
فقد يكون الذي يحيط بها أكبر بكثير مما تخيلت.
وفي صباح اليوم التالي، عندما وصلت إلى هاتفها رسالة من رقم مجهول، لم تكن الرسالة سوى خمس كلمات:
«نعرف أنكِ اكتشفتِ الحقيقة.»
من الذي يراقب ليان؟
ظلت ليان تحدق في الرسالة لثوانٍ طويلة.
«نعرف أنكِ اكتشفتِ الحقيقة.»
لم يكن هناك اسم.
ولا رقم محفوظ.
ولا أي تفسير.
رفعت عينيها نحو عمر.
كان لا يزال نائمًا.
أخذت لقطة شاشة للرسالة وأرسلتها فورًا إلى مريم.
بعد أقل من دقيقة جاء الرد:
— لا تردي.
ثم رسالة أخرى:
— وهل ما زال عمر نائمًا؟
نظرت ليان إلى زوجها.
— نعم.
— جيد. لا تخبريه بشيء. سأكون عندك خلال ساعة.
وضعت ليان الهاتف جانبًا، لكنها لم تستطع العودة إلى النوم.
لكنها الآن بدأت تدرك أنها ربما كانت تعيش وسط شبكة من الأكاذيب منذ وقت طويل.
في التاسعة صباحًا، وصلت مريم إلى منزل ليان.
جلستا في غرفة المكتب وأغلقتا الباب.
أخرجت مريم ملفًا أسود من حقيبتها.
— حصلت على نسخة من بعض المستندات البنكية.
فتحت الملف.
— هذا طلب القرض الأول.
ثم وضعت ورقة أخرى.
— وهذا مستند آخر.
نظرت ليان إليه.
كان يحتوي على بيانات شركة صغيرة مسجلة باسم شخص لا تعرفه.
قالت مريم:
— هذه الشركة تأسست قبل خمسة أشهر فقط.
— وما علاقتها بي؟
— رسميًا، لا شيء.
ثم قلبت الصفحة.
— لكن أحد أعضاء مجلس إدارتها كان يعمل سابقًا في شركة المشرق للتطوير العقاري.
سألت ليان:
— من؟
أجابت مريم:
— سامح الدمنهوري.
شهقت ليان.
— سامح؟
كانت تعرفه.
قالت مريم:
— وهناك شيء أكثر أهمية.
أخرجت ورقة أخرى.
— هذه تحويلات مالية.
حدقت ليان في الأرقام.
كانت هناك دفعات مالية منتظمة إلى حساب سارة.
ثم إلى حساب شخص آخر.
ثم دفعة كبيرة إلى حساب عمر.
— متى بدأت؟
— منذ خمسة أشهر.
رفعت ليان رأسها.
— قبل خمسة أشهر بدأت سارة مشروعها.
— بالضبط.
سكتت ليان.
ثم قالت:
— إذن المشروع الذي ساعدتها فيه لم يكن مشروعًا حقيقيًا؟
— لا أستطيع الجزم بعد.
— لكن الأموال كانت تأتي من جهة مرتبطة بالمنافسين.
أومأت مريم.
— وهذا ما نحاول إثباته.
في تلك اللحظة، وصل إشعار جديد إلى هاتف ليان.
رسالة من قسم الموارد البشرية في شركتها.
نظرت ليان إلى مريم.
— هل أذهب؟
فكرت مريم قليلًا.
— اذهبي.
— رغم أنك قلتِ ألا أذهب إلى المكتب؟
— غيرت رأيي.
— لماذا؟
ابتسمت مريم.
— لأنني أريد أن أعرف من سيحاول دفعك إلى الخطأ.
في الثانية عشرة تمامًا، دخلت ليان قاعة الاجتماعات.
كان مديرها طارق منصور جالسًا إلى جانب اثنين من أعضاء الإدارة.
قال طارق:
— اجلسي يا ليان.
جلست.
وضع أمامها ملفًا.
— وصلتنا معلومات مقلقة.
فتحت الملف.
كانت صورًا لمستندات مالية.
— ما هذا؟
أجاب طارق:
— هناك معاملات مرتبطة باسمك.
رفعت عينيها إليه.
— أعرف.
تغيرت ملامحه.
— ماذا تعرفين؟
ابتسمت ليان بهدوء.
— أعرف أن هناك شخصًا استخدم توقيعي دون إذني.
نظر أحد أعضاء الإدارة إلى الآخر.
ثم قال طارق:
— هذا اتهام خطير.
— وأنا لم أتهم أحدًا.
أغلقت الملف.
— قلت فقط إن هناك من استخدم توقيعي.
سألها طارق:
— وهل لديك دليل؟
أخرجت هاتفها.
— بعض الأدلة.
لكنها لم تعرض شيئًا.
كانت تريد أن ترى رد فعله.
وفعلت.
بدأت يده ترتجف قليلًا.
لم يلاحظ ذلك أحد غيرها.
ثم قال:
— ربما يجب أن تأخذي إجازة مؤقتة.
سألته:
— لماذا؟
— حتى ننتهي من التحقيق.
ابتسمت.
— تحقيق في ماذا؟
لم يجب.
وهنا فهمت.
كانوا يريدون إبعادها عن الملفات قبل أن تكتشف شيئًا.
وقفت.
— سأستمر في عملي حتى يصلني قرار رسمي.
قال طارق بسرعة:
— ليان، لا تصعبي الأمور.
توقفت عند الباب.
ثم التفتت إليه.
— أنا لا أصعّب الأمور يا أستاذ طارق.
وتابعت:
— أنا فقط بدأت أقرأها بشكل صحيح.
بعد خروجها، اتصلت بمريم.
— كان متوترًا.
— طارق؟
— نعم.
— هل حاول إيقافك عن الوصول إلى الملفات؟
— ليس بشكل مباشر.
— إذن سنفترض أنه يعرف شيئًا.
قالت ليان:
— أريد الوصول إلى ملفات مشروع البحر الأحمر.
صمتت مريم.
— لماذا؟
— لأن عمر قال في الهاتف: «بعد أن تترك العمل لن تستطيع الوصول إلى الملفات.»
— هذا مهم جدًا.
— سأراجعها بنفسي.
— لا تفعلي ذلك من جهاز الشركة.
— لماذا؟
— لأنك لا تعرفين من يراقب الأجهزة.
توقفت ليان.
ثم قالت:
— لدي نسخة احتياطية قديمة على حاسوبي الشخصي.
— ممتاز. استخدميها.
في المساء، عادت ليان إلى المنزل.
وجدت عمر ينتظرها.
كان جالسًا في الظلام.
قال:
— أين كنتِ؟
— في العمل.
— حتى هذا الوقت؟
— كان لدي اجتماع.
نهض عمر.
— مع من؟
— الإدارة.
اقترب منها.
— لماذا لم تخبريني؟
— لم أكن أعرف أنني بحاجة إلى إذنك.
تغير وجهه.
— لا تلعبي معي يا ليان.
لأول مرة منذ بداية القصة، شعرت أنها لم تعد تخشى غضبه.
بل بدأت تشعر بالشفقة عليه.
لأنه لم يكن يعرف أنها أصبحت تعرف الكثير.
قالت:
— ماذا تقصد؟
اقترب أكثر.
— استقالتك يجب أن تكون غدًا.
ابتسمت.
— قلت لك ثلاثة أسابيع.
— غيرت رأيي.
— وأنا أيضًا.
صمت.
ثم قال:
— ماذا اكتشفتِ؟
كانت الجملة واضحة.
مباشرة.
لم يعد يحاول التظاهر.
رفعت ليان حاجبها.
— لماذا تسأل؟
ابتلع ريقه.
— لأنكِ تتصرفين بغرابة.
قالت بهدوء:
— ربما لأنني بدأت أشك في أشياء كثيرة.
سأل:
— مثل ماذا؟
اقتربت منه حتى أصبحت أمامه مباشرة.
— مثل سبب وجود توقيعي على قرض لم أطلبه.
تغير وجه عمر تمامًا.
سقطت ابتسامته.
وتراجعت خطوة.
قال بصوت منخفض:
— من أخبرك؟
لم تجب.
فقال مرة أخرى:
— من أخبرك يا ليان؟
كانت تلك اللحظة التي تأكدت فيها من كل شيء.
لقد اعترف دون أن يشعر.
لكن قبل أن تقول شيئًا، رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة.
ثم خرج مسرعًا إلى الشرفة.
راقبته ليان من بعيد.
كان يتحدث بصوت منخفض:
— لقد عرفت.
ثم صمت.
— لا، لم تعرف كل شيء.
توقفت ليان عن التنفس.
ثم سمعته يقول:
— إذا تكلمت، سنخسر جميعًا.
أغلق المكالمة.
لكن عمر لم يكن يعرف أن هاتف ليان كان يسجل الصوت.
في اليوم التالي، وصلت مريم إلى المنزل.
استمعت إلى التسجيل أكثر من مرة.
ثم قالت:
— الآن أصبح لدينا ما يكفي لبدء التحرك.
— ماذا سنفعل؟
— سنقدم بلاغًا رسميًا بشأن التزوير، ونطلب تجميد أي إجراء متعلق بالمنزل.
ثم نظرت إلى ليان بجدية.
— لكن قبل ذلك أريد منكِ أن تبحثي عن شيء واحد.
— ماذا؟
— كل ما يتعلق بالصفقة القديمة بين شركتك والمشرق للتطوير العقاري.
— لماذا؟
قالت مريم:
— لأنني أعتقد أن سبب استهدافك ليس منزلك.
— إذن ماذا؟
فتحت مريم صورة على هاتفها.
كان هناك اسم في أسفل عقد قديم.
سامح الدمنهوري.
ثم قالت:
— هذا الرجل كان مسؤولًا عن ملف مشروع البحر الأحمر قبل ثلاث سنوات.
حدقت ليان في الاسم.
وفجأة تذكرت شيئًا.
قبل ثلاث سنوات، كانت قد أعدت تقريرًا داخليًا عن مخالفات مالية في مشروع قديم.
وقدمت التقرير للإدارة.
بعد أسبوعين، تم نقل سامح من منصبه.
لكن ليان لم تعرف أبدًا ماذا حدث بعد ذلك.
قالت مريم:
— أعتقد أن سامح لم ينسَ ما فعلتهِ.
ثم وصل إلى هاتف ليان إشعار جديد.
هذه المرة لم تكن رسالة مجهولة.
كان بريدًا إلكترونيًا من عنوان تعرفه جيدًا.
مرسل الرسالة: عمر.
فتحتها.
وكان عنوانها:
«إذا أردتِ أن تعرفي لماذا تزوجتك، افتحي الملف المرفق.»
تجمدت ليان.
نظرت إلى مريم.
ثم ضغطت على الملف.
وكان أول سطر فيه:
«ليان لم تكن الزوجة التي اخترتها… كانت الهدف الذي اخترته.»
الحقيقة التي أخفاها الزواج
ظلت ليان تحدق في الشاشة وكأن الكلمات أمامها لا معنى لها.
«ليان لم تكن الزوجة التي اخترتها… كانت الهدف الذي اخترته.»
شعرت ببرودة تسري في أطرافها.
قالت مريم:
— لا تفتحي الملف وحدك.
لكن ليان كانت قد ضغطت عليه بالفعل.
ظهر مستند طويل، وفي أعلاه تاريخ يعود إلى أربع سنوات مضت.
قبل زواجها من عمر بعام كامل.
قرأت السطر الأول:
«المرحلة الأولى: التقرب من ليان منصور وبناء الثقة.»
وضعت يدها على فمها.
— مريم…
— ماذا؟
— عمر لم يتعرف إليّ بالصدفة.
واصلت القراءة.
كان الملف يحتوي على تفاصيل دقيقة عن حياتها.
مكان عملها.
دخلها التقريبي.
المنزل الذي اشترته.
عاداتها اليومية.
حتى الأماكن التي كانت تذهب إليها بعد العمل.
