
لم أستطع حتى الكلام. حدقت في ليان، وكأنني أنتظر منها أن تقول إنها أخطأت. قلت بصوت مبحوح: — ماذا قلتِ؟ اقتربت مني وأمسكت بيدي: — أبي لم يمت في الحادث يا أمي. هززت رأسي بعنف: — هذا مستحيل. أنا رأيت جثمانه، ودفنته بنفسي. قالت: — أعرف. ثم أخرجت من حقيبتها صورة قديمة: — لكن الشخص الذي دُفن لم يكن أبي.
شعرت بدوار. جلست على أقرب كرسي: — إذن من كان في القبر؟ قالت: — لا أعرف. ثم قالت: — لكن أبي ترك لي دليلاً قبل اختفائه. أشارت إلى بطاقة الذاكرة: — عندما اكتشفت الملفات، وجدت تسجيلاً منه. فتحت ليان أحد المقاطع. ظهر والديها على الشاشة. كان زوجي يقف في غرفة مظلمة، ويبدو عليه الإرهاق. قال في التسجيل: — نادية، إذا شاهدتِ هذا، فمعنى ذلك أنني لم أستطع العودة إليك.
بدأت دموعي تنهمر. تابع: — لا تثقي في شهادة وفاتي. لقد اضطررت إلى الاختفاء بعدما اكتشفت أن الأشخاص الذين ألاحقهم يملكون نفوذاً أكبر مما توقعت. ثم ظهرت على الشاشة خريطة. وتحتها عنوان في مدينة بورسعيد. قال: — هناك شخص واحد فقط يستطيع مساعدتك في الوصول إليّ. ثم ظهر اسم: كريم.
نظرت إلى ليان: — لهذا السبب كان كريم يساعدك؟ أومأت: — نعم. أبي كان يتواصل معه سراً. لكنني تذكرت الرجل الذي دخل المنزل متظاهراً بأنه كريم. قلت: — إذن من كان ذلك الرجل؟ قالت ليان: — شخص كان ينتحل شخصية كريم منذ فترة. سألتها: — ولماذا؟ قالت: — لأنهم كانوا يحاولون معرفة ما إذا كنتِ قد اكتشفتِ الحقيقة. ثم صمتت لحظة: — لكن هناك شيء أسوأ. سألتها: — ماذا؟ أخرجت ورقة أخرى: — أبي لم يكن يختبئ منهم فقط. نظرت إليها: — ممن كان يختبئ؟ قالت: — من الشرطة.
اتسعت عيناي: — لماذا؟ قالت: — لأن بعض الأدلة التي جمعها كانت تشير إلى أن شخصاً داخل الشرطة كان يساعد المجموعة. ساد الصمت. ثم وصل إشعار إلى هاتف ليان. رسالة من رقم مجهول: “لقد عرفتم أكثر مما ينبغي.” ثم وصلت رسالة ثانية: “إذا أردتم رؤيته حياً، تعالوا إلى العنوان الموجود في الرسالة.” ظهر عنوان في بورسعيد. حدقت فيه. كان المكان نفسه الموجود في خريطة والدي.
قالت ليان: — هذه المرة لن أسمح لكِ بالذهاب وحدك. أمسكت يدها: — لن نفترق مرة أخرى. وصلنا إلى العنوان بعد ساعات. كان مستودعاً قديماً بالقرب من الميناء. الباب كان مفتوحاً. دخلنا بحذر. ناديت: — هل يوجد أحد هنا؟ لم يجب أحد. ثم سمعنا صوتاً من الطابق العلوي. صوت رجل أعرفه جيداً: — نادية؟
توقفت. كان صوت زوجي. ركضت إلى الدرج. كانت ليان خلفي. صعدنا بسرعة. وفي نهاية الممر رأيته. كان واقفاً أمام نافذة. أكبر سنّاً، وشعره مختلف، ووجهه أكثر إرهاقاً. لكنني عرفته فوراً. زوجي. والد ليان. وقفت أمامه عاجزة عن الكلام. قال بصوت مرتجف: — سامحيني. انهارت دموعي: — لماذا تركتنا؟ اقترب مني: — لم أترككما. ثم نظر إلى ليان واحتضنها.
بكت بين ذراعيه. وبعد لحظات، قال: — كان يجب أن أخبركما بالحقيقة منذ البداية. قلت: — أي حقيقة؟ نظر إليّ بجدية: — الشخص الذي ظننتِ أنه عدوك طوال هذا العام… توقف. ثم قال: — لم يكن هو العقل المدبر. سألته: — ومن كان؟ نظر إلى الباب المغلق. ثم قال: — الشخص الذي أعطيته ثقتكِ طوال حياتك. شعرت بالخوف: — من؟ أجاب: — أخي.
تجمدت. ثم أضاف: — أخي لم يمت كما أخبرتك العائلة. حدقت فيه: — لكنك قلت إنك لا تملك أخاً. قال: — لأن الجميع كان يعتقد أنه مات منذ سنوات. ثم فتح درجاً وأخرج صورة قديمة. كان فيها رجل يقف بجوار زوجي في شبابه. نظرت إلى الصورة. ثم شعرت بصدمة جديدة. الرجل الموجود في الصورة… كان هو نفسه الرجل الذي ظهر في تسجيلات المدرسة. وكانت هويته هي السر الذي حاول زوجي إخفاءه طوال هذه السنوات.
وقبل أن أسأله عن اسمه، سمعنا صوت باب المستودع يُغلق في الأسفل. ثم جاء صوت رجل من الطابق الأرضي: — انتهى وقت الاختباء. نظر زوجي إليّ. وقال: — لقد وجدونا.
توقفت أنفاسي عندما سمعت الصوت القادم من الطابق السفلي. أمسك زوجي بيدي وقال: — لا تخافي. هذه المرة لن أتركك وحدك. لكن ليان كانت تحدق في الصورة القديمة. قالت: — أبي… هذا الرجل ليس عمك. نظر إليها زوجي بدهشة: — ماذا تقصدين؟ أشارت إلى زاوية الصورة: — انظر إلى الساعة التي يرتديها. اقترب منها. ثم تغير وجهه: — هذه ليست ساعتي. قالت ليان: — بالضبط.
ثم أخرجت هاتفها وفتحت صورة أخرى. كانت الصورة الأخيرة التي وجدناها في هاتفها. قارنا الصورتين. كان الرجل في الصورتين يرتدي الساعة نفسها. لكن المفاجأة كانت أن الصورة القديمة التُقطت قبل أكثر من عشرين عاماً. قال زوجي: — إذن هذا الرجل كان يستخدم هوية شخص آخر منذ البداية.
ثم سمعنا خطوات تقترب من الدرج. أطفأنا الأنوار. اختبأنا خلف باب جانبي. دخل ثلاثة أشخاص إلى الطابق العلوي. كان أحدهم هالة. والثاني سامح. أما الثالث… فكان الرجل الذي ظهر في الصور. قالت هالة: — لقد تأخرنا كثيراً. رد سامح: — أين الملف؟ قال الرجل: — مع نادية. شعرت بالخوف. ثم قال: — لكنها لم تعرف بعد أهم جزء.




