
أما نادين، التي كانت تجلس بجواره في الطائرة المتجهة إلى باريس، فسألته:
— ماذا حدث؟
لم يجب.
أعادت السؤال:
— أبي؟
رفع عينيه إليها ببطء.
وقال بصوت متوتر:
— الشركة التي ظننتِ أنها أصبحت ملكك بالكامل…
توقف.
ثم أكمل:
— لم تكن ملكي أصلًا عندما أعطيتك إياها.
اتسعت عينا نادين.
— ماذا تقصد؟
وضع أبي الهاتف على الطاولة.
— هناك مستندات جديدة ظهرت.
— مستندات؟
أومأ برأسه.
— ليان تركت الشركة قبل عامين، لكن يبدو أنها لم تترك كل حقوقها.
ثم نظر إلى الرسالة مرة أخرى.
كان هناك مرفق واحد.
عقد ملكية قديم يحمل توقيعي أنا… وتوقيع ليان.
ولم يكن أحد يعرف أن هذا العقد سيقلب حياة العائلة كلها رأسًا على عقب.
الجزء الثالث
ظل أبي يحدق في شاشة هاتفه وكأنه يأمل أن تتغير الكلمات أمام عينيه.
أما نادين، فلم تستطع إخفاء قلقها.
— أبي، ماذا يوجد في هذا العقد؟
لم يجب فورًا.
فتح المرفق مرة أخرى، وبدأ يقرأ البنود بعناية.
كان العقد يعود إلى ما قبل سنوات، عندما كنت أعمل معه في الشركة.
في ذلك الوقت، كنت قد اقترحت مشروعًا جديدًا، وكنت أنا من وضعت فكرته وخطته المالية، ثم أقنعت أبي بتمويله.
نجح المشروع بشكل يفوق التوقعات.
ولهذا، أصر المستشار القانوني للشركة وقتها على توثيق نسبة من حقوق المشروع باسمي.
كانت النسبة كبيرة.
لكنني لم أكن مهتمة بالمال حينها.
كنت أريد فقط أن أثبت أنني أستطيع النجاح.
قالت نادين:
— هل يعني هذا أن ليان ما زالت تملك جزءًا من الشركة؟
أجاب أبي بصوت خافت:
— أكثر مما تتخيلين.
تغير وجهها.
— لكنك قلت لي إن كل شيء أصبح لي!
رفع أبي عينيه إليها.
— كنت أعتقد ذلك.
— كنت تعتقد؟
بدأ صوتها يرتفع.
— إذن ماذا سيحدث الآن؟
لم يجب.
لأن هاتفه رن في تلك اللحظة.
كان المتصل هو المدير المالي للشركة.
فتح أبي المكالمة.
جاءه الصوت متوترًا:
— سيدي، لدينا مشكلة كبيرة.
— ما المشكلة؟
— المستشارون القانونيون راجعوا السجلات القديمة، وهناك وثائق تثبت أن الآنسة ليان تمتلك حقوقًا أساسية في أحد الأصول الرئيسية للشركة.
أغلق أبي عينيه للحظة.
— وما قيمة هذه الحقوق؟
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم جاء الرد:
— قيمتها الحالية تقترب من مئات الملايين.
شهقت نادين.
أما أبي فلم يتحرك.
لقد فهم أخيرًا لماذا لم تكن ليان تحاول إثبات شيء لهم.
كانت قد بنت عالمًا كاملًا بعيدًا عنهم.
—
في الجهة الأخرى، كنت أجلس داخل طائرتي، أراقب السحب من النافذة.
رن هاتفي.
كان مساعدي الشخصي.
— ليان، هل يمكنني التحدث معك؟
— بالتأكيد.
— تلقينا اتصالًا من مستشاري شركة والدك.
ابتسمت بهدوء.
— كنت أتوقع ذلك.
— يريدون عقد اجتماع عاجل.
— ليس الآن.
— هناك أمر آخر.
توقفت.
— ماذا؟
قال:
— اكتشفوا المستندات القديمة المتعلقة بالمشروع الذي أسسته داخل الشركة.
نظرت إلى النافذة.
— كنت أعرف أنهم سيكتشفونها يومًا ما.
— هل تريدين أن نرسل لهم نسخة من الوثائق؟
فكرت للحظة.
— لا.
— لماذا؟
أجبت:
— دعهم يكتشفون الحقيقة بأنفسهم.
—
بعد عدة ساعات، هبطت طائرتي في مطار باريس.
كان فريق من موظفي شركتي ينتظرني.
استقبلوني بسرعة، ثم توجهنا إلى الفندق الذي كنت أقيم فيه.
لكنني لم أكن أعرف أن أبي ونادين كانا يواجهان في الوقت نفسه أزمة حقيقية.
فقد وصل إلى باريس خبر آخر.
كان مجلس إدارة شركة أبي قد قرر عقد اجتماع طارئ.
والسبب؟
المستندات التي ظهرت.
في صباح اليوم التالي، دخل أبي قاعة الاجتماع.
جلس أعضاء مجلس الإدارة حول الطاولة الطويلة.
قال رئيس المجلس:
— نحتاج إلى توضيح موقف الشركة من حقوق ليان.
أجاب أبي:
— سنتواصل معها.
رد أحد الأعضاء:
— المشكلة ليست في التواصل معها فقط.
ثم وضع ملفًا أمامه.
— المشكلة أن هذه الحقوق مسجلة قانونيًا.
فتح أبي الملف.
كان اسمي موجودًا في أكثر من صفحة.
ثم قال أحد المستشارين:
— وهناك أمر آخر.
رفع أبي رأسه.
— ماذا؟
— إذا قررت ليان تفعيل حقوقها بالكامل، فقد يصبح لها تأثير مباشر على قرارات الشركة.
ساد الصمت.
لأول مرة، أدرك أبي أنني لم أعد ابنته التي يمكنه تجاهلها.
كنت شريكة محتملة في واحدة من أهم الشركات التي كان يعتقد أنه يملك السيطرة الكاملة عليها.
—
في تلك الليلة، كنت في غرفتي بالفندق عندما وصلني اتصال من رقم مجهول.
ترددت للحظة، ثم أجبت.
— مرحبًا؟
جاءني صوت رجل مسن:
— الآنسة ليان؟
— نعم.
— اسمي فارس عبد الرحمن. كنت المستشار القانوني لوالدك عندما تأسست الشركة.
جلست باستقامة.
— أعرف اسمك.
— اتصلت بك لأن هناك شيئًا يجب أن تعرفيه.
— ماذا؟
قال بصوت جاد:
— والدك لم يكن هو من قرر وحده نقل ملكية المشروع إلى نادين.
توقفت.
— ماذا تقصد؟
— كانت هناك ضغوط من داخل العائلة.
— من؟
تردد الرجل للحظة.
ثم قال:
— زوجة والدك.
تجمدت.
— لماذا؟
أجاب:
— لأنها كانت تعرف أن المشروع الذي بنيته سيصبح أهم أصل في الشركة، وكانت تريد أن تضمن أن ابنتها تحصل على السيطرة عليه.
شعرت ببرودة في أطرافي.
— ولماذا تخبرني بهذا الآن؟
قال:
— لأنني احتفظت بنسخة من المستندات الأصلية.
ثم أضاف:
— وهناك توقيع لم يكن من المفترض أن يكون موجودًا.
سألته:
— توقيع من؟
قال:
— توقيع والدك.
صمتُّ.
— هل تقصد أنه وقّع بنفسه؟
— نعم.
— إذن لماذا كان يتظاهر بأنه لم يكن يعرف؟
أجاب:
— لأن التوقيع تم في ظروف مختلفة تمامًا عن القصة التي سمعتها.
نهضت من مكاني.
— أريد أن أرى المستندات.
— سأرسلها إليك صباحًا.
ثم قال جملة جعلتني أتوقف:
— لكن قبل أن تقرئيها، تذكري شيئًا واحدًا يا ليان.