ثم وجدت جملة جعلتها تشعر بالغثيان:
«نقطة الضعف الأساسية: ثقتها الزائدة في الأشخاص المقربين.»
أغلقت ليان عينيها.
كل اللحظات التي اعتقدت أنها كانت حبًا حقيقيًا مرت أمامها.
لقاؤهما الأول.
المطعم الذي فاجأها فيه.
رحلتهما الأولى.
يوم طلب منها الزواج.
كل شيء بدا الآن مختلفًا.
سألت مريم:
— لماذا أرسل لي هذا الملف؟
أجابتها:
— ربما لأنه يريد إخافتك.
— أو ربما يريد أن أعرف شيئًا.
تابعت ليان القراءة.
ثم وجدت اسمًا آخر.
سامح الدمنهوري.
وتحته ملاحظة:
«الممول والمشرف على الخطة.»
شهقت ليان.
— سامح هو من كان وراء زواجي من عمر؟
قالت مريم:
— يبدو ذلك.
ثم ظهرت فقرة أخرى:
«الهدف النهائي ليس ممتلكات ليان فقط. الهدف هو الوصول إلى معلومات مشروع البحر الأحمر، والتأكد من خروجها من الشركة قبل المرحلة النهائية.»
رفعت ليان رأسها.
— معلومات المشروع.
— بالضبط.
قالت مريم:
— ماذا كنتِ تعرفين عن المشروع ولم يعرفه الآخرون؟
فكرت ليان.
ثم قالت:
— منذ سنة، اكتشفت مشكلة في أحد عروض الأسعار.
— ما المشكلة؟
— كان هناك تضخيم كبير في تكلفة بعض المواد.
— ومن كان المستفيد؟
— لا أعرف. رفعت التقرير، وبعدها اختفى الموضوع.
سألتها مريم:
— ومن كان مسؤولًا عن الملف وقتها؟
أجابت ليان دون تردد:
— سامح.
ساد الصمت.
في تلك اللحظة، سُمع صوت مفتاح يدور في باب المنزل.
كان عمر قد عاد.
أغلقت مريم الكمبيوتر فورًا.
قالت:
— لا تظهري أنك عرفتِ شيئًا.
دخل عمر.
نظر إليهما.
— مريم هنا؟
أجابته ليان:
— نعم. كنا نتحدث عن بعض الأمور القانونية.
ابتسم عمر.
— هل هناك مشكلة؟
قالت مريم:
— مجرد إجراءات عادية.
نظر عمر إلى ليان.
كان يراقب وجهها.
لكنها كانت هادئة.
قال:
— أريد التحدث معكِ وحدنا.
وقفت مريم.
— سأغادر الآن.
قبل أن تخرج، أمسكت يد ليان للحظة وهمست:
— لا تثقي بأي شيء يقوله.
أومأت ليان.
بعد خروج مريم، جلس عمر أمامها.
قال:
— رأيت أنك فتحتِ الملف.
لم تجب.
— لماذا أرسلته؟
ابتسم ابتسامة متعبة.
— لأنني تعبت من الكذب.
قالت:
— وهل كان زواجنا كذبة؟
خفض عينيه.
— في البداية… نعم.
شعرت ليان وكأن شيئًا انكسر داخلها.
لكنها تماسكت.
— ومتى تحول إلى حقيقة؟
رفع عينيه إليها.
لم يجب.
قالت:
— هل أحببتني في أي وقت؟
صمت طويل.
ثم قال:
— أكثر مما كان يجب.
— لكنك كنت تراقبني.
— في البداية.
— وأخذت معلوماتي.
— نعم.
— وزورت توقيعي.
تردد.
— لم أوقع وحدي.
ابتسمت بمرارة.
— إذن كنت مشاركًا.
— كنت أحاول الخروج من الخطة.
ضحكت ليان.
— بعد أن أخذتم مني ملايين الجنيهات؟
— لم نأخذ شيئًا بعد.
— حاولتم.
قال عمر:
— لأنني لم أكن أملك خيارًا.
وقفت ليان.
— الجميع لديه خيار.




