روايات وقصص

القصة كاملة بقلم محمد عبده

— لا تعتذري.

ثم أضفت:

— أنتِ لم تفعلي شيئًا.

قالت:

— أمك قالت إنك لم تعد تريدنا.

تجمدت للحظة.

ثم قلت:

— ليلى، اسمعيني جيدًا. لم يكن هناك يوم واحد لم أفكر فيه بكما.

نظرت إليّ.

— وبالنسبة للمال؟

قلت:

— لم ألغِه.

بدأت تفهم.

— إذن…

أومأت برأسي.

— سرقوه.

سكتت.

ثم قالت:

— هل لديك دليل؟

نظرت إلى هاتفي.

— لدي أكثر مما أحتاج.

وفي تلك اللحظة، وصلني إشعار جديد.

فتحت الهاتف.

كانت رسالة من أمي.

“نحن في إجازة، لا تفسد علينا الرحلة بمشاكلك.”

حدقت في الرسالة طويلًا.

ثم وصلت رسالة أخرى من مريم:

“عندما تعود، سنتحدث. ولا تتهمنا بشيء من دون دليل.”

ابتسمت.

لم أجب.

بدلًا من ذلك، أرسلت التسجيلات كاملة إلى محامي العائلة.

ثم اتصلت بالبنك وطلبت تجميد الحسابات المرتبطة بالتحويلات المشبوهة.

وبعدها فعلت شيئًا آخر.

فتحت تطبيق حجز الفنادق.

بحثت عن الفندق الذي ظهرت فيه أمي ومريم في الصور.

كانتا قد دفعتا مقدمًا للإقامة لمدة خمسة أيام.

فقلت لنفسي:

— خمسة أيام؟

ثم ابتسمت بهدوء.

حسنًا.

إذا كانتا تريدان خمسة أيام من الرفاهية…

فسأحرص على ألا تنساهما أبدًا.

وفي صباح اليوم التالي، وصلتني رسالة من الفندق.

كان فيها طلب تأكيد للدفع.

أجبتهم بجملة واحدة فقط:

“لا تقلقوا بشأن الفاتورة. سأهتم بها شخصيًا.”

لكنني لم أخبر أمي ولا مريم بما كنت أخطط له.

لأنني أردت أن أرى وجهيهما عندما يكتشفان الحقيقة.

والحقيقة كانت على وشك أن تصل إليهما بطريقة لم يتوقعاها إطلاقًا…
الجزء الثالث

في صباح اليوم التالي، جلست بجوار ليلى حتى تناولت أول وجبة كاملة منذ أيام.

كانت لا تزال ضعيفة، لكنها بدأت تستعيد بعض لونها.

أما طفلنا، فكان نائمًا في سريره الصغير بجوارها.

حدقت فيه طويلًا.

ثم قلت لليلى:

— أريدك أن تعرفي شيئًا.

نظرت إليّ.

— لن تعودي إلى ذلك المنزل.

قالت باستغراب:

— ماذا تقصد؟

— المنزل لم يعد مكانًا آمنًا بالنسبة لكِ.

ثم أضفت:

— سأستأجر لنا مكانًا آخر مؤقتًا، وسنبدأ من جديد.

أمسكت يدي.

— وماذا عن أمك وأختك؟

صمتُّ للحظة.

— سأتعامل معهما.

في تلك الأثناء، كان المحامي عمر فؤاد قد بدأ يراجع التسجيلات.

بعد ساعات، اتصل بي.

قال:

— سامر، شاهدت التسجيلات.

— وماذا ترى؟

ساد الصمت لثوانٍ.

ثم قال:

— هذا ليس مجرد خلاف عائلي.

كنت أعرف ذلك.

— هل لديك ما يكفي لاتخاذ إجراء قانوني؟

أجاب:

— لدينا تحويلات بنكية، وتسجيلات، وصور، ورسائل. لكنني أريد شيئًا إضافيًا.

— ماذا؟

— أريد أن نثبت أن والدتك وأختك كانتا تعرفان تمامًا أن المال مخصص لزوجتك وطفلك.

فتحت عيني.

— لدي تسجيل بذلك أيضًا.

ابتسم المحامي.

— إذن لدينا ما نحتاج إليه.

بعد الظهر، خرجت من المستشفى للحظات.

لم أذهب إلى المنزل.

ذهبت إلى البنك.

قدمت لهم جميع المستندات، وطلبت فتح تحقيق رسمي في التحويلات.

الموظف راجع الحسابات أمامي.

ثم قال:

— هناك شيء آخر.

— ماذا؟

أشار إلى الشاشة.

— بعض الأموال التي خرجت من حسابك لم تذهب إلى حسابات شخصية فقط.

حدقت فيه.

— إلى أين ذهبت؟

قال:

— هناك مدفوعات لفندق فاخر، ومطاعم، ومتجر مجوهرات، وشركة تأجير سيارات.

شعرت أنني أسمع قائمة مشتريات وليست سرقة.

ثم ظهر مبلغ آخر.

— ما هذا؟

قال الموظف:

— دفعة مقدمة لشراء ساعة فاخرة.

ضحكت ضحكة قصيرة بلا فرح.

كانت أمي قد أخذت المال المخصص لزوجتي التي كانت تنزف وتتضور جوعًا، ثم اشترت به ساعة.

عدت إلى المستشفى.

وفي المساء، دخلت إلى حسابات أمي على مواقع التواصل مرة أخرى.

وجدت عشرات الصور.

عشاء فاخر.

غرفة فندقية ضخمة.

رحلة بحرية.

ملابس جديدة.

ثم صورة لمريم وهي ترتدي قلادة باهظة الثمن.

وكان التعليق:

“أحيانًا علينا أن نكافئ أنفسنا.”

حفظت الصورة.

ثم حفظت كل شيء.

في اليوم التالي، قررت العودة إلى المنزل لأول مرة.

دخلت الشقة وحدي.

كان المكان باردًا وصامتًا.

رأيت سرير الطفل.

الملابس الصغيرة.

الزجاجة الفارغة.

والبطانية الرقيقة التي كانت ليلى تلفها حول طفلنا.

وقفت أمام النافذة.

لم أستطع منع نفسي من التفكير في أنها كانت تجلس هنا وهي ترتجف، بينما أمي وأختي تجلسان بجوار حمام سباحة في شرم الشيخ.

ثم سمعت صوت إشعار.

رسالة من مريم.

“متى ستعود؟ نريد أن نتحدث معك.”

أجبت:

— قريبًا.

ثم أضفت:

— استمتعا بإجازتكما.

بعد دقائق، ردت:

“عرفنا أنك غاضب، لكن لا داعي للمبالغة.”

قرأت الرسالة مرة أخرى.

ثم كتبت:

— لا تقلقي.

— لن أبالغ.

لكنني لم أرسل الرسالة.

حذفتها.

لأنني أدركت أن أفضل ما يمكنني فعله هو الصمت.

في تلك الليلة، وصلني اتصال من المحامي.

— سامر، هناك مشكلة.

شعرت بالتوتر.

— ماذا حدث؟

قال:

— والدتك اكتشفت أن الحسابات بدأت تتجمّد.

— كيف؟

— لا أعرف. لكنها بدأت تسحب الأموال من الحسابات الأخرى.

ثم أضاف:

— والأمر الأسوأ أنها اتصلت بالبنك مدعية أنك مصاب بانهيار نفسي، وأنك لا تعرف ماذا تفعل بأموالك.

لم أصدق ما سمعته.

— ماذا؟

— نعم. تحاول إقناعهم بأنك غير قادر على إدارة حساباتك.

جلست على الأريكة.

لم تعد المسألة مجرد سرقة.

كانوا يحاولون قلب القصة ضدي.

قال المحامي:

— عليك أن تتصرف بسرعة.

قلت:

— ماذا تقترح؟

— لا تواجههم الآن.

— لماذا؟

— لأنهم لا يعرفون مقدار الأدلة التي بحوزتنا.

ثم قال جملة جعلتني أبتسم:

— دعهم يواصلون الكلام.

فهمت ما يقصده.

كل كلمة جديدة يقولونها يمكن أن تصبح دليلًا جديدًا.

وفي اليوم التالي، وصلني تسجيل صوتي من رقم مجهول.

شغّلته.

كان صوت أمي.

قالت لمريم:

— لا تقلقي. سامر لن يفعل شيئًا. هو دائمًا يلين عندما نضغط عليه.

ثم جاء صوت مريم:

— وماذا عن ليلى؟

أجابت أمي:

— عندما يكتشف أن كل شيء ضدها، سيتركها ويعود إلينا.

توقفت عن التنفس للحظة.

لقد كانتا تخططان ليس فقط لسرقة المال…

بل لتدمير زواجي أيضًا.

رفعت الهاتف أمام المحامي عندما جاء إلى المنزل.

استمع إلى التسجيل.

ثم قال بهدوء:

— الآن أصبح الأمر مختلفًا.

— كيف؟

— لأنهما اعترفتا ضمنيًا بأنهما خططتا لما حدث.

نظرت إليه.

— ماذا سنفعل؟

أخرج ملفًا من حقيبته ووضعه أمامي.

— سننتظر عودتهما.

ثم ابتسم.

— وبعدها سنجعل الحقيقة تتحدث بنفسها.

في تلك اللحظة، وصلني إشعار جديد من الفندق.

كانت أمي قد طلبت تمديد إقامتها.

خمسة أيام إضافية.

ضحكت.

كانت تظن أنني أدفع فاتورتها لأنها ما زالت تسيطر على الموقف.

لكنها لم تكن تعرف أنني كنت قد اتخذت قرارًا آخر.

لن أطلب منها العودة.

سأدعها تبقى.

وسأدعها تنفق.

وسأدعها تتحدث.

لأن كل دقيقة إضافية كانت تقضيها هناك…

كانت تضيف دليلًا جديدًا إلى الملف الذي سيغيّر حياتها إلى الأبد.
الجزء الرابع

مرّت ثلاثة أيام.

كانت ليلى تتحسن ببطء، وطفلنا أصبح أكثر استقرارًا.

أما أمي وأختي، فكانتا تعيشان وكأن شيئًا لم يحدث.

كانت الصور تصلني تباعًا.

وجبات فاخرة.

جلسات بجوار البحر.

تسوق.

غرفة جديدة أكبر في الفندق.

حتى إن مريم نشرت صورة وهي تقول:

“أفضل إجازة في حياتنا.”

لم أعلّق.

كنت أريد أن أتركهما تشعران بالأمان.

وفي اليوم الرابع، اتصل بي مدير الفندق.

قال:

— سيدي، نحتاج إلى توضيح بشأن الحساب.

قلت:

— ما المشكلة؟

— الضيوفتان تطلبان تمديد الإقامة مرة أخرى، كما طلبتا إضافة خدمات خاصة إلى الغرفة.

سألته:

— وهل ما زالت لديهما وسيلة دفع؟

أجاب:

— نعم، لكن هناك مشكلة في بعض العمليات السابقة.

قلت بهدوء:

— لا تقلق. لا تتخذوا أي إجراء الآن.

— هل أنت متأكد؟

— نعم.

أغلقت الهاتف.

لم أكن أريد طردهما.

كنت أريد أن تكتمل الصورة.

وفي المساء، وصلني ملف من المحامي.

كان قد جمع كل الأدلة.

كشف حساب البنك.

التسجيلات.

الرسائل.

صور الإنفاق.

والتسجيل الصوتي.

ثم قال:

— هناك شيء آخر.

نظرت إليه.

— ماذا؟

أعطاني ورقة.

كانت عبارة عن عقد حجز الفندق.

قرأتها.

ثم رفعت رأسي.

— ما هذا؟

قال:

— والدتك لم تدفع ثمن الإقامة من حسابها.

— إذن؟

— دفعت باستخدام البطاقة المرتبطة بالحساب الذي سرقت منه الأموال.

صمتُّ.

كان ذلك مهمًا جدًا.

لأنها لم تعد تستطيع الادعاء بأنها أنفقت مالًا شخصيًا.

لقد استخدمت مباشرة الأموال المخصصة لزوجتي وطفلي.

قلت:

— هل يمكننا إثبات ذلك؟

ابتسم المحامي.

— لدينا كشف الحساب الإلكتروني، وسجل العمليات، وتسجيل الكاميرات في الفندق إذا احتجنا إليها.

ثم أضاف:

— لكنني أنصحك ألا تفعل شيئًا بعد.

في تلك اللحظة رن هاتفي.

كانت أمي.

نظرت إلى الشاشة.

ثم أجبت.

— مرحبًا يا أمي.

جاء صوتها طبيعيًا جدًا.

— سامر، لماذا لم تتصل بنا؟

قلت:

— كنت مشغولًا.

— كيف حال ليلى؟

نظرت إلى المحامي.

ثم قلت:

— أفضل.

سكتت لثوانٍ.

ثم قالت:

— أعتقد أنك يجب أن تتوقف عن الاستماع إليها.

تجمدت.

— ماذا تقصدين؟

— ليلى تبالغ دائمًا. ربما هي التي أنفقت المال.

قلت:

— ربما.

ضحكت.

— كنت أعرف أنك ستفهم.

ثم تابعت:

— بالمناسبة، نحتاج إلى مبلغ آخر.

— لماذا؟

— الفندق.

أجبت بهدوء:

— ظننت أن لديكما ما يكفي.

قالت بسرعة:

— لا تكن بخيلًا. أنت قادر على تحمل الأمر.

ابتسمت.

— سأرى ماذا يمكنني أن أفعل.

أغلقت الهاتف.

نظر إليّ المحامي.

— سجلت المكالمة؟

أومأت.

— نعم.

قال:

— ممتاز.

في اليوم التالي، حدث شيء لم أتوقعه.

تلقيت رسالة من مريم.

“سامر، نحن نعرف أنك تراقبنا.”

توقفت.

ثم جاءت رسالة ثانية:

“إذا كنت تريد أن تنتهي المشكلة بهدوء، فلا تجعل الأمر قانونيًا.”

حدقت في الشاشة.

كانوا يعرفون.

أو على الأقل بدأوا يشكون.

أرسلت لها ردًا واحدًا:

— ماذا تقصدين؟

جاء الرد بعد دقائق:

“لا تتظاهر بأنك لا تعرف.”

ثم رسالة أخرى:

“لدينا أشياء يمكن أن نكشفها عنك أيضًا.”

رفعت حاجبي.

لم أكن أعرف ما الذي تتحدث عنه.

قلت للمحامي:

— يبدو أنهم يهددونني.

أجاب:

— لا ترد.

لكنني لم أستطع منع نفسي من السؤال:

— ماذا يمكن أن يكون لديهم؟

قال:

— ربما لا شيء.

ثم أضاف:

— وربما يحاولون فقط إخافتك.

وبعد ساعة، وصل بريد إلكتروني جديد.

كان من مريم.

لكن هذه المرة لم يكن تهديدًا.

كان ملفًا مرفقًا.

فتحته.

وكانت المفاجأة أن الملف يحتوي على مستندات تخص عملي.

مستندات لم يكن من المفترض أن تمتلكها.

نظرت إلى المحامي.

— من أين حصلت على هذه؟

قال:

— هذا سؤال مهم جدًا.

ثم قلب الصفحة.

— إذا كانت هذه المستندات حقيقية، فالموضوع لم يعد مجرد سرقة أموال عائلية.

— ماذا تقصد؟

قال:

— قد يكون هناك شخص آخر خلف كل هذا.

شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.

عدت إلى الرسائل.

وجدت عبارة واحدة في نهاية البريد:

“إذا أردت أن تعرف الحقيقة، اسأل عن الشخص الذي قابلته في دبي قبل سفرك بيوم.”

توقفت.

كنت أعرف بالضبط من يقصدون.

ذلك الاجتماع القصير الذي عقدته قبل مغادرتي.

الرجل الذي طلب مني عدم إخبار أحد بتفاصيل الصفقة.

الرجل الذي ظننت أنني لن أراه مرة أخرى.

لكن يبدو أنني كنت مخطئًا.

فقد يكون هو المفتاح الحقيقي لكل ما حدث.

رفعت رأسي إلى المحامي وقلت:

— علينا أن نعرف من يقف وراءهم.

أغلق الملف.

— وسنعرف.

ثم نظر إليّ بجدية وقال:

— لكن قبل ذلك، يجب أن نتأكد من شيء واحد.

— ماذا؟

— هل أموالك فقط هي التي كانوا يريدونها؟

نظرت إليه.

ولأول مرة منذ عودتي من دبي، شعرت أن سرقة الـ38 ألف دولار ربما لم تكن سوى بداية القصة.
الجزء الخامس

لم أنم تلك الليلة.

كانت جملة المحامي تدور في رأسي:

“هل أموالك فقط هي التي كانوا يريدونها؟”

في صباح اليوم التالي، عدت إلى التسجيلات القديمة.

هذه المرة لم أبحث عن سرقة المال.

كنت أبحث عن شيء آخر.

أي شخص غريب دخل المنزل.

أي مكالمة.

أي ورقة.

أي حديث يمكن أن يفسر المستندات التي أرسلتها مريم.

وبعد ساعات من البحث، وجدت شيئًا.

ظهر رجل في تسجيل يعود إلى ثلاثة أسابيع قبل سفري.

كان يقف عند باب المنزل ويتحدث مع أمي.

لم أتعرف عليه في البداية.

لكن عندما اقترب من الكاميرا، شعرت بصدمة.

لقد كان فارس منصور.

الرجل الذي قابلته في دبي قبل سفري بيوم واحد.

كان أحد الوسطاء في الصفقة الكبرى التي كنت أعمل عليها.

قلت للمحامي:

— هذا هو الرجل.

نظر إلى الشاشة.

— هل أنت متأكد؟

— مئة بالمئة.

أعدنا التسجيل.

كان فارس يسلم أمي ظرفًا.

ثم نظر حوله قبل أن يدخل المنزل.

بعد دقائق، ظهرت مريم.

جلست معهم.

وبدأوا يتحدثون.

لم يكن الصوت واضحًا بما يكفي، لكن النظام الأمني كان يحتوي على ميزة تسجيل صوتي في تلك الغرفة.

رفع المحامي مستوى الصوت.

ثم بدأنا نسمع الكلمات.

قال فارس:

— يجب أن يتم الأمر قبل عودة سامر.

أجابت أمي:

— لا تقلق. سيعود بعد ثلاثة أسابيع.

قالت مريم:

— وماذا عن زوجته؟

رد فارس:

— ستكون هي الحلقة الأضعف.

شعرت ببرودة تسري في جسدي.

توقفت عن التسجيل.

— الحلقة الأضعف؟

أومأ المحامي.

— أكمل.

استأنفت التسجيل.

قال فارس:

— نحتاج فقط إلى أن يصدق سامر أن زوجته أساءت استخدام المال.

قالت أمي:

— وهذا سهل.

ضحكت مريم.

— خاصة أنه يثق بنا أكثر منها.

ثم قال فارس:

— وبعد ذلك، سيوقع الأوراق دون أن يشك.

تجمدت.

— أي أوراق؟

تابعنا.

أخرج فارس ملفًا من حقيبته ووضعه على الطاولة.

قال:

— هذه هي المستندات التي نحتاج توقيعه عليها.

سألت أمي:

— وهل سيخسر شيئًا؟

أجاب:

— ليس إذا سار كل شيء كما خططنا.

ثم قال جملة جعلتني أضغط على الهاتف بقوة:

— الشركة التي يملكها سامر ستكون تحت سيطرتنا قبل نهاية الشهر.

نظر المحامي إليّ.

— سامر…

قلت:

— أعد التسجيل.

أعدناه.

مرة أخرى.

ثم مرة ثالثة.

لم يكن هناك أي شك.

لم تكن المسألة متعلقة بالـ38 ألف دولار.

كانوا يريدون السيطرة على شركتي.

والأسوأ من ذلك أنهم كانوا يخططون لاستخدام زوجتي ككبش فداء.

جلست على الكرسي وأنا أحدق في الشاشة.

قال المحامي:

— الآن فهمت لماذا كانت والدتك تحاول إقناع البنك بأنك غير قادر على إدارة أموالك.

رفعت رأسي.

— كانت تحاول أن تجعلني أبدو غير أهل لاتخاذ القرارات.

— بالضبط.

ثم أضاف:

— وإذا نجحوا، كان بإمكانهم استخدام ذلك ضدك لاحقًا.

شعرت بالغضب.

لكنني هذه المرة لم أسمح له بالسيطرة عليّ.

قلت:

— ماذا نفعل؟

قال:

— نحافظ على هدوئنا.

ثم أخرج هاتفه.

— وسنتصل بالجهات المختصة.

في ذلك المساء، بدأت الإجراءات الرسمية.

تم توثيق التسجيلات والعمليات البنكية والمراسلات.

كما طلب المحامي حفظ جميع التسجيلات الأصلية حتى لا يستطيع أحد التشكيك في صحتها.

لكن كانت هناك مشكلة.

فارس اختفى.

هاتفه مغلق.

مكتبه مغلق.

والعنوان الذي كان مسجلًا في ملف الشركة لم يعد مستخدمًا.

ثم اكتشفنا شيئًا أخطر.

لقد كان فارس قد حجز رحلة خارج البلاد في الليلة نفسها التي غادرت فيها أمي ومريم الفندق.

قلت:

— إنه يهرب.

أجاب المحامي:

— ربما.

وفي تلك اللحظة، رن هاتفه.

استمع إلى المكالمة لثوانٍ.

ثم نظر إليّ.

— الشرطة تريد مقابلتك غدًا.

أومأت.

— سأذهب.

لكن قبل أن نغادر، وصلتني رسالة من رقم مجهول.

فتحتها.

كانت تحتوي على صورة.

صورة لليلى وطفلنا داخل المستشفى.

تحتها جملة واحدة:

“إذا أردت أن تبقى عائلتك بأمان، توقف عن البحث.”

شعرت بقلبي يتوقف.

رفعت عيني نحو المحامي.

— إنهم يهددون عائلتي.

أخذ الهاتف مني وقرأ الرسالة.

ثم قال:

— لا ترد.

— لكنهم يعرفون مكان المستشفى.

قال:

— وهذا يعني أن علينا نقل ليلى وطفلك فورًا إلى مكان آمن.

اتصلنا بإدارة المستشفى وطلبنا اتخاذ إجراءات أمنية إضافية.

وبعد ساعات، تم نقل ليلى وطفلنا إلى جناح أكثر أمانًا، مع منع أي شخص غير مصرح له من الوصول إليهما.

جلست بجوار سريرها.

كانت نائمة.

نظرت إلى طفلنا.

ثم أقسمت لنفسي:

لن أسمح لأحد بالاقتراب منهما مرة أخرى.

لا أمي.

لا مريم.

ولا فارس.

وفي صباح اليوم التالي، ذهبت إلى الشرطة.

وضعت أمام المحقق كل ما أملك.

التسجيلات.

الحسابات.

الرسائل.

المستندات.

والصورة التي وصلتني.

شاهد المحقق التسجيل الطويل دون أن يقاطعني.

وبعد انتهائه، قال:

— سامر، يبدو أننا لا نتعامل مع قضية سرقة عائلية فقط.

قلت:

— أعرف.

قال:

— لدينا الآن سبب للاعتقاد بأن هناك محاولة للاستيلاء على أصول شركتك باستخدام مستندات مزورة وخطة معدة مسبقًا.

ثم سألني:

— هل تعرف أين توجد والدتك وأختك الآن؟

أجبته:

— آخر ما أعرفه أنهما في الفندق.

ابتسم المحقق ابتسامة صغيرة.

— لم تعودا إلى الفندق.

شعرت بالقلق.

— ماذا؟

قال:

— غادرتا الفندق منذ ساعات.

ثم وضع صورة على الطاولة.

كانت صورة لسيارة سوداء تغادر موقف الفندق.

— وهذه السيارة كانت تنتظرهما.

نظرت إلى الصورة.

ثم رأيت لوحة السيارة.

كانت مسجلة باسم شركة لم أسمع بها من قبل.

رفع المحقق عينيه نحوي وقال:

— نعتقد أن الشخص الذي يقودها هو نفسه الرجل الموجود في تسجيل منزلك.

فارس منصور.

وهكذا، بينما كنت أظن أن أمي وأختي هربتا من الفندق…

كان الثلاثة يلتقون في مكان آخر.

وكان الاجتماع الذي سيكشف الحقيقة كاملة على وشك أن يبدأ.

الجزء قبل الأخير

لم يكن أمامنا وقت طويل.

بعد أن أخبرني المحقق أن أمي ومريم غادرتا الفندق برفقة فارس، أدركت أن الخطة التي بدأوها قبل أسابيع دخلت مرحلتها الأخيرة.

سألته:

— هل تعرفون إلى أين ذهبوا؟

أجاب:

— لدينا فريق يتتبع السيارة، لكننا لا نريد التحرك قبل أن نتأكد من مكان الاجتماع.

قال المحامي عمر:

— دعهم يجتمعون.

نظر إليّ المحقق.

— لماذا؟

أجاب عمر:

— لأن الاجتماع قد يمنحنا الدليل الذي ينقصنا.

كنت أكره الانتظار.

لكنني كنت أعرف أنه محق.

بعد ساعات، وصلتني رسالة من أمي.

“سامر، يجب أن نتحدث وجهًا لوجه. تعال وحدك.”

أريتها للمحقق.

قال:

— لا تذهب.

ثم أضاف:

— لكن يمكننا الاستفادة من الرسالة.

بعد دقائق، تمكن الفريق من تحديد مكان السيارة.

كان منزلًا قديمًا على أطراف المدينة، بعيدًا عن الفندق ومناطق الازدحام.

قلت:

— لماذا هذا المكان؟

قال المحقق:

— يبدو أنه مرتبط بشركة استشارات مالية.

نظر المحامي إلى الأوراق التي بحوزته.

ثم تغير وجهه.

— هذه الشركة هي إحدى الشركات التي ظهرت في المستندات التي أرسلتها مريم.

فهمنا عندها أن الأمر لم يكن صدفة.

كان فارس يستخدم الشركة كواجهة لإخفاء الخطة.

في تلك اللحظة، وصل تسجيل جديد من كاميرا مراقبة قريبة من المنزل.

ظهرت أمي ومريم وهما تدخلان المبنى.

وبعدهما بدقائق دخل فارس.

كانوا مجتمعين معًا.

ثم ظهر رجل رابع.

لم أعرفه.

لكن المحامي عرفه.

قال:

— هذا هو المدير المالي السابق لشركتك.

نظرت إليه مصدومًا.

— ماذا يفعل معهم؟

أجاب:

— يبدو أن لدينا شخصًا آخر في القصة.

بدأ المحقق في تجهيز فريقه.

وفي الوقت نفسه، وصل تسجيل صوتي من داخل المبنى.

لم نسمع كل الكلمات، لكن بعض الجمل كانت واضحة.

قال فارس:

— سامر بدأ يشك.

ردت أمي:

— لا تقلق. لقد جهزنا الأوراق.

قالت مريم:

— وماذا لو رفض التوقيع؟

أجاب الرجل الرابع:

— لن يرفض عندما يرى ما لدينا.

ثم قال فارس:

— وإذا رفض؟

ساد صمت قصير.

ثم قالت أمي:

— سنستخدم الخطة الثانية.

شعرت بقشعريرة.

قلت:

— ما هي الخطة الثانية؟

لكن التسجيل انقطع.

بعد دقائق، تحركت الشرطة.

تم تطويق المبنى بهدوء، ثم دخلت القوات المختصة.

لم يستغرق الأمر وقتًا طويلًا.

خرج فارس أولًا.

ثم المدير المالي السابق.

وبعدهما أمي ومريم.

كانت أمي تصرخ:

— ابني لا يفهم ما يحدث! نحن نحاول حمايته!

لكن لم يكن هناك ما يمكن أن تقوله لتغيير الحقيقة.

تم العثور داخل المبنى على ملفات تحتوي على مستندات تخص شركتي، ونسخ من توقيعاتي، وحسابات بنكية، ومخططات لتحويل ملكية بعض أصول الشركة.

والأخطر…

كان هناك ملف يحمل اسم ليلى.

فتحه المحقق.

كان يحتوي على معلومات طبية خاصة بها، وتقارير من المستشفى، وملاحظات عن حالتها بعد الولادة.

حدقت في أمي.

— من أين حصلتم على هذه؟

لم تجب.

أما مريم، فبدأت تبكي.

قالت:

— لم نكن نريد إيذاءها.

صرخت:

— كنتم تتركونها وطفلي في البرد والجوع!

خفضت رأسها.

— كان الأمر أكبر منا.

قلت:

— إذن من كان يحرككم؟

نظرت إلى فارس.

فهمت الإجابة قبل أن تتكلم.

اقترب المحقق من فارس.

— من كان وراء الخطة؟

ظل صامتًا.

ثم قال:

— لم أفعل شيئًا وحدي.

سأله المحقق:

— من؟

رفع فارس عينيه نحوي.

وقال:

— الشخص الذي كنت ستبرم معه الصفقة في دبي.

شعرت بالصدمة.

لقد كان المدير التنفيذي للشركة التي كنت أعتقد أنها شريكة تجارية لي.

كان يريد إفشال الصفقة والاستيلاء على جزء من شركتي.

أما أمي ومريم، فكانتا تريدان المال والسيطرة على حياتي.

وفارس كان الوسيط بين الطرفين.

أما المدير المالي السابق، فكان يمتلك معلومات داخلية عن الشركة.

كلهم احتاجوا إلى شيء واحد:

أن يجعلوني أبدو غير قادر على إدارة أموالي وقراراتي.

وبعدها كانوا سيجبرونني على توقيع المستندات التي تمنحهم السيطرة.

لكنهم ارتكبوا خطأ واحدًا.

لم يتوقعوا أن أعود مبكرًا.

ولم يتوقعوا وجود الكاميرات.

ولم يتوقعوا أن ليلى ستنجو.

وفي النهاية، كل شيء انقلب ضدهم.

بعد أيام، بدأت الإجراءات القانونية.

تم استرداد جزء كبير من الأموال، وتجميد الأصول المرتبطة بالتحويلات.

أما المستندات المزورة، فتم تسليمها للجهات المختصة.

وقبل أن أغادر مركز الشرطة، اقتربت مني أمي.

كانت مختلفة تمامًا.

لم تعد المرأة الواثقة التي ظهرت في صور الفندق.

قالت بصوت مكسور:

— سامر… أنا أمك.

نظرت إليها طويلًا.

ثم قلت:

— وأنا كنت ابنك.

سكتت.

— لكنك اخترتِ المال عليّ، واخترتِ المال على زوجتي وطفلي.

بدأت تبكي.

لكنني لم أصرخ.

قلت فقط:

— بعض الأخطاء يمكن إصلاحها.

ثم نظرت إلى عينيها.

— لكن ما فعلتموه ليس خطأ.

— كان اختيارًا.

تركتها ومضيت.

وعندما عدت إلى المستشفى، وجدت ليلى مستيقظة.

حملت طفلنا بين ذراعيها.

ابتسمت عندما رأتني.

اقتربت منها وجلست بجوارها.

قالت:

— انتهى الأمر؟

نظرت إلى طفلنا.

ثم إليها.

وقلت:

— نعم.

لكنني كنت أعرف أن أمامنا شيئًا أهم من كل الأموال والشركات والقضايا.

كان علينا أن نبدأ حياتنا من جديد.

وهذه المرة…

لن أسمح لأي شخص أن يقرر قيمة عائلتي بدلًا مني.
الخاتمة

بعد ثلاثة أشهر، تغيرت حياتنا بالكامل.

غادرت ليلى المستشفى وهي بصحة أفضل، وكان طفلنا قد أصبح أكثر قوة ونشاطًا.

استأجرت لنا منزلًا جديدًا في الإسكندرية، بعيدًا عن كل ما يذكرنا بالأيام الماضية.

لم أعد أرى أمي أو مريم.

كانت القضية قد أصبحت رسمية، واستمر التحقيق في الأموال والمستندات المزورة ومحاولة السيطرة على شركتي.

أما فارس والمدير المالي السابق، فقد واجها التهم المتعلقة بالمخطط الذي شاركا فيه.

استعدت معظم الأموال التي سُرقت.

لكنني اكتشفت شيئًا أهم من المال.

الثقة لا تُقاس بقرابة الدم.

في إحدى الليالي، كنت أجلس في غرفة طفلنا وأراقبه وهو نائم.

دخلت ليلى وجلست بجواري.

قالت:

— هل ما زلت تفكر في كل ما حدث؟

ابتسمت.

— أحيانًا.

ثم نظرت إلى طفلنا.

— لكنني كلما رأيته، أشعر أن كل شيء كان يستحق أن نكافح من أجله.

وضعت ليلى رأسها على كتفي.

قالت:

— هل تكرههم؟

فكرت قليلًا.

ثم أجبت:

— لا.

نظرت إليّ باستغراب.

قلت:

— الكراهية ستجعلني أظل أسيرًا لما فعلوه.

ثم أضفت:

— أنا فقط لن أسمح لهم بالدخول إلى حياتنا مرة أخرى.

بعد أيام، وصلتني رسالة من أمي.

كانت قصيرة.

“أعرف أنني خسرتك. وأعرف أنني لا أستحق مسامحتك الآن. لكنني أتمنى أن يأتي يوم تستطيع فيه أن تنظر إليّ دون ألم.”

قرأت الرسالة.

ثم أغلقت الهاتف.

لم أجب.

ليس لأنني أردت الانتقام.

ولكن لأن بعض الأبواب يجب أن تبقى مغلقة حتى تتعافى القلوب.

في صباح اليوم التالي، أخذت ليلى طفلنا وخرجنا إلى الشرفة.

كانت الشمس تشرق فوق الإسكندرية.

حملت ابني بين ذراعي.

نظر إليّ بعينيه الصغيرتين، ثم ابتسم.

ضحكت.

وقلت لليلى:

— أتذكرين أول ليلة؟

قالت:

— نعم.

— كان البرد شديدًا.

أمسكت يدي.

— لكنها انتهت.

نظرت إليها.

— نعم.

ثم نظرت إلى طفلنا.

— وانتهت معها حياة كاملة.

لم يعد المال هو الشيء الذي أخاف فقدانه.

ولا الشركة.

ولا الممتلكات.

أصبحت أعرف أن أغلى شيء يمكن أن يملكه الإنسان هو الأشخاص الذين يقفون بجانبه عندما لا يملك شيئًا.

وأنا كنت محظوظًا.

لأنني عندما عدت إلى المنزل، لم أكتشف فقط سرقة المال.

اكتشفت الحقيقة.

اكتشفت من يحبني حقًا.

واكتشفت أن الكاميرات التي ركبتها لحماية منزلي قبل عامين لم تنقذ أموالي فقط…

بل أنقذت عائلتي.

وفي النهاية، لم يكن انتقامي الحقيقي أن أراهم يخسرون المال أو يواجهون القانون.

كان انتقامي أن أبني حياة أفضل بكثير من الحياة التي حاولوا تدميرها.

حياة لا مكان فيها للخوف.

ولا للكذب.

ولا للخيانة.

فقط أنا، وليلى، وطفلنا…

وعائلة صغيرة اخترنا أن نبنيها من جديد.

النهاية.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى