روايات وقصص

في يوم العيد بقلم محمد عبده

وفي آخر السطر:

“لو عايزة تعرفي الحقيقة عن أبوكي… روحي للمكان ده قبل الساعة السادسة.”

بصيت للساعة.

كانت الخامسة إلا عشر دقائق.

ورجلي بالكاد قادرة تتحرك.

لكنني وقفت.

وأخذت الصورة القديمة.

وأخذت الورقة.

واتجهت للباب.

لأني كنت بدأت أفهم…

إن إنقاذ رجلي كان مجرد بداية.

أما الحقيقة الحقيقية…

فكانت مدفونة من سنين.

وفي مكان ما في الإسكندرية…

كان شخص ما ينتظرني.

والسؤال الوحيد كان:

هل كان ينتظرني عشان ينقذني…

ولا عشان يدفن السر للأبد؟

خرجت من العيادة وأنا بحاول أخفي الألم.

كل خطوة كانت كأنها سكينة بتدخل في ركبتي، لكني كنت مصممة أوصل للمكان قبل الساعة السادسة.

ركبت العربية، وحطيت الظرف الأسود على الكرسي اللي جنبي.

طول الطريق، سؤال واحد كان بيدور في دماغي:

مين اللي بعت الظرف؟

وصلت للعنوان قبل السادسة بدقائق.

كان مبنى قديم في أحد شوارع الإسكندرية، واجهته متهالكة، وبابه الحديدي عليه طبقة سميكة من الصدأ.

بصيت للعنوان مرة تانية.

كان هو نفس العنوان المكتوب في الورقة.

دخلت.

المكان كان شبه مهجور.

طرقة طويلة، مكاتب قديمة، وملفات متكومة فوق بعضها.

وفجأة سمعت صوت راجل من آخر الممر:

“كنت عارف إنك هتيجي.”

وقفت مكاني.

ظهر رجل في أواخر الستينات، شعره أبيض، وكان ماسك عصاية.

بص للصورة اللي في إيدي.

وعينيه اتغيرت.

قال:

“الصورة دي… لسه موجودة؟”

قلت:

“إنت تعرف جدي؟”

ابتسم بحزن.

“كنت شغال معاه.”

قربت منه.

“إيه هو الملف 17؟”

سكت فترة طويلة.

ثم قال:

“قبل ما أقولك، لازم تعرفي إن جدك ما كانش مجرد جندي.”

اتصدمت.

“كان إيه؟”

قال:

“كان مسؤول عن مراجعة سجلات مالية خاصة بمؤسسة تابعة للجيش.”

فتحت عيني.

“يعني إيه؟”

“كان اكتشف تحويلات مالية مش طبيعية. مبالغ كبيرة كانت بتختفي من حسابات رسمية.”

قلت:

“وأبويا؟”

الرجل ما ردش.

بس سألني:

“أبوك كان بيشتغل فين وقتها؟”

قلت له.

وشه اتغير.

“يبقى أنتِ بنت محمود فعلًا.”

قلبي دق بسرعة.

“إنت تعرف أبويا؟”

قال:

“أبوك كان واحد من الشباب اللي اشتغلوا مع جدك في مراجعة الملفات.”

ثم أضاف:

“لكن جدك اكتشف حاجة أخطر.”

اقتربت منه.

“إيه؟”

قال:

“كان فيه شبكة كاملة.”

“شبكة؟”

هز رأسه.

“أشخاص من داخل المؤسسة وخارجها كانوا بيستخدموا أسماء شركات وهمية لتحويل الأموال.”

سألته:

“وهل أبويا كان واحد منهم؟”

نظر في عيني مباشرة.

“أنا ما أقدرش أقول لك إنه كان واحد منهم.”

سكت.

ثم قال:

“لكن اسم أبوك ظهر في الملف.”

حسيت إن الأرض بتتحرك تحت رجلي.

“إمتى؟”

“قبل اختفاء الملف بأيام.”

سألته عن جدي.

قال:

“جدك كان ناوي يسلّم الأدلة.”

“ليه ما عملش؟”

ابتسم ابتسامة حزينة.

“لأنه اكتشف إن حد من أقرب الناس ليه كان بيراقبه.”

فجأة فهمت.

عشان كده الصورة كانت مخبّية في صندوق الأدوات.

جدي ما كانش بيخبيها عبث.

كان بيخبي دليل.

سألته:

“مين كان بيراقبه؟”

الرجل بص للأرض.

