منوعات

القصة كاملة للنهاية بقلم محمد عبده

بعد أيام قليلة، حدث شيء لم أتوقعه.

اتصل بي محامي والدي.

قال:

— ليلى، هناك أمر يجب أن تعرفيه.

— ماذا؟

تردد قبل أن يقول:

— والدك لم يكن  في الوصية من أجل المال فقط.

تجمدت.

— ماذا تقصد؟

قال:

— كانت هناك وثيقة أخرى في ممتلكات جدتك.

— أي وثيقة؟

أجاب:

— وثيقة تثبت أن جدتك كانت تعرف أن والدك حاول  على ممتلكاتها قبل سنوات.

سكتُّ.

ثم سألته:

— وأين الوثيقة الآن؟

قال:

— لدى شخص واحد فقط.

— من؟

جاء صوته منخفضًا:

— جدتك سلمتها إلى محامٍ قديم قبل وفاتها.

شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.

— وهل تعرف أين هو؟

قال:

— نعم.

ثم ذكر اسمًا لم أسمعه من قبل.

المستشار ياسر الكيلاني.

وأضاف:

— وهو يريد مقابلتك شخصيًا.

في تلك اللحظة أدركت أن قضية الميراث لم تكن النهاية.

كانت مجرد بداية.

لأن جدتي لم تترك لي 4.7 مليون دولار فقط.

لقد تركت لي الحقيقة الكاملة.

والحقيقة كانت أكبر بكثير مما كنت أتخيل.

الجزء الرابع والأخير — الحقيقة الكاملة

في صباح اليوم التالي، ذهبت إلى العنوان الذي أعطاني إياه المحامي.

كان مكتب المستشار ياسر الكيلاني يقع في مبنى قديم بوسط الإسكندرية، بعيدًا عن الأماكن التي اعتدت الذهاب إليها.

طرقت الباب.

وبعد لحظات، فتح لي رجل في أواخر الستينيات من عمره.

نظر إلى وجهي طويلًا، ثم ابتسم بحزن.

— أنتِ ليلى.

أومأت.

— نعم.

تنحى جانبًا وقال:

— ادخلي. جدتك كانت تعرف أن هذا اليوم سيأتي.

توقفت عند الباب.

— ماذا تقصد؟

أغلق الباب خلفي.

— كانت تعرف أن والديك سيحاولان الوصول إلى أموالها بعد وفاتها.

ثم أخرج ملفًا بنيًا من خزانة خلف مكتبه.

وضعه أمامي.

— هذا هو السبب الحقيقي الذي جعلها تترك لكِ كل شيء.

فتحت الملف.

كانت بداخله عقود، وتحويلات مالية، وصور مستندات قديمة.

لكن إحدى الأوراق جعلتني أتجمد.

كان عليها توقيع والدي.

رفعت عيني إليه.

— ما هذا؟

قال ياسر:

— قبل خمسة عشر عامًا، اقترض والدك مبلغًا ضخمًا من جدتك بحجة إنقاذ مشروعه.

— أعرف ذلك.

— لا. أنتِ لا تعرفين كل شيء.

أشار إلى الورقة.

— والدك لم يقترض المال فقط. لقد وقّع على اتفاق يمنح جدتك حصة من شركته مقابل المال.

قلبت الصفحة.

— وماذا حدث بعد ذلك؟

قال:

— عندما بدأ مشروعه يحقق أرباحًا، حاول إخفاء الأرباح عنها. ثم باع حصته لشخص آخر دون علمها.

حدقت في المستند.

فجأة بدأت أشياء كثيرة تتضح.

كلما كانت جدتي تتحدث عن أبي، كان الحزن يظهر في عينيها.

كنت أظن أنها حزينة لأنها تختلف معه.

لكن الحقيقة كانت أعمق بكثير.

—

قال ياسر:

— جدتك لم تكره والدك.

— إذن لماذا حرمته من الميراث؟

ابتسم بحزن.

— لأنها كانت تعرف أنه لم يعد يريدها كأم.

صمت قليلًا ثم قال:

— كان يريدها فقط باعتبارها صاحبة مال.

شعرت بشيء ينكسر بداخلي.

كنت أتمنى طوال حياتي أن أعرف لماذا كانت عائلتي مختلفة عن بقية العائلات.

والآن عرفت.

—

ثم أخرج ياسر ظرفًا أبيض.

— وهذا لكِ.

فتحته.

كانت رسالة أخرى بخط جدتي.

بدأت أقرأ:

“ليلى، إذا كنت تقرئين هذه الرسالة، فأنت الآن تعرفين جزءًا من الحقيقة. لكنني أريدك أن تعرفي شيئًا أهم.”

توقفت للحظة.

ثم تابعت:

“لا تستخدمي المال للانتقام من أحد.”

توقفت دموعي.

“أعرف أنك عانيتِ بسبب تجاهل والديك لكِ. وأعرف أنك قضيتِ سنوات تحاولين إثبات أنك تستحقين حبهم. لكن لا تفعلي ذلك بعد رحيلي.”

ثم كتبت:

“استخدمي المال لبناء حياتك، وليس لهدم حياة الآخرين.”

أغلقت الرسالة.

لم أستطع الكلام.

—

سألني ياسر:

— هل تريدين أن تعرفي ماذا حدث لأبيك؟

نظرت إليه.

— نعم.

أخبرني أن المحكمة أحالت المستندات إلى الجهات المختصة، وأن التحقيق بدأ بالفعل.

وبعد أسابيع، ظهرت الحقيقة.

كان والدي قد أخفى معاملات مالية قديمة، وحاول استخدام بعض ممتلكات جدتي كضمان دون علمها.

أما والدتي، فقد اكتشفت الأمر متأخرة.

وعندما واجهته، حدث بينهما خلاف كبير.

في النهاية، اضطرت والدتي إلى الاعتذار لي.

جاءت إلى منزلي ذات مساء.

فتحت الباب.

كانت تقف أمامي بوجه شاحب وعينين ممتلئتين بالدموع.

قالت:

— أنا آسفة.

لم أقل شيئًا.

— أعرف أن الاعتذار لن يصلح كل شيء.

ظلت صامتة للحظات.

ثم قالت:

— كنت أعتقد أنك لا تحتاجين إلينا لأنك قوية.

ابتسمت بحزن.

— وأنا كنت أعتقد أنكم لا تحبونني لأنني لم أكن مهمة بالنسبة لكم.

بدأت تبكي.

لكن هذه المرة لم أحتضنها.

ليس لأنني أكرهها.

ولكن لأن بعض الجروح تحتاج وقتًا طويلًا حتى تلتئم.

قلت لها:

— ربما يأتي يوم نستطيع فيه الحديث عن كل شيء.

ثم أغلقت الباب بهدوء.

—

بعد عام كامل، تغيرت حياتي.

لم أنفق ملايين الدولارات على السيارات الفاخرة أو المجوهرات.

اشتريت منزلًا صغيرًا وخصصت جزءًا من المال لمؤسسة تساعد الأطفال الذين فقدوا عائلاتهم.

كما أنشأت صندوقًا لمساعدة كبار السن الذين يعيشون بمفردهم.

كان هذا أكثر شيء جعلني أشعر أن جدتي ما زالت موجودة في حياتي.

وفي أحد الأيام، عدت إلى منزلها القديم.

جلست في الحديقة التي كانت تحبها.

وضعت صورة لها أمامي.

وقلت:

— كنتِ تعرفين كل شيء يا جدتي.

ضحكت وأنا أمسح دموعي.

— حتى أكثر مما كنت أعرفه عن نفسي.

رفعت رأسي نحو السماء.

ولأول مرة منذ سنوات، شعرت أنني لم أعد بحاجة إلى إثبات أي شيء لأحد.

لا لوالدي.

ولا لأمي.

ولا حتى للعالم.

لأنني أخيرًا فهمت الدرس الذي تركته لي جدتي:

قيمتي لم تكن يومًا في مقدار المال الذي تركته لي.

قيمتي كانت موجودة قبل ذلك بكثير.

أما الـ4.7 مليون دولار؟

فلم تكن مكافأة على حياتي.

كانت فرصة.

فرصة لأعيش الحياة التي كنت أستحقها منذ البداية.

وفي النهاية، لم أخسر عائلتي.

أنا فقط توقفت عن محاولة إقناع أشخاص لم يروني يومًا بأن يروني.
تمت حكايات محمد عبده

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى