
«إيه يا كريم؟ مستعجل تعلن وفاتي وأنا لسه قدامك؟»
كريم حاول يضحك وقال:
«يا عمي، أنا كنت بس بحاول أساعد في الإجراءات.»
أبويا رد:
«المساعدة مش بتكون بتقديم أوراق بتقول إن شخص عايش مات، ولا بمحاولة الاستيلاء على أملاكه.»
وبعدين بص لعادل وقال:
«وأنت يا عادل، كنت فاكر إن السنين هتخليني أنسى اللي عملته؟»
عادل حاول يغير الموضوع، لكن أبويا طلب منه يفتح الملف اللي معاه.
كان فيه عقد تنازل عن أسهم الشركة، وعليه توقيع منسوب لأبويا.
أبويا بص للتوقيع وقال:
«التوقيع ده مزور. أنا عمري ما مضيت على الورقة دي.»
في اللحظة دي، وصل ضابط الشرطة ومعاه اثنين من أفراد القسم.
كنا اتصلنا بالجهات المختصة قبل المواجهة، وقدمنا بلاغًا رسميًا بكل المستندات والتسجيلات اللي معانا.
طلب الضابط من كريم وعادل تسليم الأوراق، وبدأ يفحصها.
نادية وصلت المستشفى بعد دقائق، وأول ما شافت الشرطة صرخت:
«إيه اللي بيحصل هنا؟! مين اللي بلغ عننا؟»
أبويا بص لها وقال:
«أنا اللي بلغت يا نادية. كفاية كذب بقى.»
نادية حاولت تتكلم، لكن مريم فتحت التسجيل الصوتي على موبايلها.
وفجأة، صوت نادية ملأ المكان:
«لازم يوسف يدخل السجن قبل ما أبوه ينقل الأسهم باسمه… وحسام هيتكفل بموضوع الشهادة، وعادل هيظبط الورق.»
بعدها جاء صوت حسام:
«ولو إبراهيم اكتشف الموضوع؟»
وردت نادية:
«إبراهيم مش هيقدر يعمل حاجة، وإحنا هنخليه بعيد عن ابنه لحد ما نخلص كل حاجة.»
ساد الصمت.
كريم بص لأمه بصدمة، وقال:
«إنتِ قلتي لي إن كل حاجة كانت قانونية!»
نادية ردت بعصبية:
«اسكت يا كريم!»
لكن التسجيل استمر، وكشف اتفاقهم على تحويل أموال الشركة وإعداد العقود المزورة.
الضابط طلب منهم الحضور لاستكمال التحقيقات، وتم التحفظ على المستندات والتسجيلات لفحصها.
أما أبويا، فكان لأول مرة من سنين حاسس إنه مش لوحده.
### بعد شهرين… بدأت الحقيقة تظهر
مرت أسابيع طويلة من التحقيقات.
تم فحص التسجيلات، ومراجعة الحسابات البنكية، ومقارنة التوقيعات الموجودة على العقود.
والنتيجة كانت واضحة:
* وجود تحويلات مالية غير قانونية من حسابات الشركة.
* وجود عقود بيع وتنازل تحمل توقيعات مزورة.
* ثبوت وجود اتفاقات مالية بين حسام وعادل ونادية.
* ظهور أدلة جديدة تثبت إن الشهادة اللي اتقدمت ضدي في القضية كانت مبنية على معلومات كاذبة.
وبناءً على الأدلة الجديدة، تمت مراجعة قضيتي، وصدر قرار بإعادة النظر في الحكم، وبعد الإجراءات القانونية اللازمة تمت تبرئتي من التهمة.
لما سمعت القرار، فضلت ساكت شوية.
كنت متخيل إني أول ما أثبت براءتي هحس بفرحة كبيرة.
لكن الحقيقة إن اللي ضاع مني في السجن كان أكبر من مجرد ثلاث سنين.
كان وقت، وأيام، وفرص، ولحظات مع أبويا كان نفسي أعيشها.
رجعت البيت يومها، ولقيت أبويا ومريم مستنييني.
أبويا فتح دراعاته وقال:
«تعالى يا ابني… النهارده رجعت لي بجد.»
حضنته وقلت:
«أنا رجعت يا أبويا، ومش هسيبك تاني.»
### المفاجأة الأخيرة
بعد انتهاء التحقيقات، طلب أبويا مننا نجتمع في البيت القديم.
كان عايز يقول لنا حاجة مهمة.
قعدنا أنا ومريم جنبه، وطلع ظرف قديم من درج مكتبه.
قال:
«الظرف ده كنت مجهزه من سنين، وكنت مستني اليوم اللي تتجمعوا فيه إنتوا الاتنين.»
فتح الظرف وطلع وصية جديدة، موثقة رسميًا.
قال:
«أنا قسمت ممتلكاتي بينكم بالعدل. الشركة هتفضل تحت إدارتكم، والأرباح هتكون ليكم بالنسب اللي حددتها، لكن فيه حاجة أهم من كل ده.»
سألته مريم:
«إيه يا بابا؟»
ابتسم وقال:
«أنا عايزكم تفضلوا سند لبعض. الفلوس ممكن تتقسم، والأملاك ممكن تتباع، لكن الأخ والأخت اللي بيقفوا جنب بعض وقت الشدة دول كنز حقيقي.»
مريم عيطت، وأنا مسكت إيدها.
وبعدها أبويا طلع مفتاح صغير من جيبه.
نفس شكل المفتاح اللي لقيته في المخزن.
وقال:
«المفتاح ده مش لمخزن ولا لخزنة… ده مفتاح صندوق قديم في أوضتي.»
طلعنا الأوضة، وفتحنا الصندوق.
لقينا صور قديمة لينا وإحنا أطفال، وصورة لأمي الله يرحمها، وصورة لأم مريم، ومعاهم جوابين.
أبويا قال:
«كنت محتفظ بالصور دي عشان عمري ما نسيت إن ليكم الاتنين مكان في قلبي.»
في اللحظة دي فهمت إن أبويا، رغم كل أخطائه وخوفه، كان نفسه يشوفنا متجمعين قبل ما يرحل.
### بعد ستة أشهر
الشركة رجعت تشتغل من جديد، لكن المرة دي بإدارة واضحة وحسابات منظمة.
مريم تولت إدارة الحسابات، وأنا بقيت مسؤول عن متابعة المشروعات والتشغيل.
أما أبويا، فحالته الصحية اتحسنت تدريجيًا، ورجع يقعد في كرسيه الجلد القديم اللي نادية كانت تخلصت منه، لكننا قدرنا نجيبه من مخزن الأثاث القديم بعد ما عرفنا إنه كان لسه موجود.
وفي يوم، كنت قاعد جنبه في الجنينة، فقال لي:
«عارف يا يوسف، أنا كنت فاكر إن أكبر خسارة في حياتي هي الفلوس والشركة.»
سألته:
«وأنت شايف إيه دلوقتي؟»
ابتسم وقال:
«أكبر خسارة كانت السنين اللي ضاعت مننا وإحنا بعيد عن بعض.»
سكت شوية، وبعدها كمل:
«سامحني يا ابني إني مقدرتش أحميك.»
مسكت إيده وقلت:
«أنا سامحتك يا أبويا… بس أوعدني إننا من النهارده منخبيش حاجة عن بعض.»
هز رأسه وقال:
«وعد.»
بصيت للبيت، وشوفت مريم واقفة في البلكونة بتضحك، وحسيت إن الحياة أخيرًا رجعت لطبيعتها.
أما نادية وحسام وعادل، فاستمرت الإجراءات القانونية ضدهم، وكل واحد فيهم بقى مطالب يواجه الأدلة اللي كشفتها التحقيقات، بعيدًا عن الأكاذيب اللي عاشوا بيها سنين.
وفي النهاية، اكتشفت إن السجن ما كانش أصعب حاجة حصلت لي… أصعب حاجة كانت إني صدقت إن كل الناس اللي بحبهم اتخلوا عني.
لكن الحقيقة ظهرت، ورجعت لأبويا، ولقيت أختي اللي كنت فاكر إني عمري ما هعرفها.
ومن يومها فهمت درس عمري:
الظلم ممكن يأخر الحق، لكنه مش بالضرورة يقدر يدفنه… والحقيقة مهما اتخبّت، بييجي يوم وتظهر فيه.