“ما أعرفش.”

صرخت:

“إنت أكيد تعرف!”

قال:

“أنا أعرف حاجة واحدة بس.”

وأخرج مفتاحًا صغيرًا من جيبه.

“جدك سلّمهولي قبل وفاته.”

بصيت للمفتاح.

كان عليه رقم محفور:

قال:

“قال لي لو في يوم بنت أو حفيدة سألت عن الملف، أديها المفتاح.”

مددت إيدي وأخذته.

سألته:

“المفتاح بيفتح إيه؟”

قال:

“خزنة.”

“فين؟”

أشار إلى آخر الممر.

“في المكتب القديم.”

مشيت بصعوبة.

وصلت لباب خشبي قديم.

كان عليه رقم صغير:

17

دخلت المفتاح.

اتفتح الباب.

جوا الغرفة كان فيه مكتب خشب قديم وخزانة حديد.

اقتربت منها.

كان فيها قفل بنفس شكل المفتاح.

فتحته.

جوا الخزانة…

كان فيه ملف سميك مغطى بالتراب.

وعليه اسم جدي.

فتحت أول صفحة.

كانت مليانة أسماء.

تواريخ.

أرقام حسابات.

وشركات.

وبين الصفحات…

شفت اسمًا أعرفه جيدًا.

اسم أمي.

رجعت خطوة للخلف.

“ماما؟”

قلبت الصفحة بسرعة.

اسم أختي موجود.

ثم اسم أبويا.

لكن بجانب أسماء أبويا وأمي كان فيه ملاحظة مكتوبة بخط جدي:

“لا تثقوا فيهم.”

حسيت إني مش قادرة أتنفس.

كل حياتي كنت فاكرة إن عيلتي مجرد عيلة غنية ومغرورة.

لكن الحقيقة كانت أعمق.

فجأة…

سمعت صوت باب الغرفة بيتقفل.

لفيت بسرعة.

الرجل العجوز اختفى.

قلت:

“إنت هنا؟”

مفيش رد.

قربت من الباب.

كان مقفول.

حاولت أفتحه.

ولا فايدة.

وفي اللحظة دي…

سمعت صوت خطوات في الممر.

حد كان بيقرب.

خطوة…

ثم خطوة…

ثم توقف أمام الباب.

حاولت أفتح تليفوني.

مافيش شبكة.

سمعت صوت مفتاح بيتحرك في القفل.

رجعت للخلف.

مسكت الملف بقوة.

الباب بدأ يتفتح ببطء.

لكن الشخص اللي دخل…

ما كانش شخص غريب.

كان أخويا عمر.

صرخت:

“إنت؟!”

دخل بسرعة وقفل الباب وراه.

وقال:

“إنتِ لازم تخرجي من هنا حالًا.”

بصيت له.

“إنت عرفت المكان ده إزاي؟”

قال:

“أنا اللي بعت الظرف.”

اتجمدت.

“إنت؟”

هز رأسه.

“أيوه.”

“بس ليه؟”

اقترب مني وقال:

“لأني عرفت الحقيقة قبل منك.”

سألته:

“إيه الحقيقة؟”

قال:

“أبويا مش مجرد واحد متورط في القضية.”

سكت لحظة.

ثم قال:

“هو اللي سرق الملف الأصلي من جدي.”

حسيت إن قلبي وقف.

“إنت متأكد؟”

قال:

“لقيت حاجة في الورشة قبل ما الناس تيجي تفتش.”

وأخرج هاتفه.

فتح صورة.

كانت صورة لمستند قديم.

وفي أسفل الصفحة…

كان توقيع أبي.

لكن المفاجأة الحقيقية كانت في السطر اللي تحته.

كان فيه تحويل مالي بنفس قيمة ثمن اليخت تقريبًا.

قلت:

“ده معناه إن اليخت اتشرى بفلوس مسروقة.”

عمر هز رأسه.

“لسه ما خلصناش.”

قلت:

“إيه اللي ممكن يكون أخطر من كده؟”

بص لي للحظات.

ثم قال:

“الفلوس دي مش كانت أول تحويل.”

فتح صورة تانية.

ثم تالتة.

عشرات التحويلات.

سنين كاملة.

وفجأة…

شفت رقمًا أعرفه.

رقم العملية الطبية الخاصة بي.

قلت:

“إيه ده؟”

عمر قال:

“أبوك ما رفضش يدفع تكاليف عمليتك لأنه بخيل.”

سكت.

ثم قال:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى