روايات وقصص

في يوم العيد بقلم محمد عبده

“هو رفض لأنه كان خايف إن المستشفى تكتشف مصدر الفلوس.”

اتسعت عيني.

“يعني كان عنده فلوس؟”

قال:

“أكتر بكتير مما إحنا فاكرين.”

ثم اقترب مني وقال:

“وفي حاجة لازم تعرفيها قبل ما نخرج.”

سألته:

“إيه؟”

أخرج ورقة صغيرة من جيبه.

كانت مكتوبة بخط جدي.

قرأتها بصوت مرتعش:

“لو وصلت حفيدتي إلى هذا الملف، فاعلموا أن محمود لم يعمل وحده.”

رفعت عيني لعمر.

“مين كان معاه؟”

عمر لم يجب.

لأنه في اللحظة نفسها…

سمعنا صوت سيارة بتقف أمام المبنى.

ثم صوت أبويا من الخارج:

“أنا عارف إنكم جوه.”

تجمدنا.

ثم قال:

“والملف اللي في إيدك يا بنتي…

مش هو أخطر حاجة موجودة في الغرفة.”

بصيت لعمر، وبعدين للباب.

صوت أبويا كان واضح جدًا من الناحية التانية.

“افتحي الباب يا بنتي.”

عمر قرب مني وهمس:

“ما ترديش.”

لكن أبويا ضحك من بره.

“أنا عارف إنكم جوه.”

قربت من الحائط وأنا ماسكة الملف.

وفجأة لاحظت حاجة غريبة.

كان فيه إطار صورة قديم معلق فوق المكتب.

الصورة كانت لجدي وهو واقف بزيه العسكري.

لكن الإطار كان أكبر من الصورة نفسها.

مديت إيدي ورفعته.

ورا الصورة…

كان فيه تجويف صغير في الحائط.

جواه صندوق معدني أسود.

قلت لعمر:

“أعتقد ده اللي كان يقصده جدي.”

أخدت الصندوق.

كان عليه نفس الرقم:

17

وفيه قفل إلكتروني.

حاولت أفتحه.

ما اشتغلش.

ثم تذكرت الجملة اللي كانت مكتوبة خلف صورة جدي:

“لو احتجتني يومًا، افتح الملف رقم 17.”

دخلت الرقم.

صدر صوت نقرة.

وانفتح الصندوق.

جواه كان فيه هاتف قديم جدًا، وذاكرة إلكترونية صغيرة، ومغلف بني.

فتحت المغلف.

طلعت منه ورقة واحدة.

كانت رسالة بخط جدي.

بدأت أقرأ:

“إلى حفيدتي…

لو وصلتي للرسالة دي، يبقى أنا فشلت في حماية الحقيقة وأنا حي.

لكن عندي أمل إنك تكوني أقوى من كل اللي حاولوا يدفنوها.

أبوك لم يكن وحده.

والشخص الذي وثقت به أكثر من أي شخص آخر…

هو من سلّمهم المعلومات التي احتاجوها.”

اتنفست بصعوبة.

عمر قال:

“كملي.”

كملت:

“لا تثقي في المال.

ولا في المناصب.

ولا في الأشخاص الذين يظهرون أمامك كأنهم حماة العائلة.

الحقيقة موجودة في التسجيل.”

بصيت للهاتف القديم.

شغلته.

كانت البطارية ضعيفة، لكن الجهاز اشتغل.

وكان فيه ملف صوتي واحد فقط.

ضغطت تشغيل.

سمعنا صوت جدي.

صوته كان متعبًا.

قال:

“لو أنت بتسمع التسجيل ده، يبقى حصل اللي كنت خايف منه.”

ثم سكت لحظة.

وقال:

“محمود لم يسرق الأموال وحده.”

تجمدت.

ثم سمعت صوت رجل آخر.

صوت مألوف.

صوت شخص سمعته آلاف المرات.

أبويا.

قال في التسجيل:

“لو مشينا بالطريقة دي، محدش هيقدر يتتبع الفلوس.”

أغلقت فمي بيدي.

عمر بص لي.

ثم قال:

“سمعتي؟”

هزيت رأسي.

التسجيل استمر.

أبويا قال:

“وأهم حاجة… اسم الشركة لازم يتغير كل مرة.”

ثم جاء صوت جدي:

“وأنا لو بلغت؟”

ساد الصمت.

ثم قال أبي:

“مش هتبلغ.”

صوت جدي ارتفع:

“إنت بتهددني؟”

ثم…

انقطع التسجيل.

مافيش أي شيء بعد كده.

كنت واقفة مش قادرة أتحرك.

لكن عمر قال:

“ده دليل قوي.”

قلت:

“مش كفاية.”

“ليه؟”

“لأننا محتاجين نعرف مين الشخص التاني.”

وفي اللحظة دي…

سمعنا صوت الباب بيتكسر.

دخل أبويا ومعاه رجلين.

لكن قبل ما يوصلوا لنا، اتسمع صوت آخر من الممر:

“محدش يتحرك!”

كان المحقق آدم.

وخلفه أفراد من الشرطة الفيدرالية.

أبويا وقف مكانه.

لأول مرة في حياتي شفت الخوف الحقيقي في عينيه.

آدم قال:

“السيد محمود، أنت مطلوب للتحقيق.”

أبويا بص لي.

مش للمحقق.

ليا أنا.

وقال:

“إنتِ عملتي كده في أبوكي؟”

قلت:

“إنت اللي عملت كده في نفسك.”

ثم رفعت الهاتف.

“وسمعت كل حاجة.”

وشه شحب.

لكنه فجأة ابتسم.

ابتسامة غريبة.

وقال:

“إنتِ فاكرة إن التسجيل ده هينقذك؟”

قلت:

“ليه؟”

قال:

“لأنك لسه ما تعرفيش مين اللي سجل التسجيل.”

آدم سأله:

“تقصد إيه؟”

أبويا ضحك.

“اسألوا جديها.”

آدم قال:

“جدها متوفي من سنين.”

رد أبي:

“بالضبط.”

ثم نظر لي.

وقال:

“أبوكِ ما كانش آخر شخص بيتحكم في الفلوس.”

سكت.

ثم قال:

“كان فيه شخص فوقي.”

أخدوا أبويا للتحقيق.

لكن قبل ما يخرج، بص لي وقال:

“لو عايزة تعرفي الحقيقة كاملة، اسألي أمك.”

اتجمدت.

“ماما؟”

ابتسم.

“هي عارفة كل حاجة.”

رجعت البيت مع عمر.

كانت أمي قاعدة في الصالة.

أول ما شافتنا، عرفت إننا عرفنا.

ما حاولتش تنكر.

قالت:

“كنت عارفة إن اليوم ده هييجي.”

قلت:

“من إمتى؟”

قالت:

“من يوم ما جديكي مات.”

سألتها:

“ليه ما قلتيليش؟”

دموعها نزلت.

“لأني كنت خايفة.”

“من مين؟”

سكتت طويلًا.

ثم قالت:

“من الشخص اللي كان بيمول أبوكي.”

قلت:

“مين؟”

أمي رفعت عيني لي.

وقالت اسمًا واحدًا.

اسم خلاني أحس إن كل حاجة اتكسرت جوايا.

“اللواء سامح الدسوقي.”

نفس الرجل اللي كنت بعت له صورة جدي عشان يساعدني في علاجي.

نفس الرجل اللي كان مسؤولًا عن لجنة المراجعة الطبية الخاصة بي.

وقتها فهمت ليه المحقق اتصل بي.

وليه القضية كانت أكبر من عيلتي.

لكن كان فيه شيء واحد مش مفهوم.

لو اللواء سامح هو اللي كان فوق أبي…

فليه ساعدني؟

وليه كان عنده صورة جدي أصلًا؟

في صباح اليوم التالي، وصلتني رسالة قصيرة من رقم مجهول:

“تعالي وحدك إلى المستشفى العسكري الساعة العاشرة.”

وفي آخر الرسالة:

“لو عايزة تعرفي الحقيقة عن جدي… تعالي.”

بصيت لعمر.

قال:

“دي أكيد خدعة.”

لكنني كنت حاسة إن فيه شيء مختلف.

لأن الرسالة كانت موقعة بحرف واحد:

س.

ركبت العربية.

ووصلت للمستشفى.

دخلت غرفة الاجتماعات.

وكان اللواء سامح واقف قدام النافذة.

أول ما شافني، قال:

“أخيرًا.”

قلت:

“إنت اللي بعت الرسالة؟”

قال:

“أيوه.”

“إنت كنت بتراقبني؟”

رد:

“كنت بحاول أحميكي.”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى