روايات وقصص

الجزء الاخير

شعرت وكأن الأرض اختفت من تحت قدمي. سألت بصوت مرتجف: — أنا؟ لماذا كنت أراقَب؟ جاء صوت هالة من خلف الباب: — لأنك كنتِ تملكين شيئاً لم تعرفي قيمته. نظر عادل إلى كريم، ثم قال: — لقد بدأوا يتحركون أسرع مما توقعنا. سألت بلهجة حادة: — ماذا أملك؟ لم يجب أحد.

اقتربت من عادل وقلت بغضب: — أريد الحقيقة كاملة. أخرج من جيبه مفتاحاً صغيراً ووضعه في يدي. قال: — هذا كان مع والد ليان. نظرت إليه: — مفتاح ماذا؟ قال: — ستعرفين عندما تصلين إلى المكان الصحيح. قلت بغضب: — كفى ألغازاً! فأخرج ورقة مطوية. كانت تحمل عنواناً قديماً في الإسكندرية.

نظرت إلى العنوان. ثم شعرت بصدمة. كنت أعرف المكان. كان منزلاً قديماً تملكه عائلة زوجي الراحل. قلت: — هذا البيت مغلق منذ سنوات. قال عادل: — لم يكن مغلقاً. ثم أضاف: — كان يستخدم طوال الوقت. تدخلت سارة: — من كان يستخدمه؟ قال كريم: — الشخص الذي كان يرسل المعلومات إلى المجموعة. ثم نظر إليّ: — شخص قريب جداً منك.

قبل أن أتمكن من سؤاله، سمعنا صوت سيارة تتوقف خارج المبنى. قال عادل: — يجب أن نخرج الآن. خرجنا من الغرفة عبر ممر جانبي. كان هناك باب يؤدي إلى شارع خلفي. ركضنا حتى وصلنا إلى السيارة. وفي الطريق، لم أستطع التفكير إلا في شيء واحد: أين ليان؟

بعد نحو عشرين دقيقة، وصلنا إلى المنزل القديم. كان مهجوراً من الخارج. الأبواب مغلقة والنوافذ مغطاة بالغبار. أدخلت المفتاح الذي أعطاني إياه عادل في قفل الباب. فتح بسهولة. دخلنا. كان المنزل مظلماً وبارداً. قلت: — ماذا كان يفعل والد ليان هنا؟ قال عادل: — كان يخفي شيئاً.

أضاء كريم مصباحاً صغيراً. تقدمنا إلى غرفة في آخر الممر. كانت هناك مكتبة قديمة. قال عادل: — ابحثي عن الرف الثالث. بدأت أتحسس الكتب واحداً تلو الآخر. ثم وجدت كتاباً سميكاً. سحبته. تحرك جزء من الجدار. ظهر خلفه صندوق معدني صغير. أدخلت المفتاح. فتح الصندوق.

كان بداخله قرص تخزين صغير ومجموعة صور ورسالة. أمسكت الرسالة. كان خط زوجي. بدأت أقرأ: “نادية، إذا وصلتِ إلى هذا الصندوق، فهذا يعني أن ليان وجدت الحقيقة قبلي.” توقفت. تابعت: “الشخص الذي تثقين به أكثر هو الشخص الذي يجب أن تخافي منه.”

نظرت إلى عادل: — ماذا يعني هذا؟ قال: — شغّلي القرص. وجدنا جهاز كمبيوتر قديماً في الغرفة. وصلت القرص به. ظهر مجلد واحد: “ليان.” فتحته. كان بداخله عشرات الملفات: صور، تسجيلات، وثائق. ثم ظهر مقطع فيديو مؤرخ قبل اختفاء ليان بثلاثة أيام. ضغطت عليه.

ظهرت ليان أمام الكاميرا. كانت تبكي. قالت: — أمي، إذا كنتِ تشاهدين هذا، فهذا يعني أنني لم أستطع العودة إلى المنزل. شهقت. ثم تابعت: — لكن لا تخافي. أنا فعلت هذا حتى أحميك. اقتربت من الشاشة: — ماذا فعلتِ يا ليان؟

قالت: — الشخص الذي كان يراقبني ليس كريمًا. ظهر كريم في الخلف، وكأنه كان يريد إيقاف التسجيل. لكن ليان تابعت بسرعة: — كريم يحاول مساعدتي. نظرت إلى كريم. كان وجهه شاحباً. ثم قالت ليان: — الشخص الحقيقي موجود في عائلتنا.

تجمدت. في عائلتنا؟ واصلت ليان: — أمي، أنا آسفة لأنني لم أخبرك. لكنني اكتشفت أن الشخص الذي كان يرسل معلومات عني وعن أبي منذ سنوات… توقفت. ثم نظرت مباشرة إلى الكاميرا. وقالت: — هو خالي.

توقفت الصورة. ساد الصمت. نظرت إلى عادل. ثم إلى كريم. قلت: — ليس لدي أخ. قال عادل بهدوء: — أعرف. ثم أضاف: — ولهذا السبب كانت ليان تحاول اكتشاف هوية الرجل الذي كانت تسميه “خالي”.

فجأة وصل إشعار إلى هاتف ليان. فتحته. كانت رسالة جديدة. لكن هذه المرة لم تكن من رقم مجهول. كان الاسم الظاهر على الشاشة: “أبي.” حدقت فيه: — هذا مستحيل… ثم وصلت رسالة ثانية: “أمي، لا تصدقي الفيديو.” ورسالة ثالثة: “الشخص الذي تثقين به موجود معك الآن.”

رفعت رأسي ببطء. كان عادل يقف أمامي. ثم نظرت إلى كريم. وفي تلك اللحظة، أُغلق باب المنزل من الخارج. وسمعنا صوت خطوات تقترب. لكن هذه المرة… كان هناك شخص آخر داخل المنزل معنا. وشعرت أن الحقيقة التي بحثت عنها عاماً كاملاً كانت على بعد دقائق فقط من الظهو

توقفت الخطوات خلفنا. لم يجرؤ أحد على الكلام. أغلقت شاشة الكمبيوتر بسرعة، ثم أمسكت بهاتف ليان. قلت بصوت منخفض: — لا أحد يتحرك. لكن عادل تقدم خطوة نحوي. قال: — أعطني الهاتف. تراجعت فوراً: — لماذا؟ قال: — لأن الرسائل قد تكون مزيفة. تدخل كريم: — لا تقتربي منه.

نظر عادل إليه بغضب: — وأنت ما زلت تريد أن تلعب دور المنقذ؟ ثم انطلقت ضحكة قصيرة من الممر. لم تكن ضحكة غريبة. كانت ضحكة أعرفها جيداً. ضحكة كنت أسمعها في المناسبات العائلية منذ سنوات. التفتُّ نحو الممر. ظهر رجل من الظلام. عندما رأيت وجهه، شعرت بأن الدم انسحب من وجهي.

كان سامح. ابن عمي. الشخص الذي كان يزورني باستمرار طوال العام الماضي، ويسألني عن أي معلومة جديدة تخص ليان. قلت بصدمة: — أنت؟ ابتسم ابتسامة باردة: — كنت أتساءل متى ستكتشفين الأمر. صرخت: — أين ابنتي؟ قال: — حية. ثم أضاف: — وهذا كل ما تحتاجين إلى معرفته الآن.

اندفع كريم نحوه، لكن عادل أوقفه. قال سامح: — لا أحد يريد أن يؤذي ليان. قلت: — إذن لماذا اختفت؟ نظر إليّ طويلاً: — لأنها اكتشفت أن والدها كان يخفي عنها شيئاً. سألته: — ماذا؟ قال: — قبل وفاته، كان والدها يجمع أدلة ضد أشخاص نافذين. سألته: — ولماذا؟ قال: — لأنه اكتشف أن بعض الأشخاص كانوا يبيعون معلومات خاصة عن عائلات الطلاب.

شعرت بالغضب: — وما علاقة ابنتي؟ قال: — ليان وجدت الملفات. ثم أشار إلى القرص: — وأرادت أن تسلمها للشرطة. قال كريم: — لكن سامح اكتشف ذلك. أومأ سامح: — نعم. ثم قال: — وحاولت إقناعها بالتراجع. سألته: — وماذا حدث؟ قال: — رفضت. سألته: — فأخذتها؟ هز رأسه: — لا. ثم نظر إليّ مباشرة: — ليان هربت بنفسها.

قلت: — لا أصدقك. أخرج هاتفاً ووضعه على الطاولة. فتح مقطع فيديو. ظهرت ليان. كانت واقفة في مكان مضاء. قالت: — أمي، إذا كنتِ تشاهدين هذا، فأنا بخير. بدأت أبكي. تابعت: — لم يخطفني أحد. ثم نظرت إلى الكاميرا: — أنا اختبأت لأنني اكتشفت أن هناك شخصاً قريباً منا يعمل مع المجموعة.

توقف الفيديو لحظة. ثم قالت: — لكن الشخص الذي يساعدني الآن ليس سامحاً. رفعت عيني إليه. كان وجهه قد تغير. ثم تابعت ليان: — الشخص الذي يساعدني هو الشخص الذي لم أتوقع أبداً أن أثق به. وانتهى التسجيل. نظرت إلى كريم. كان صامتاً. قلت: — أنت؟ هز رأسه: — نعم. ثم قال: — حاولت حمايتها منذ البداية.

سألته: — لماذا لم تخبرني؟ قال: — لأنهم كانوا يراقبونك. ثم أضاف: — ولو عرفتِ أنها حية، لبحثتِ عنها، وكانوا سيصلون إليها. شعرت بالدموع على وجهي: — أين هي الآن؟ أخرج كريم ورقة. كتب عليها عنواناً. ناولني إياها: — اذهبي إلى هناك.

نظرت إلى العنوان. كان في منطقة ساحلية بعيدة عن المدينة. قلت: — سأذهب الآن. قال كريم: — وحدك. اعترضت سارة: — لا، سأذهب معها. لكن كريم هز رأسه: — هذه المرة يجب أن تذهب نادية وحدها. نظرت إليه بشك: — لماذا؟ أجاب: — لأن ليان طلبت ذلك. ثم فتح هاتفه وأراني رسالة منها. كان مكتوباً: “أمي يجب أن تأتي وحدها. أريد أن أخبرها الحقيقة بنفسي.”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى