
وضعت يدي السليمة على صدري.
— «هذا غير منطقي.»
قال الضابط:
— «هناك شيء آخر.»
— «ماذا؟»
أخرج هاتفه وعرض صورة على الشاشة.
كانت صورة لسيارة سوداء تغادر موقف السيارات.
— «هذه السيارة كانت تنتظره.»
ثم اقترب مني وقال:
— «لكننا وجدنا شيئًا داخل سيارته.»
— «ماذا؟»
أخرج ظرفًا صغيرًا.
كان عليه اسمي.
مريم المنشاوي.
شعرت بقلبـي يتسارع.
فتحت الظرف بيدي المرتجفة.
في الداخل كانت هناك ورقة واحدة فقط.
وكان مكتوبًا عليها:
«مريم… إذا كنتِ تقرئين هذه الرسالة، فهذا يعني أنني لم أعد قادرًا على حمايتكِ.»
توقفت عن التنفس.
تابعت القراءة.
«كنت أظن أن إخفاء الحقيقة سيحميكِ، لكنني كنت مخطئًا.»
ثم جاءت الجملة التي جعلتني أشعر بأن كل شيء أعرفه عن عائلتي كان مجرد كذبة:
«أنتِ لم تُصابي في حادث وأنتِ طفلة… لقد كنتِ شاهدة على شيء خطير، وسعاد فعلت كل ما في وسعها حتى تنسيه.»
سقطت الورقة من يدي.
رفعت عيني نحو اللواء محمود.
— «ماذا يعني هذا؟»
لكنه لم يجب.
لأنه كان يحدق في آخر سطر من الرسالة.
ذلك السطر الذي لم أقرأه بعد.
التقط اللواء الورقة، وقرأه بصوت منخفض:
«والشخص الذي يستطيع أن يخبركِ بكل شيء… هو نفس الرجل الذي وقف إلى جانبكِ اليوم عندما كسرت سعاد ذراعكِ.»
ساد الصمت.
نظرت إلى اللواء محمود.
ثم همست:
— «أنت؟»
رفع عينيه نحوي.
ولأول مرة منذ أن قابلته…
رأيت الخوف في وجهه.
ظل اللواء محمود صامتًا لعدة ثوانٍ.
قلت بصوت متوتر:
— «أنت تعرف ماذا حدث في تلك الليلة، أليس كذلك؟»
لم ينكر.
تنهد ببطء، ثم قال:
— «نعم… أعرف جزءًا كبيرًا من الحقيقة.»
شعرت بقلبي يخفق بعنف.
— «ولماذا لم تخبرني؟»
نظر إليّ بحزن.
— «لأنني كنت أعتقد أن الوقت سيأتي عندما تكونين مستعدة لسماعها.»
— «أنا الآن مستعدة.»
خفض عينيه إلى الأرض.
— «في تلك الليلة، كنتِ في السابعة من عمرك. كان والدك على خلاف مع أشخاص يعملون معه، وكانت هناك مستندات اختفت من مكان عمله.»
سألته:
— «وما علاقة سعاد بذلك؟»
— «كانت تعرف مكان المستندات.»
تجمدت.
— «هل كانت تعمل معهم؟»
— «لا أستطيع أن أقول إنها كانت تعمل معهم، لكنني متأكد أنها كانت تعرف أكثر مما ينبغي.»
ثم أخرج اللواء هاتفه، وفتح صورة قديمة.
كانت الصورة لرجل يقف أمام منزل والدي.
عرفت الرجل فورًا.
كان نفس الشخص الذي ظهر في الصورة القديمة.
العقيد سامر فؤاد.
قال اللواء:
— «سامر وصل إلى منزل عائلتك في تلك الليلة بعد أن تلقى بلاغًا عن حادثة.»
— «أي حادثة؟»
صمت لحظة.
— «قالوا إن طفلة أصيبت بعد سقوطها من الدرج.»
ابتلعت ريقي.
— «لكن هذا لم يكن صحيحًا.»
— «لا.»
ثم أضاف:
— «عندما وصل سامر، وجدكِ فاقدة الوعي وذراعك مصابة. لكنه لاحظ شيئًا لم ينسه طوال حياته.»
— «ماذا لاحظ؟»
نظر إليّ مباشرة.
— «كانت هناك آثار إصابة على ذراعك لا تتوافق مع السقوط.»
شعرت بدموعي تنزل.
— «إذن كان يعرف.»
— «نعم.»
— «وأبي؟»
أجاب:
— «كان يعرف أيضًا.»
وضعت يدي على وجهي.
كل ذكريات طفولتي بدأت تتغير أمام عيني.
الدرج.
الضمادة.
الخوف.
وصوت سعاد وهي تطلب مني ألا أخبر أحدًا.
ثم تذكرت شيئًا لم أفكر فيه منذ سنوات.
همست:
— «كانت تقول لي دائمًا: لو أخبرتِ أحدًا بما حدث، سيأخذون أباكِ بعيدًا.»
نظر اللواء إليّ بحدة.
— «ماذا قلتِ؟»
كررت الجملة.
هذه المرة لم يقل شيئًا.
لكنني رأيت في عينيه أنه أدرك شيئًا مهمًا.
قال:
— «إذن ذاكرتك بدأت تعود.»
فجأة، انفتح باب الغرفة بعنف.
دخل أحد ضباط الشرطة العسكرية.
كان يحمل هاتفًا في يده.
— «سيدي، لدينا خبر عن العقيد سامر.»
وقف اللواء فورًا.
— «أين هو؟»
— «اتصل بنا قبل دقائق.»
— «ماذا قال؟»
نظر الضابط إليّ.
ثم قال:
— «قال إن عليه أن يتحدث مع مريم شخصيًا.»
شعرت بالقلق.
— «لماذا؟»
أجاب الضابط:
— «لأنه قال إن والدك ليس في خطر فقط… بل إن سعاد تعرف أنه كان على وشك كشف الحقيقة.»
سألت:
— «وأين والدي الآن؟»
صمت الضابط لحظة.
ثم قال:
— «هذا هو الجزء الأسوأ.»
اقترب مني.
— «وجدنا سيارته متروكة خارج المدينة.»
تجمدت.
— «وماذا عن أبي؟»
— «لم يكن بداخلها.»
ثم وضع هاتفه أمامي.
كانت هناك رسالة وصلت قبل دقائق من هاتف والدي.
فتحتها.
وكانت تحتوي على سبع كلمات فقط:
«مريم، لا تثقي بسعاد… ولا باللواء.»
رفعت عيني ببطء نحو اللواء محمود.
كان وجهه شاحبًا.
وقبل أن أتمكن من سؤاله، رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة.
ثم تجمد.
سألته:
— «من المتصل؟»
لم يجب.
رن الهاتف مرة ثانية.
نظر إليّ وقال:
— «إنه العقيد سامر.»
ثم أجاب المكالمة ووضعها على مكبر الصوت.
جاء صوت رجل مسن ومتعب من الطرف الآخر:
— «محمود… لقد تأخرت كثيرًا.»
قال اللواء:
— «أين أنت؟»
ضحك سامر ضحكة قصيرة بلا فرح.
— «في المكان الذي بدأت منه القصة.»
سأله اللواء:
— «ماذا تقصد؟»
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم قال سامر:
— «أنا في منزل والد مريم القديم.»
شعرت بقشعريرة.
ثم أضاف:
— «وأمامـي الآن سعاد.»
اتسعت عيناي.
لكن سامر لم يتوقف.
قال:
— «وهي ليست وحدها.»
ثم انقطع الاتصال.
نظرنا جميعًا إلى بعضنا.
وفي اللحظة نفسها، وصلتني رسالة جديدة من الرقم المجهول.
فتحتها.
وكانت تحتوي على صورة حديثة.
الصورة كانت لسعاد…
ووالدي…
والعقيد سامر.
وكان الثلاثة يقفون داخل المنزل القديم.
أما خلفهم، على الحائط، فكانت هناك صورة طفولية لي.
وتحت الصورة كُتبت عبارة واحدة:
«الآن حان الوقت لتعرفي لماذا اختاروا أنتِ بالذات لتكوني شاهدة.»
لم أستطع أن أرفع عيني عن الصورة.
كانت سعاد ووالدي والعقيد سامر يقفون داخل منزلنا القديم، والمشهد كله بدا وكأنه جزء من كابوس.
قلت للواء محمود:
— «أريد أن أعرف الحقيقة الآن.»
هز رأسه.
— «وأنا كذلك.»
بعد دقائق، كنا في طريقنا إلى المنزل القديم برفقة الشرطة العسكرية.
لم أكن أعرف ماذا سأجد هناك، لكن شيئًا في داخلي كان يخبرني أن حياتي كلها على وشك أن تتغير.
عندما وصلنا، كان الباب مفتوحًا.
دخلنا بحذر.
كان المنزل مهجورًا منذ سنوات، والغبار يغطي الأثاث القديم.
لكن في غرفة المعيشة، وجدنا العقيد سامر واقفًا أمام سعاد.
أما والدي، فكان جالسًا على كرسي، ووجهه شاحب.
صرخت:
— «أبي!»
رفع رأسه.
وعندما رآني، أغمض عينيه وكأنه كان يتمنى ألا أصل إلى هنا.
قلت:
— «لماذا كذبت عليّ طوال هذه السنوات؟»
لم يجب.
تدخل العقيد سامر:
— «لأنه خاف.»
نظرت إليه.
— «من ماذا؟»
قال:
— «من أن تعرفي أن ما حدث لكِ عندما كنت طفلة لم يكن حادثًا.»
نظرت إلى سعاد.
كانت صامتة.
قلت لها:
— «أنتِ ضربتِني تلك الليلة، أليس كذلك؟»
لم تنكر.
لكنها قالت:
— «لم أكن أريد أن أؤذيكِ.»
ضحكت بمرارة.
— «وأنتِ حطمتِ ذراعي اليوم أيضًا؟»
خفضت عينيها.
ثم قال والدي:
— «كانت هناك مستندات سرية في المنزل. مستندات تخص قضية كبيرة، وكان بعض الأشخاص يريدون استعادتها.»
قال سامر:
— «والدك حاول حماية المستندات، لكنه لم يكن يعلم أن سعاد تعرف مكانها.»
التفتُّ إلى والدي.
— «وأين كانت المستندات؟»
أشار إلى جدار قديم.
— «خلف الصورة.»
اقترب أحد الضباط من الجدار، ورفع الإطار.
كان خلفه تجويف صغير.
لكن المكان كان فارغًا.
قال سامر:
— «المستندات اختفت في تلك الليلة.»
ثم نظر إليّ.
— «لكن كان هناك شيء آخر.»
— «ماذا؟»
قال:
— «أنتِ رأيتِ من أخذها.»
شعرت بقشعريرة.




