
خرجت من المنزل وأنا أرتجف. لم أكن أعرف هل أثق بكريم أم لا. لكنني كنت أعرف شيئاً واحداً: بعد عام كامل من الانتظار… كنت أخيراً على بعد خطوات من ابنتي. وصلت إلى العنوان بعد نحو ساعة. كان منزلاً صغيراً بجوار البحر. أطفأت السيارة. نزلت. كان الباب مفتوحاً. دخلت ببطء. ناديت: — ليان؟ لم يجب أحد. تقدمت إلى غرفة الجلوس. ثم سمعت صوتاً خلفي. صوت فتاة. صوت كنت أتمنى سماعه منذ عام: — أمي؟
استدرت. وتوقفت في مكاني. كانت ليان تقف أمامي. حية. كبرت قليلاً. لكنها كانت ابنتي. اندفعت نحوها واحتضنتها بقوة. بكينا معاً. ثم ابتعدت عني وقالت: — أمي، أنا آسفة. أمسكت وجهها بين يدي: — لماذا فعلتِ هذا؟ قالت: — لأنني كنت أعرف أن اختفائي هو الطريقة الوحيدة لحمايتك. ثم نظرت خلفي. وقالت: — لكن هناك شيئاً لم يخبرك به كريم. سألتها: — ماذا؟ تغير وجهها. ثم همست: — الرجل الذي كنا نخاف منه طوال هذا العام… لم يكن يبحث عني. توقفت: — ماذا تقصدين؟ قالت ليان: — كان يبحث عنكِ أنتِ.
شعرت بأن قلبي توقف. سألت بصوت مبحوح: — يبحث عني أنا؟ أومأت ليان: — نعم، أمي. جلست أمامها وأنا أحاول استيعاب كلامها: — لكن لماذا؟ نظرت إلى الباب، ثم تأكدت من إغلاقه. قالت: — لأن أبي قبل وفاته أخفى نسخة من كل الأدلة في مكان لا يعرفه أحد. سألتها: — أين؟ قالت: — في شيء كنتِ تستخدمينه كل يوم. حدقت فيها: — ماذا؟ ابتسمت بحزن: — صندوق الخياطة القديم.
شعرت بالصدمة. كان لدي صندوق خشبي قديم ورثته عن والدتي، وكنت أحتفظ به في المنزل منذ سنوات. قلت: — لكنني لم أجد فيه شيئاً. قالت: — لأنك لم تعرفي أين تبحثين. ثم أخرجت ليان ورقة صغيرة. كانت تحمل رسمًا للصندوق. وبجانبه رقم: 27. سألتها: — ماذا يعني الرقم؟ قالت: — افتحي الصندوق، وابحثي عن القطعة رقم 27.
عدت إلى المنزل برفقة ليان في تلك الليلة. كنت أخشى أن يكون أحد يراقبنا. لكن لم يحدث شيء. دخلنا غرفة التخزين وأخرجت الصندوق الخشبي. بدأت أبحث داخله. خيوط. إبر. أزرار. قطع قماش قديمة. ثم وجدت شيئاً لم أنتبه إليه من قبل. كان هناك قاع مزدوج. رفعته. ظهرت قطعة معدنية صغيرة تحمل الرقم 27. ضغطت عليها. انفتح جزء مخفي. وجدنا بداخله بطاقة ذاكرة صغيرة.
نظرت إلى ليان: — هذه هي؟ أومأت: — أبي قال لي إن الحقيقة موجودة هنا. وصلنا البطاقة بالكمبيوتر. ظهر مجلد واحد. فتحته. كان يحتوي على مستندات وتسجيلات. وفي أحد الملفات ظهر اسم مجموعة من الأشخاص الذين كانوا يبيعون معلومات خاصة عن عائلات الطلاب. لكن المفاجأة الأكبر كانت في آخر صفحة. كان هناك اسم واحد فقط تحت عنوان: “المسؤول عن التسريب.”
قرأت الاسم. وتجمدت. كان اسم هالة. مديرة المدرسة. قالت ليان: — لهذا السبب لم أستطع العودة. سألتها: — ماذا تقصدين؟ قالت: — لأنها كانت تعرف مكانك، وكانت تراقب كل تحركاتك. ثم أضافت: — لكنها لم تكن تعمل وحدها. فتحت ملفاً آخر. ظهرت أسماء أخرى. وكان من بينها… سامح. ثم اسم ثالث. عادل. نظرت إلى ليان: — إذن من كان يساعدك؟ ابتسمت: — شخص واحد فقط. سألتها: — من؟ قالت: — كريم.
قبل أن تجيب، سمعنا طرقاً على الباب. تجمدنا. ثم جاء صوت رجل: — نادية… افتحي. عرفت الصوت. كان كريم. فتحت الباب بحذر. دخل كريم وهو يحمل حقيبة. قال: — وجدوا البطاقة. قلت: — كيف عرفت؟ نظر إلى ليان: — لأنها أرسلت لي موقعها. ثم وضع الحقيبة على الطاولة: — يجب أن نغادر الآن.
سألته: — إلى أين؟ قال: — مكان آمن. لكن ليان أمسكت بيدي: — أمي، لا تذهبي معه. نظرت إليها: — لماذا؟ قالت: — لأنني لم أرسل له الموقع. ساد الصمت. نظر كريم إلى ليان. ثم إليّ. وفجأة أدركت الحقيقة. الشخص الذي كان أمامنا لم يكن كريم الحقيقي. رفعت ليان يدها وأشارت إلى الحقيبة: — أمي، افتحيها.
فتحت الحقيبة. وكان بداخلها جهاز تسجيل صغير. ثم سمعنا صوتاً مسجلاً. صوت كريم الحقيقي يقول: “إذا وصلت الحقيبة إلى نادية، فهذا يعني أنني لم أستطع العودة.” رفعت عيني نحو الرجل الواقف أمامنا. بدأ وجهه يتغير. ابتعد خطوة. قال: — لا تصدقي التسجيل. لكن ليان صرخت: — أمي، اهربي!
وفي اللحظة نفسها، انطفأت أنوار المنزل. وسمعنا صوت باب خلفي يُفتح. ثم صوت سيارة تنطلق بسرعة. وعندما عادت الأنوار… كان الرجل قد اختفى. لكن الحقيبة بقيت على الطاولة. فتحتها مرة أخرى. وجدت ورقة أخيرة. كان مكتوباً عليها: “إذا وصلتِ إلى هنا، فقد حان الوقت لتعرفي الحقيقة الأخيرة.” وتحتها اسم واحد فقط. اسم زوجي الراحل.
نظرت إلى ليان. قالت وهي تبكي: — أمي… أبي لم يمت في حادث. ثم أضافت: — لقد كان حياً طوال هذا العام.




