
قلت لها بصوت هادي جداً بس طالع من غل 30 سنة: “نبتدي بالاتنين سوا.. إنذار بالطرد خلال 15 يوم، وبلاغ رسمي في النيابة بإتلاف ممتلكات وتشهير.”
رجعت البيت، محمود كان قاعد على السفرة ووشه مشنوق. أول ما شافني قال بصوت واطي: “كنتي فين يا إلهام؟ أمي اتصلت بيا الصبح بدري وزعلانة، وأخواتي عمالين يكتبوا على النت كلام مش حلو.. تعالي نروح لها ونتأسف عشان نلم الموضوع.”
بصيت له بمنتهى البرود، وطلعت من شنطتي صورة الإنذار وصورة ورق الشهر العقاري وحطيتهم قدامه على الترابيزة.
تتأسف لمين يا محمود؟ للست اللي راحت الساعة 4 الصبح ترش بوية على بيت أمي؟ ولا لأخواتك اللي بياكلوا ويناموا من خيري؟ اتفضل اقرأ الورق ده.
محمود مسك الورق، وعينيه بدأت تتسع بذهول، إيده كانت بترتعش وهو بيقرا التنازل ورقم المحضر اللي اترفع ضد أمه.
إلهام! أنتي اتجننتي؟ ده عقد الشقة! أمي وأبويا عايشين فيها! عايزة ترمي أمي في الشارع وهي في السن ده؟
زي ما هي ما خافتش على أمي اللي ضغطها عليّ وكان ممكن يجيلها جلطة بسبب حركتها.. أنا كمان مش هخاف عليها. أمامك 24 ساعة، يا إما تطلع تقول للحاجة هدى وأخواتك الحقيقة قدام العيلة كلها وينزلوا يمسحوا الباب بيديهم ويطلبوا السماح من أمي.. يا إما المحضر هيتحرك والإنذار هيتوصل لها بكره الصبح مع المحضر.
محمود وقف ومسك تليفونه وهو مش مصدق: “أنتي بتهدديني بأمي؟”
أنا مابهددش.. أنا باخد حقي وحق ال 30 سنة اللي عشتهم خدامة ليكم وفي الآخر تطلعوني بصورة مش كفاية.
في نفس الليلة، محمود جمع العيلة كلها في صالون شقة المقطم بناءً على طلبي.
أنا دخلت الصالون، كانت الحاجة هدى قاعدة وحاطة رجل على رجل، وأخواته الاثنين قاعدين باصين لي بقرف ومستنيين محمود يجيب لي حقهم أو يخليني أعتذر.
الحاجة هدى أول ما شافتني قالت بتهكم: “خير يا ست إلهام؟ جاية ترجعي الفلوس ولا جاية تعتذري عن طول لسانك؟”
ما رديتش عليها.. مشيت ببطء وحطيت حزمة الأوراق الرسالة على الطاولة في النص بين الكل.
الحاجة هدى بصت للورق اللي على الطاولة باستهزاء، وقالت وهي بتميل بدماغها: “إيه الكراكيب دي كمان؟ جاية تورينا فواتير الشاي والسكر اللي جبتيهم من 20 سنة؟”
أخت جوزي الصغيرة ابتسمت بشماتة وقالت: “سيبك منها يا بابا، دي جاية تعمل شو عشان تهرب من الفضيحة اللي عملتها في البلد.. صور الباب مالية الفيسبوك والناس كلها بتدعي عليكي.”
أنا قعدت على الكرسي قدامهم، حطيت رجل على رجل وركبت الثبات الانفعالي كله في لحظة. بصيت لمحمود وقلت له بصوت هادي: “اقرأ لهم يا محمود.. اقرأ لأمك وأخواتك عشان يعرفوا الشقة باسم مين ومين اللي طافح الكوتة عشان يسترهم.”
محمود كان وافق ورا الكنبة، وشه أصفر زي الليمونة المعتصرة، شفايفه بترتعش وما كانش قادر ينطق كلمة.
الحاجة هدى نترت الورق بإيدها وهي بتقول بعصبية: “ما تنطق يا محمود! في إيه؟ العُقبة دي جايبة إيه معاها؟”
محمود سحب نفس بالعافية، ومسك أول ورقة، صوته كان طالع بالعافية ومكسور: “ده.. ده إعلان بالطرد من الشقة يا أمي.”
الصالون كله سكت فجأة. السكوت كان تقيل زي الجبل.
الحاجة هدى ضحكت ضحكة مجنونة وقالت: “طرد إيه يا هبل؟ دي شقة ابني! الشقة دي محمود شاريهالك بفلوسه وعرقه عشان نعيش فيها أنا وأبوك!”
محمود بصلها والأرض مش شايلاه وقال: “لا يا أمي الشقة مش شقتي. الشقة دي إلهام هي اللي دفعت أقساطها من مرتبها 14 سنة. وأنا.. أنا تنازلت لها عن حصتي فيها رسمياً في الشهر العقاري من 8 سنين لما وقعت في ديون الشركة وهي اللي سددت عني 600 ألف جنيه عشان ما أتسجنش.”
أخت جوزي الكبيرة وقفت مصدومة: “إيه اللي أنت بتقوله ده يا محمود؟ أنت اتجننت؟ يعني الشقة دي باسمها هي؟!”
أنا سحبت الورقة التانية وحطيتها تحت عين الحاجة هدى مباشرة: “مش بس الشقة يا حاجة.. شايفين الورقة دي؟ ده بلاغ رسميّ للنيابة العامة بتهمة الإتلاف العمد للممتلكات والتشهير، ومرفق معاه أسطوانة مدمجة عليها تفريغ كاميرات المراقبة بتاعة السوبر ماركت.. الكاميرا جابتك وأنتي نازلة الساعة 4 الصبح بطرحتك السودا وبتكتبي بالرش الأحمر، والشهود مستعدين يشهدوا إنك أنتي اللي كتبتي الكلام ده.”
الحاجة هدى عينها وسعت، إيدها راحت لقلبها وبدأت تتنفس بصعوبة، لونها خطف وبصت لمحمود بنظرة رجاء ومفاجأة: “أنت تسيب مرتك تعمل في أمك كده يا محمود؟ عايزة تحبسني؟ عايزة ترميني في الشارع أنا وأبوك الراجل المريض؟”
محمود بص للأرض ودموعه نزلت: “أنا قلت لك بلاش يا أمي قلت لك دي فلوس مكافأتها وتعبها، أنتي اللي أصريتي تفضحينا.”
هنا أخت جوزي الصغيرة جرت عليا بأسلوب هجومي: “أنتي فاكرة نفسك مين؟ أنتي وحدة مفترية! والله لنفضحك في كل مكان ونقول إنك طردتي حماكي وحماتك!”
بصيت لها بمنتهى القسوة وقلت: “اعمليها وريني شطارتك. والفيسبوك اللي شيرتم عليه صورة الباب، بكره هينزل عليه عقد الشقة بالتاريخ والمبالغ، وينزل عليه فيديو أمك وهي بترش البوية بالليل. ساعتها الشارع والقرايب هيعرفوا مين اللي عاش 30 سنة يخدمكم وينفق عليكم ومين اللي رد الجميل بالغل.”
أبو جوزي الحاج كمال خرج من أوضته ببطء على عكازه، كان سامع كل حاجة. بصلهم كلهم بنظرة خيبة أمل وقال بصوت مكسور: “صحيح الكلام ده يا محمود؟ أنتي يا هدى عملتي كده؟ تروحي ترشي بوية على بيت ست طيبة ربت بنتها بشرفها؟ الشقة دي مش بتاعتنا؟”
الحاجة هدى ما عرفتش ترد، بدأت تعيط بهستيريا وتصوت: “يا لهوي يا فضيحتي يا خرابي يا ناس!”
وقفت من مكاني، عدلت شنطتي على كتفي، وبصيت للحاجة هدى وقلت لها بكل حسم:
عندك خيارين يا حاجة هدى. الأول بكره الصبح الساعة 8 تكوني أنتي وبناتك في البلد عند أمي. تنزلوا من العربية، وتمسكوا السلك والمذيب، وتمسحوا الكلام بإيديكم قدام أهل الشارع كلهم، وتتأسفوا لأمي وتُبوسوا إيدها ورأسها قدام الناس. وتاني حاجة بناتك ينزلوا بوست اعتذار رسمي على الجروب اللي شهروا بيا فيه ويكتبوا الحقيقة. لو ده حصل هتنازل عن المحضر، وهسيبكم قاعدين في الشقة بعقد إيجار رمزي لحين وفاتكم، بس الشقة تفضل باسمي. لو ده ما حصلش بكره المحضر هينزل النيابة، وخلال 15 يوم هتوصلكم الإنذارات بعقد الإخلاء، وجروب العيلة هيعرف الحقيقة بالورق والمستندات.
سيبتهم ومشيت. صوت صريخ الحاجة هدى وخناقهم مع محمود كان مسموع لحد الشارع تحت.
تاني يوم الصبح الساعة 7:30 صباحاً.
كنت واقفة في صالة بيت أمي في البلد، بنشرب الشاي.
فجأة، سمعنا صوت عربية وقفت قدام الباب.
أمي بصت لي بخوف: “في إيه يا إلهام؟ مين اللي بره؟”
قلت لها برضا وثقة: “تعالي يا أمي تعالي شوفي الحق وهو بيرجع لأصحابه.”
خرجنا على الباب.. كانت الحاجة هدى نازلة من العربية، وراها أختين محمود، ومعاهم جردل ومسحوق وسلكة صلب. ووشوههم كانت في الأرض، والجيران بدأوا يتجمعوا ويتفرجوا.
الحاجة هدى مشيت بخطوات تقيلة، وبصت لأمي وبكت بكسرة: “سامحيني يا أم أحمد أخطأت في حقك.”
ومسكت السلكة، وبدأت هي وبناتها يمسحوا الطلاء بدموع وحسرة قدام الشارع كله. محمود كان واقف بعيد، مش قادر يحط عيني في عينه.
أمي بصت لي ودمعتها نزلت، بس المرة دي كانت دموع فرحة وفخر. مسكت إيد أمي وقلت لها: “البيت ده اتبنى بعرقي، وكرامتك خط أحمر ما حدش يقدر يدوس عليه طول ما أنا عايشة.”
دخلنا البيت الجديد، قفلنا الباب الصاج النظيف، وبدأنا حياتنا الجديدة من غير ما نسيب حقنا ولا نسيب كرامتنا تحت رجليين حد.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




