصل.
قال لي بحزم:
«ما تروحيش لمقابلة بالشكل ده من غير ما يكون فيه حد عارف مكانك. وإوعي تسلمي أي مستند أصلي لأي شخص، مهما كان كلامه مقنعًا.»
اتفقنا إني أروح للمكان في الموعد، وأفضل في مكان عام، وأبلغ شخصًا أثق فيه بوقت المقابلة ومكانها.
لكن الحاجة زينب كان عندها رأي تاني.
قالت لي:
«لو مريم فعلًا عايزة تتكلم، اسمعيها. لكن ما تنسيش إن الكلام لوحده مش دليل. إحنا محتاجين مستندات وشهادات نقدر نتحقق منها.»
### المقابلة اللي ماكنتش متوقعة نهايتها
في اليوم التالي، وصلت المقهى قبل الموعد بعشر دقايق.
قعدت على ترابيزة قريبة من الشباك، وطلبت شاي، وفضلت أبص على الباب كل شوية.
كانت الساعة قربت من الرابعة، لما شفت ست لابسة طرحة غامقة ونظارة كبيرة، دخلت بسرعة وبصت حوالين المكان.
عرفتها فورًا، رغم إن ملامحها اتغيرت.
كانت مريم.
قربت مني وقعدت، وفضلت ساكتة ثواني.
كانت باينة عليها علامات التعب، ووشها شاحب، وإيديها بتترعش وهي بتحط شنطتها على الكرسي.
بصيت لها وقلت:
«إيه اللي جابك دلوقتي يا مريم؟ بعد أربع سنين افتكرتي إن عندك أخت؟»
نزلت عينيها للأرض.
«أنا عارفة إنك مش هتسامحيني بسهولة.»
ضحكت بمرارة.
«تسامحك؟ إنتِ فاهمة إنتِ عملتي فيا إيه؟ أنا قضيت أربع سنين من عمري ورا القضبان بسبب شهادتك. كنت بصحى كل يوم وأسأل نفسي إزاي أختي قدرت تعمل فيا كده.»
دموعها نزلت، لكنها ما حاولتش تدافع عن نفسها.
قالت بصوت مكسور:
«أنا غلطت يا سلمى. وغلطتي أكبر من إني أقدر أصلحها بكلمتين.»
ضربت بإيدي على الترابيزة وقلت:
«أنا مش جاية أسمع اعتذار. أنا عايزة أعرف الحقيقة. الفلوس راحت فين؟ وليه شهدتي ضدي؟»
بصت حوالين المكان قبل ما ترد.
«كريم هو اللي كان بيدير كل حاجة. في الأول، قال لي إن فيه تحويلات مؤقتة، وإن الفلوس هترجع للشركة خلال أيام. قال إن عنده مشكلة في السيولة وإنه محتاج يغطّي التزامات عاجلة.»
قاطعتها:
«وصدقتيه؟»
قالت بسرعة:
«أيوه، صدقته. وبعدها بدأت تظهر تحويلات تانية، والمبالغ كبرت. ولما سألت، قال لي إنك إنتِ اللي وافقتي عليها.»
حسيت بالغضب بيزيد جوايا.
«وإنتِ ما فكرتيش تسأليني أنا؟ ما فكرتيش تتأكدي قبل ما توقفي ضدي؟»
غمضت عينيها وقالت:
«كنت جبانة يا سلمى. وده مش مبرر.»
لأول مرة، سمعتها تعترف إنها غلطت من غير ما تحاول تلوم حد تاني.
لكن ده ما كانش كفاية.




