
كل السنين اللي كنت فاكرة فيها إن أبويا غاب من غير ما يحبني، اكتشفت إن أخويا كان السبب في ضياع آخر فرصة بينا.
لكن الأستاذ ياسر فتح الملف الأخير، وطلع منه ورقة مختومة.
وقال بصوت جاد:
«فيه حاجة لازم نراجعها قبل ما نكمل أي اتهامات. الورقة دي بتوضح إن والدكم كان اتخذ إجراء قانوني قبل غيابه بيوم واحد، والإجراء ده ممكن يغيّر وضع الشركة بالكامل.»
بصيت للورقة.
كان مكتوب فيها إن أبويا عيّن شخصًا مسؤولًا عن حماية أصول الشركة وإدارة بعض شؤونها مؤقتًا لحين انتهاء إجراءات التركة.
لكن اسم الشخص اللي اختاره كان مفاجأة للجميع.
كان اسمي أنا: نُهى محمود العاصم!
والأغرب إن القرار اتوثق رسميًا قبل غياب أبويا بيوم واحد، رغم إن أدهم كان بيقول إن أبويا مش عايزني أرجع للشركة أبدًا.
رفعت عيني وقلت:
«يعني بابا كان عايزني أرجع؟»
الأستاذ ياسر ابتسم وقال:
«والدك كان مستني رجوعك من زمان يا نُهى، وكان مجهزلك كل حاجة.»
لكن أدهم قال فجأة:
«استنوا… فيه حاجة تانية. أنا لقيت جواب في درج فؤاد، ولو نُهى قرأته، هتفهم ليه بابا كان مصمم يبعدني عن إدارة الشركة.»
وكان الجواب ده هو آخر قطعة في اللغز… واللي كشفها كان أصعب من كل اللي عرفته قبل كده.
يتبع…
الجزء الأخير: رسالة أبويا الأخيرة… واللحظة اللي رجع فيها الحق لأصحابه
أدهم كان واقف قدامي وماسك جواب قديم، وإيده بتترعش.
قال بصوت واطي:
«الجواب ده لقيته في درج فؤاد، ومكنتش عارف أعمل بيه إيه. بس أعتقد إنك لازم تقريه.»
مد إيده واداني الورقة.
فتحتها، ولقيت إنها رسالة مكتوبة بخط أبويا.
بدأت أقرأ:
«إلى ابنتي نُهى…
يمكن تكوني وصلتي للحقيقة دلوقتي، ويمكن تكوني عرفتي إن أخوكي ارتكب أخطاء كبيرة، وإن فيه ناس استغلوا ثقتنا فيهم.
لكن عايزك تعرفي إن أدهم، مهما أخطأ، يفضل أخوكي.
أنا مش بطلب منك تسامحيه من غير ما يتحمل مسؤولية تصرفاته، لكن بطلب منك ما تخليش الغضب يحولك لشخص مش شبهك.
أدهم كان طول عمره حاسس إنه لازم يثبت إنه الأفضل، وكان بيخاف إنك ترجعي وتاخدي مكانه.
أما إنتِ، فكنتِ طول عمري شايف فيكي حاجة مختلفة.
كنتِ بتختاري الصح حتى لو كان أصعب، وكنتِ بتجري ورا حلمك حتى لو محدش شجعك.
أنا فخور بيكي يا نُهى.
وفخور إنك بقيتي طيارة، وفخور إنك ما استسلمتيش.
سامحيني إني استنيت لحد اللحظة الأخيرة عشان أقولك الكلام ده.
أبوكِ محمود.»
انفجرت في العياط.
دي كانت الجملة اللي استنيتها تسع سنين!
أبويا كان فخور بيا فعلًا.
مكنتش محتاجة ملايين الدولارات، ولا شركة، ولا عقارات.
كنت محتاجة أسمع منه الكلمتين دول وهو عايش.
لكن على الأقل، الرسالة وصلت.
بعد كده، بدأت التحقيقات الرسمية في كل التصرفات المالية المشكوك فيها.
الأوراق اللي كانت مع أبويا، وكشوف الحسابات، والعقود، والمراسلات، ساعدت الجهات المختصة في مراجعة كل التفاصيل.
واتضح إن فؤاد كان له دور أساسي في ترتيب معاملات مالية غير سليمة، وإنه استغل ثقة أدهم فيه، وساعده في تنفيذ بعض التصرفات اللي أضرت بأصول الشركة.
أما أدهم، فاعترف بالتصرفات اللي شارك فيها، وقدم المستندات اللي كانت معاه، وبدأ يتحمل المسؤولية القانونية عن دوره.
وعمتي سعاد، لما واجهتها الأدلة، بطلت تنكر، واعترفت إن بعض الأموال وصلت لحسابها، وإنها كانت عارفة إن فيه معاملات بتحصل من غير موافقة أبويا.
وبعد مراجعة الحسابات، بدأ استرداد جزء من الأموال والأصول، واتخذت الإجراءات القانونية اللازمة لاستعادة باقي الحقوق.
أما تركة أبويا، اللي بلغت قيمتها وفق التقييم حوالي 9.5 مليون دولار، فتمت مراجعتها قانونيًا، وتسوية حقوق الورثة وفق الأنصبة الشرعية والقانونية، مع تنفيذ الترتيبات الصحيحة المتعلقة بالشركة والعقارات والاستثمارات.
بعد شهور، رجعت أقف قدام نفس البيت اللي اتطردت منه يوم عزاء أبويا.
لكن المرة دي كنت داخلة من الباب الرئيسي.
البيت اتفتح، والحديقة اتنضفت، وكل حاجة رجعت لمكانها.
دخلت مكتب أبويا، وقعدت على كرسيه.
بصيت للصورة اللي كانت معلقة وراه، وكانت صورته وهو واقف جنب طيارة صغيرة.
ابتسمت وقلت:
«أنا رجعت يا بابا… ومش هضيّع تعبك.»
قررت أستمر في شغلي كطيارة، لكن في نفس الوقت أشارك في إدارة الشركة من خلال فريق متخصص، وأحافظ على الاستثمارات والمشروعات اللي أبويا تعب في بنائها.
ما كنتش عايزة أحول الشركة لمعركة بين أفراد العيلة.
كنت عايزاها تفضل إرث أبويا الحقيقي.
وخصصت جزءًا من أرباحها لمساعدة الشباب اللي عندهم أحلام ومش قادرين يحققوها بسبب ظروفهم المادية، وبدأنا برنامج لدعم المتفوقين اللي نفسهم يدخلوا مجال الطيران.
كنت فاكرة نفسي وأنا طفلة صغيرة، واقفة جنب أبويا وببص للطائرات في السماء.
وقتها فهمت إن الحلم اللي اختارته بنتُه، هو نفسه الحلم اللي أبوها فضل فخور بيها عشانه.
أما أدهم، فبعد فترة طلب يقابلني.
جالي البيت، وكان شكله مختلف تمامًا.
لا غرور، ولا ابتسامة ساخرة، ولا إحساس إنه صاحب كل حاجة.
وقف قدامي وقال:
«أنا عارف إن كلمة آسف مش هترجع اللي فات، وعارف إني ظلمتك. بس أنا فعلًا ندمان يا نُهى.»
فضلت ساكتة شوية.
وبعدين قلت:
«أنا مش هقدر أنسى اليوم اللي رجعت فيه من عزاء أبويا ولقيت هدومي مرمية في الجنينة. اليوم ده عمري ما هنساه.»
نزل عينه وقال:
«عارف.»
كملت:
«لكن مش عايزة أعيش باقي عمري كارهة أخويا. أنا ممكن أسامحك مع الوقت، لكن الثقة لازم تتبني من جديد، ومش بالكلام.»
دموعه نزلت وقال:
«أنا موافق.»
مديت إيدي وسلمت عليه.
مكنش ده معناه إن كل حاجة رجعت زي زمان، لكنه كان بداية جديدة.
وفي ذكرى غياب أبويا الأولى، رحت مكان الراحة بدري.
حطيت ورد على مكانه، وقعدت جنبه شوية.
طلعت من شنطتي الرسالة اللي كتبها لي، وقريتها مرة تانية.
وبعدين قلت:
«كنت فاكرة إنك مش راضي عني، وفضلت سنين أحاول أثبتلك إني قدرت أنجح من غير مساعدتك. لكن اكتشفت في الآخر إنك كنت بتتابعني وبتفرح بيا من بعيد.
أنا سامحتك يا بابا على كل الكلام اللي ما اتقالش، وسامحت نفسي على كل السنين اللي افتكرت فيها إني مش كفاية.»
وقفت، ومسحت دموعي، وبصيت للسما.
كان فيه طيارة بتمر من بعيد.
ابتسمت وقلت:
«أنا لسه بطير يا بابا… زي ما كنت بحلم.»
وفي اللحظة دي، فهمت إن أبويا ما سابليش مجرد ميراث قيمته ملايين الدولارات.
هو سابلي درس عمره كله:
إن قيمة الإنسان مش في حجم الفلوس اللي بيمتلكها، ولا في المنصب اللي بيوصل له، لكن في الأمانة اللي بيحافظ عليها، والحلم اللي بيرفض يتنازل عنه، والأثر الطيب اللي بيسيبُه وراه.
أما أخويا اللي طردني من بيت أبويا يوم عزائه، فكان فاكر إنه كسب كل حاجة لما خلاني أمشي بشنطة هدومي.
لكنه اكتشف متأخر إن اللي بيخسر ضميره وأمانته، بيكون خسر أكتر بكتير من أي ميراث.
النهاية




