روايات وقصص

في يوم العيد بقلم محمد عبده

الجزء الثاني

ركبت عربيتي رغم الألم اللي كان بيقطع في رجلي، واتجهت ناحية المرسى اللي فيه اليخت.

المحقق آدم ميلر كان بيتابعني خطوة بخطوة، لكنه طلب مني ما أواجهش أي حد من عيلتي.

قال لي:

“إحنا مش عايزينهم يعرفوا إننا بنحقق.”

سألته:

“لو الشيك ده فعلاً اتصرف بتوقيع مزور، إيه علاقته بأبويا؟”

رد بعد صمت قصير:

“لسه ما نقدرش نقول إن والدك متورط. لكن عنوان منزله ظهر في المستندات.”

كان كلامه حذر…

لكن قلبي كان بيقول إن الموضوع مش صدفة.

وصلت المرسى.

ومن بعيد شفت اليخت الأبيض الضخم.

كان متزين بالكامل، وكأن حفلة العيد لسه مستمرة.

سيارات فارهة.

ناس لابسة أفخم الملابس.

وخدم بيتحركوا بين الضيوف.

وفي وسط كل ده…

كان أبويا وأمي وأختي لارا بيضحكوا وكأن مفيش حاجة حصلت.

وقفت بعيد.

ما نزلتش من العربية.

وبعد دقائق، وصلت سيارة سوداء، ونزل منها المحقق آدم ومعاه اتنين من أفراد التحقيق.

قالي:

“خليكي هنا.”

لكن قبل ما يمشي، بص لي وقال:

“في حاجة لازم تعرفيها.”

ناولني صورة مطبوعة.

الصورة كانت لوالدي واقف قدام مبنى حكومي من حوالي ستة شهور.

قلت:

“هو كان هنا ليه؟”

قال:

“دي مش المشكلة.”

وقلب الصورة.

كان مكتوب على ظهرها رقم:

نفس الرقم اللي كان مكتوب خلف صورة جدي.

حسيت بقشعريرة في جسمي.

قلت:

“يعني الملف اللي جدي ذكره… له علاقة بالموضوع؟”

قال:

“إحنا بنحاول نعرف.”

في اللحظة دي، سمعنا صوت عربية جاية بسرعة.

عمر.

أخويا.

نزل من عربيته وهو بيجري ناحيتي.

“إنتِ هنا؟!”

بصيت له باستغراب.

“إنت عرفت منين؟”

قال:

“لما رجعت البيت لقيت حد بيفتش في الورشة.”

قلبي وقع.

“مين؟”

هز راسه.

“مش عارف… بس كانوا بيدوروا على حاجة.”

المحقق آدم اقترب منه.

“هل أخذوا أي شيء؟”

عمر سكت لحظة.

وبعدين قال:

“أيوه.”

“إيه؟”

“صندوق الأدوات القديم.”

اتجمدت.

الصندوق.

الصندوق اللي كان فيه الصورة.

لكن الصورة كانت معايا.

وده معناه إن اللي فتش الورشة…

كان عارف أصلًا إن الصندوق موجود.

سألت عمر:

“هل شفت أي حاجة غريبة قبل كده؟”

فكر للحظة.

ثم قال:

“من كام أسبوع، أبويا جه الورشة وسألني عن صندوق جدي.”

بصيت للمحقق.

آدم قال بهدوء:

“وده مهم جدًا.”

في نفس اللحظة، وصلتنا أصوات عالية من ناحية اليخت.

أبويا خرج من الباب الرئيسي.

وأول ما شافني، وشه اتغير.

ما كانش مستغرب إني موجودة.

كان…

مرعوب.

قرب مني بسرعة وقال:

“إنتِ بتعملي إيه هنا؟”

قلت:

“جيت أشوف اليخت اللي كان أهم من رجلي.”

وشه احمر.

“إنتِ مش فاهمة حاجة.”

قلت:

“يمكن.”

ثم أخرجت الصورة القديمة من جيبي.

أول ما شافها…

تغيرت ملامحه تمامًا.

نظر إلى الصورة.

ثم إليّ.

وقال بصوت منخفض:

“مين اداكي دي؟”

ابتسمت لأول مرة.

“جدي.”

سكت.

وبعدين قال:

“إنتِ لازم تروحي البيت.”

رديت:

“ليه؟”

ما جاوبش.

بدل ما يرد، بص للمحقق آدم.

وفجأة، فهمت.

أبويا يعرفه.

أو على الأقل يعرف الجهة اللي بيشتغل فيها.

آدم تقدم خطوة.

وقال:

“السيد محمود، محتاجين نتكلم معاك.”

أبويا رجع خطوة للخلف.

“عن إيه؟”

آدم قال:

“عن شيك حكومي بقيمة كبيرة جدًا.”

أمي خرجت من اليخت في اللحظة دي.

وأول ما سمعت كلمة “شيك حكومي”، وقفت مكانها.

أما لارا…

فبدأت تبكي.

مش بكاء تمثيل.

كانت مرعوبة فعلًا.

وهنا عرفت إنهم كلهم كانوا يعرفوا أكتر مما قالوا لي.

آدم طلب منهم يفضلوا مكانهم لحد ما يحصل إذن رسمي بالتفتيش.

لكن قبل ما أي حد يتحرك، لارا قربت مني.

مسكت إيدي وقالت:

“أرجوكي… ما تعمليش كده.”

بصيت لها.

“ما أعملش إيه؟”

قالت وهي بتعيط:

“إنتِ مش عارفة بابا عمل إيه.”

سألتها:

“إنتِ عارفة؟”

سكتت.

ثم قالت:

“اليخت… ما اتدفعش من فلوسنا.”

تجمدت.

“يعني إيه؟”

بصت لأبويا.

أبويا صرخ:

“لارا!”

لكنها كانت خلاص بدأت تنهار.

قالت:

“الفلوس جت عن طريق شركة… بابا قال إنها صفقة استثمار.”

آدم تدخل فورًا:

“اسم الشركة؟”

لارا بدأت تبكي أكتر.

“شركة اسمها… النور للاستشارات.”

آدم بص لي.

ثم فتح جهازه اللوحي بسرعة.

بعد ثوانٍ، قال:

“الشركة دي اتأسست من أربعة أشهر.”

ثم رفع عينيه.

“لكن الحساب اللي اتدفع منه ثمن اليخت… كان فيه تحويل حكومي قبل شراء اليخت بـ48 ساعة.”

سكت الجميع.

كنت حاسة إن رجلي هتنهار من الألم.

لكن الغريب…

إن الألم ما كانش أهم حاجة في اللحظة دي.

لأنني بدأت أفهم سبب رفض أبي يساعدني.

لو دفع تكاليف العملية من أمواله، ممكن يسأل البنك عن مصدر الفلوس.

لكن شراء اليخت عن طريق شركة وهمية…

كان ممكن يخفي كل شيء.

في المساء، رجعت للعيادة.

الدكتور قال لي:

“لسه قدامنا أقل من يوم.”

كنت عارفة إن العملية لازم تحصل.

لكن دلوقتي، كان فيه شيء آخر لازم أعمله.

اتصلت بالمحقق آدم.

قلت:

“لو قدرتوا تثبتوا إن الفلوس اتسرقت، هل ممكن أسترد جزء منها؟”

قال:

“لو ثبتت ملكية الحكومة للأموال، الموضوع هيكون أكبر من تعويضك.”

سكتُّ.

ثم قلت:

“أنا مش عايزة فلوسهم.”

استغرب.

“إذن ماذا تريدين؟”

قلت:

“عايزة الحقيقة.”

وبعد ثواني أضفت:

“وعايزة أعرف إيه اللي كان جدي بيحاول يحذرنا منه.”

في اليوم التالي، وصلني ظرف أسود إلى العيادة.

ما كانش عليه اسم المرسل.

فتحت الظرف.

جواه ورقة واحدة.

وكان مكتوب عليها:

“الملف 17 لم يُغلق.”

وتحتها عنوان قديم في الإسكندرية.

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى