
خرج زوجي من مخبئه: — انتهت لعبتكم. استدار الثلاثة نحونا. ابتسم الرجل: — كنت أعلم أنك ستظهر في النهاية. قال زوجي: — طوال هذه السنوات كنت أظن أنك أخي. ضحك الرجل: — لم أكن أخاك. ثم كشف عن الحقيقة. كان قد انتحل شخصية شقيق زوجي منذ سنوات، واستغل تلك الهوية للوصول إلى العائلة، ثم بدأ بتسريب المعلومات عن والد ليان وتحركاته.
لكن ليان قاطعته: — أنت لم تكن تراقب أبي فقط. نظر إليها: — ماذا تقصدين؟ رفعت هاتفها: — كنت تراقبني أنا أيضاً. ساد الصمت. ثم شغلت التسجيل الأخير. كان صوت الرجل واضحاً: “راقبوا ليان. إذا وجدت الملفات، ستقودنا إلى والدها.” نظر زوجي إليّ. فهمت أخيراً لماذا اختفت ليان. لم تكن تهرب من شخص واحد. كانت تحاول حماية الدليل الذي يمكن أن يكشف الجميع.
لكن هالة تقدمت فجأة نحو ليان. صرخت: — أعطني الهاتف! تراجعت ليان. وفي اللحظة نفسها، تحرك سامح نحوها. لكن كريم ظهر من خلف الباب، وأوقفه. قال: — انتهى الأمر. ثم أخرج هاتفه: — كل ما حدث هنا مسجل. تغيرت وجوههم. قال الرجل: — أنت لا تملك شيئاً. ابتسم كريم: — بل أملك كل شيء. رفع الهاتف: — الشرطة في الخارج.
بعد دقائق، امتلأ المكان برجال الشرطة. تم القبض على هالة وسامح والرجل الذي ظل متخفيّاً لسنوات. أما زوجي، فكان عليه أن يواجه أسئلة كثيرة حول سبب اختفائه وعدم إخبارنا بالحقيقة. لكنني لم أعد أهتم إلا بشيء واحد: ابنتي كانت بجانبي. حية. بعد عام كامل من الخوف والانتظار، عدنا إلى المنزل معاً.
وفي صباح اليوم التالي، دخلت غرفة ليان. كانت جالسة على سريرها تنظر إلى هاتفها. قلت: — هل أنتِ بخير؟ ابتسمت: — الآن فقط. جلست بجانبها واحتضنتها. ثم قالت: — أمي، هناك شيء لم أخبركِ به. نظرت إليها: — ماذا؟ فتحت هاتفها وأرتني الصورة الأخيرة التي التقطتها قبل اختفائها. لكن هذه المرة انتبهت إلى شيء لم نلاحظه من قبل. في انعكاس زجاج نافذة صغيرة خلفها… كان هناك شخص يقف بعيداً. شخص لم يكن كريمًا. ولا سامحاً. ولا هالة. ولا الرجل الذي انتحل شخصية عمها.
حدقت في الصورة: — من هذا؟ هزت ليان رأسها: — لا أعرف. ثم قالت: — لكن أبي رأى الصورة قبل أن يختفي. نظرت إلى زوجي. كان يقف عند باب الغرفة. وعندما رأى الصورة، تغير وجهه تماماً. قال بصوت منخفض: — هذا الشخص كان يجب أن يكون ميتاً منذ عشرين عاماً
ساد الصمت داخل الغرفة. نظرت إلى زوجي: — من هذا الرجل؟ جلس على طرف السرير، وبدا وكأنه يحمل سراً أثقل من كل ما حدث خلال العام الماضي. قال: — اسمه فؤاد. سألته: — ومن يكون؟ أجاب: — كان شريكي في العمل منذ أكثر من عشرين عاماً. اكتشفنا معاً شبكة كبيرة لسرقة البيانات والابتزاز، لكن فؤاد خانني وباع كل ما يعرفه لهم.
قالت ليان: — لكن أبي قال لي إنه مات. أومأ زوجي: — هذا ما جعلني أصدّق الأمر. قبل عشرين عاماً، وقع حادث سيارة، واعتقدنا أن فؤاد مات فيه. ثم نظر إلى الصورة: — لكن الآن فهمت شيئاً… لم يكن الحادث عشوائياً. سألته: — هل تعتقد أنه وراء كل ما حدث؟ قال: — لا أعرف. ثم أضاف: — لكنني أعرف شيئاً واحداً. فؤاد كان الشخص الوحيد الذي يعرف مكان الملفات الأصلية.
شعرت بالتعب. بعد كل ما مررنا به، لم أكن مستعدة لبداية جديدة من الخوف. لكن زوجي وضع يده على يدي: — هذه المرة لن نختبئ. وبالفعل، سلّمنا جميع الأدلة للشرطة، بما فيها التسجيلات والملفات وبطاقة الذاكرة. وبعد تحقيق طويل، بدأت الحقائق تظهر واحدة تلو الأخرى. تم توقيف الأشخاص المتورطين، وكُشف أن ملفات الطلاب كانت تُجمع وتُستخدم بطريقة غير قانونية لسنوات. أما فؤاد، فلم يظهر.
مرت أسابيع. ثم أشهر. وبدأت حياتنا تعود تدريجياً إلى طبيعتها. عادت ليان إلى المدرسة، لكن هذه المرة كنت أرافقها في الأيام الأولى. لم تعد الفتاة التي غادرت إلى الرحلة قبل عام. كانت أكثر هدوءاً ونضجاً. وفي إحدى الليالي، جلست بجانبي وقالت: — أمي، هل تعلمين ما أكثر شيء كنت أخاف منه؟ قلت: — ماذا؟ قالت: — أن تبحثي عني وتنسي أن تحمي نفسك. احتضنتها: — لن أفعل ذلك مرة أخرى. ثم ابتسمت وقالت: — وأنا أيضاً لن أخفي عنك أي شيء.
بعد عدة أشهر، وصلنا تقرير الشرطة النهائي. أُغلقت القضية رسمياً. لكن التقرير ذكر أن هوية فؤاد لم يتم العثور عليها، وأن احتمال ظهوره مجدداً لا يمكن استبعاده. وضعت التقرير جانباً. لم أعد أريد أن أعيش أسيرة للخوف. في تلك الليلة، جلست مع ليان وزوجي على الشرفة. كانت الأنوار مضاءة. نظرت إلى ابنتي وهي تضحك، وشعرت للمرة الأولى منذ سنوات أنني أستطيع التنفس بحرية.
ثم قالت ليان فجأة: — أمي، انظري. رفعت هاتفها. كانت قد تلقت رسالة من رقم مجهول. فتحناها معاً. لم تكن هناك كلمات. فقط صورة. صورة قديمة لثلاثة رجال يقفون أمام مبنى المدرسة. كان زوجي أحدهم. وفؤاد الثاني. أما الرجل الثالث… فلم نعرفه. لكن في أسفل الصورة كان هناك تاريخ. بعد شهر من “وفاة” فؤاد.
نظر زوجي إلى الصورة طويلاً. ثم قال: — الآن فهمت. سألته: — ماذا؟ قال: — فؤاد لم يكن وحده طوال هذه السنوات. ثم ظهرت رسالة جديدة على الهاتف: “أنتم كشفتم الماضي… لكنكم لم تكتشفوا من بدأ كل شيء.” نظرت إلى ليان. ثم إلى زوجي. ولأول مرة منذ عودتها، لم أشعر بالخوف. ابتسمت وقلت: — هذه المرة، الحقيقة لن تختبئ منا.
أغلقت الهاتف. وأطفأت ضوء الشرفة. لكن قبل أن أذهب إلى الداخل، نظرت إلى الشارع. كانت هناك سيارة سوداء متوقفة بعيداً. وببداخلها شخص يراقب منزلنا. لم أكن أعرف من هو. لكنني كنت متأكدة من شيء واحد: انتهى عام البحث عن ليان… لكن سر عائلتنا الحقيقي لم ينتهِ بعد.
تمت
حكايات محمد عبده




