روايات وقصص

الجزء الثاني والثالث الاخير بقلم محمد عبده

— خلصت اللعبة يا ماهر.

ضحك ماهر.

— اللعبة؟ أنت فاكر إنك تقدر تنهي حاجة بدأت من 15 سنة؟

ألقى الملف الأسود فوق طاولة قريبة.

— وقّع على تنازلك عن إدارة الشركات والحسابات اللي باسمك، وأنا هسيب مراتك تمشي.

نظر فارس إلى الأوراق دون أن يقترب منها.

— كل ده علشان الفلوس؟

رد ماهر:

— الفلوس كانت البداية، لكن الموضوع أكبر من كده.

ثم اقترب منه وقال:

— أبوك كان عنده كل حاجة، وكان فاكر إن محدش يقدر يقف قصاده. ولما اكتشف التحويلات، قرر يبعدني عن كل حاجة. حاولت أقنعه، لكنه رفض.

سأله فارس:

— وإنت اللي رتبت الحادث؟

ظل ماهر صامتًا للحظات، ثم قال:

— أنا رتبت الطريق اللي كان المفروض يرجع منه، وخلّيت الناس اللي معايا تتدخل. لكن اللي حصل كان أكبر من اللي خططنا له.

شعر فارس بغضب شديد.

— يعني أبويا مات بسببك؟

رد ماهر:

— أبوك كان عارف إنه بيحارب ناس كتير، وكان لازم يعرف إن فيه ثمن لكل قرار.

قال فارس:

— وإيه علاقة ليلى بكل ده؟

نظر ماهر إلى ليلى وقال:

— مراتك كانت قريبة من كشف الحسابات، وكريم النجار كان بيساعدها. لكن اللي ما كنتش متوقعه إن أبوها كان سايب لها نسخة من المستندات القديمة.

هنا رفعت ليلى رأسها وقالت:

— علشان كده كنتوا بتحاولوا تخوفوني وتسكتوني؟

ابتسم ماهر.

— بالضبط.

ثم نظر إلى فارس وأضاف:

— كنت محتاج أبعدها عنك، وأخليك تطلقها بإيدك. ولما عرفت إنها حامل، الموضوع بقى أصعب. طفلين من حقهم يرثوا أبوهم، وده كان هيعقد كل حاجة.

لم يستطع فارس السيطرة على غضبه.

لكن ليلى أمسكت بيده وهمست:

— فارس، افتكر إنك وعدتني إنك مش هتتصرف بتهور.

نظر إليها، ثم عاد بنظره إلى ماهر.

قال بهدوء:

— أنا مش هضحي بحياة مراتي وولادي علشان أنتقم منك.

وفجأة جاء صوت من خلف الباب:

— محدش يتحرك!

دخل عدد من رجال الشرطة، ومعهم كريم النجار، الذي كان يحمل ملفًا من المستندات.

ارتبك ماهر، وحاول أحد الرجلين الموجودين معه الهرب، لكن رجال الشرطة تمكنوا من السيطرة عليهما.

نظر ماهر إلى فارس بغضب.

— إنت بلغت الشرطة؟!

رد فارس:

— أنا مش أبويا، ومش هكرر أخطاءه. زمن إن كل واحد ياخد حقه بإيده انتهى.

اقترب كريم من ليلى واطمأن عليها.

ثم قال لفارس:

— إحنا كنا مستنيين اللحظة دي من فترة. التسجيلات والمستندات اللي معانا كافية لكشف شبكة التحويلات، لكن فيه حاجة لازم تعرفها.

سأله فارس:

— إيه هي؟

أخرج كريم ظرفًا قديمًا وقال:

— والدك سلّم والد ليلى نسخة من المستندات قبل وفاته بأيام، وطلب منه يحتفظ بيها لحد ما يظهر الشخص المسؤول عن كل اللي حصل.

نظر فارس إلى ليلى بدهشة.

قالت له:

— أنا عرفت بالظرف ده بعد وفاة بابا، لكنه كان مقفول، ومكنتش عارفة محتواه. ولما بدأت أراجع حسابات المؤسسة، افتكرت كلامه وفتحته.

فتح فارس الظرف.

وجد بداخله خطابًا بخط والده.

بدأ يقرأ بصوت مرتجف:

«إلى ابني فارس…

لو وصل لك الخطاب ده، فمعناه إني ماقدرتش أقولك الحقيقة بنفسي.

أنا أخطأت لما وثقت في بعض الرجال أكتر من اللازم، وأخطأت لما خليت شغلي ياخد كل وقتي على حسابك.

فيه ناس قريبة مني بتحاول تستغل اسمي وفلوسي، وأنا اكتشفت إن ماهر واحد من المسؤولين عن ده.

لو حصل لي أي حاجة، أتمنى متخليش الغضب يعميك زي ما حصل معايا.

اختار الناس اللي بتحبك بصدق، ومتخسرش عيلتك بسبب خوفك من الخيانة.

أبوك».

لم يستطع فارس إكمال القراءة.

جلس على أقرب كرسي، وأخفى وجهه بين يديه.

للمرة الأولى شعر أن والده ترك له وصية لم يفهمها إلا بعد فوات الأوان.

اقتربت ليلى منه ووضعت يدها على كتفه.

قالت:

— أبوك كان نفسه تشوف الحقيقة قبل ما تضيع منك حياتك.

رفع فارس عينيه إليها.

— وأنا ضيعتك بإيدي يا ليلى.

ردت بهدوء:

— اللي حصل مش سهل، ومش هقدر أنساه في يوم وليلة. لكن دلوقتي أهم حاجة إننا نكون بخير، ونفكر في الطفلين.

مرت ثلاثة أشهر.

خلال هذه الفترة، بدأت التحقيقات تكشف تفاصيل التحويلات المالية، وتم اتخاذ الإجراءات القانونية ضد ماهر ومن ثبت تورطه معه.

أما فارس، فقد قرر الابتعاد عن كل الأنشطة المشبوهة، وتسليم المستندات المطلوبة للجهات المختصة، وإعادة تنظيم شركاته بطريقة قانونية.

لم يطلب من ليلى العودة إلى المنزل فورًا.

كان يزورها بانتظام، ويطمئن على حملها، ويحاول أن يعوضها عن الأيام التي تركها فيها وحيدة.

وفي أحد الأيام، كان جالسًا بجوارها في عيادة الطبيب.

خرج الدكتور مروان فؤاد مبتسمًا وقال:

— عندي خبر حلو ليكم.

نظر الاثنان إليه بقلق.

قال الطبيب:

— الطفلين بخير، والنمو طبيعي الحمد لله.

ابتسم فارس، وأمسك يد ليلى.

ثم سأله الطبيب مازحًا:

— حضرتك عرفت هتسميهم إيه؟

ضحكت ليلى وقالت:

— لسه مختلفين على الأسماء.

قال فارس:

— أنا عايز أسمي الولد عمر، والبنت مريم.

ابتسمت ليلى.

— الأسماء حلوة، وأنا موافقة.

نظر إليها فارس بدهشة.

— بجد؟

— أيوه، بس عندي شرط.

— أي شرط؟

قالت وهي تبتسم:

— عمرك ما تحكم عليّ من غير ما تسمعني تاني.

ضغط على يدها وقال:

— أوعدك. ومش هخلي الخوف من الخيانة يخليني أخسر الناس اللي بتحبني.

بعد عدة أسابيع، جاء اليوم المنتظر.

دخلت ليلى المستشفى، وبعد ساعات طويلة من الانتظار، سمع فارس صوت بكاء طفلين.

خرج الطبيب إليه مبتسمًا وقال:

— مبروك يا أستاذ فارس، ربنا رزقك بولد وبنت، والاتنين بصحة كويسة، والأم كمان بخير.

لم يتمالك فارس دموعه.

دخل الغرفة، فوجد ليلى تحمل طفلتهما الصغيرة، وبجوارها ابنهما نائم في سريره.

اقترب منها وقبّل رأسها وقال:

— أنا مش عارف أشكرك إزاي إنك لسه ادتيني فرصة أكون موجود في حياتهم.

نظرت إليه ليلى وقالت:

— الفرصة دي مش ليا لوحدي يا فارس، دي للطفلين كمان. أنا مش عايزاهم يكبروا وهما شايفين إن الخوف والشك أقوى من الحب.

جلس بجوارها وأمسك يدها.

وقال:

— هتعلميهم إن أبوهم غلط، لكنه اتعلم من غلطه.

ابتسمت ليلى.

وفي تلك اللحظة فتح الطفل الصغير عينيه، فمد فارس إصبعه ليمسك به.

شعر بشيء لم يشعر به طوال حياته.

لأول مرة لم يكن الرجل الذي يخاف منه الجميع، ولا صاحب النفوذ الذي يستطيع إصدار الأوامر فيستجيب له الآخرون.

كان مجرد أب سعيد لأن طفليه بخير.

وبعد أيام، عاد إلى المنزل الذي كان قد وقّع أوراق الطلاق ليتركه لزوجته.

لكن هذه المرة لم يعد إليه باعتباره صاحب المنزل أو الرجل الذي يفرض قراراته.

عاد باعتباره زوجًا وأبًا يريد أن يبدأ من جديد.

أما أوراق الطلاق التي وقّعها في ذلك اليوم، فقد أصبحت درسًا لن ينساه أبدًا.

فقد خسر ثقته في زوجته بسبب صورة، وكاد يخسر عائلته بسبب رجل وثق به أكثر مما ينبغي.

وبعد مرور عام، وقف فارس في حديقة منزله يشاهد ليلى وهي تلعب مع عمر ومريم، ثم اقترب منها وقال:

— تعرفي إيه أكتر حاجة ندمت عليها في حياتي؟

سألته:

— إيه؟

قال:

— إني كنت بدور على الخيانة في كل الناس، لدرجة إني ماخدتش بالي إن أوفى إنسانة في حياتي كانت واقفة جنبي وبتحاول تحميني.

ابتسمت ليلى وقالت:

— المهم إنك اتعلمت تسمع قبل ما تحكم.

احتضن طفليه وقال:

— وده وعد مني ليكم، عمري ما هنساه.

النهاية ❤️

العبرة من الحكاية: مش كل صورة بتحكي الحقيقة، ومش كل شخص قريب منك بيكون وفيّ، وأحيانًا أكبر ظلم ممكن تعمله في حق إنسان بتحبه إنك تحكم عليه قبل ما تسمع كلامه.

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى