منوعات

القصة كاملة للنهاية بقلم محمد عبده

لم تكن كمية كبيرة.

لكن التعرض المتكرر لها يمكن أن يسبب أعراضًا مثل الإرهاق والصداع وضعف التركيز وفقدان الشهية.

جلس ياسين وكأنه تلقى ضربة.

“هل تقول إنهما كانا يتعرضان للتسمم؟”

قال الطبيب:

“لا أستطيع استخدام هذه الكلمة قبل اكتمال التحاليل.”

ثم أضاف:

“لكن هناك تعرضًا غير طبيعي لمادة ما.”

التفت ياسين إلى الدكتور ماهر.

“منذ متى وأنت تعرف؟”

قال الطبيب:

“لا أعرف شيئًا.”

“إذن لماذا كنت تعارض فحص نظام التهوية؟”

“لأنك تستمع إلى مربية بدلًا من الأطباء!”

صرخ ياسين:

“هذه المربية اكتشفت شيئًا لم تكتشفه أنت خلال أحد عشر شهرًا!”

ساد الصمت.

خرج الدكتور ماهر من الغرفة غاضبًا.

لكنني لاحظت شيئًا.

قبل أن يغادر، نظر إلى السيدة نوال.

كانت واقفة عند الباب.

وتبادلا نظرة قصيرة جدًا.

لكنها لم تفُتني.

انتظرت حتى غادر الطبيب.

ثم اقتربت من نوال.

قلت بهدوء:

“أنتِ تعرفين شيئًا.”

قالت:

“لا.”

“إذن لماذا كنتِ خائفة عندما رأيتِ فتحة التهوية؟”

لم تجب.

“ولماذا يستخدم منظف خاص في هذا الممر بناءً على تعليمات الدكتور ماهر؟”

بدأت عيناها تمتلئان بالدموع.

قالت:

“لا أستطيع.”

“لا تستطيعين ماذا؟”

“الكلام.”

“لماذا؟”

نظرت نحو الباب.

ثم همست:

“لأنني إذا تكلمت، سيؤذيهم.”

توقفت أنفاسي.

“من؟”

لكنها لم تجب.

دخل ياسين في تلك اللحظة.

كانت نوال ترتجف.

قال لها:

“نوال، إذا كنت تعرفين شيئًا عن مرض ابنيّ، يجب أن تخبريني.”

هزت رأسها.

“أنا آسفة.”

ثم استدارت وركضت نحو المطبخ.

تبعتها.

لكنها أغلقت الباب خلفها.

سمعت صوت درج يُفتح.

ثم صوت شيء معدني يسقط.

عندما دخلت، كانت تقف أمام خزانة صغيرة.

وفي يدها مفتاح.

قلت:

“ما هذا؟”

بكت.

“هذا مفتاح غرفة لا يدخلها أحد.”

سأل ياسين:

“أي غرفة؟”

نظرت إليه.

“غرفة السيدة ريم.”

تجمد ياسين.

كانت تلك أول مرة أرى فيها الخوف الحقيقي في عينيه.

قال:

“غرفة زوجتي مغلقة منذ وفاتها.”

أجابته:

“أعرف.”

ثم أضافت:

“لكن الدكتور ماهر يدخل إليها أحيانًا.”

ساد الصمت.

اقترب ياسين منها.

“ماذا يوجد هناك؟”

قالت:

“لا أعرف كل شيء.”

“لكنني رأيت شيئًا.”

أعطته المفتاح.

“قبل وفاة السيدة ريم بأسبوعين، طلبت مني ألا أسمح لأي شخص بفتح خزانة معينة داخل غرفتها.”

ثم نظرت إليّ.

“وقالت لي إذا حدث لها شيء…”

توقفت.

قلت:

“ماذا قالت؟”

أجابت بصوت مرتجف:

“قالت: إذا حدث لي شيء، لا تثقي بالطبيب.”

تجمد ياسين.

ثم أخذ المفتاح.

وصعدنا جميعًا إلى غرفة ريم.

كان الباب مغطى بطبقة من الغبار.

فتح ياسين القفل.

دخلنا.

كل شيء كان كما تركته قبل أربع سنوات.

صور.

كتب.

عطر قديم.

ومكتب صغير.

تقدمت نحو الخزانة.

كان القفل مختلفًا عن بقية الأقفال.

أدخل ياسين المفتاح.

فتحها.

في الداخل كان هناك صندوق معدني صغير.

فتحه.

وجدنا ملفات.

صورًا.

وذاكرة إلكترونية صغيرة.

وفي أعلى الملفات ورقة مكتوب عليها بخط يد ريم:

“إذا وصلتم إلى هذه الرسالة، فهذا يعني أنني لم أكن مخطئة.”

رفع ياسين الورقة بيد مرتجفة.

ثم قرأ السطر التالي:

“أطفالي لم يمرضوا وحدهم.”

نظر إليّ.

ثم قلب الورقة.

وكانت هناك جملة واحدة جعلت الدم يتجمد في عروقي:

“الشخص الذي يقتلهم ببطء… يعيش تحت سقف هذا المنزل.”
نكمل من لحظة اكتشاف الرسالة:

ظل ياسين واقفًا أمام الخزانة، والورقة ترتجف بين أصابعه.

قرأ الجملة مرة أخرى.

“الشخص الذي يقتلهم ببطء… يعيش تحت سقف هذا المنزل.”

ثم قال بصوت مبحوح:

“كانت تعرف.”

قلت:

“يبدو أنها كانت تشك في شخص محدد.”

أشار إلى الذاكرة الإلكترونية.

“علينا أن نعرف ماذا يوجد هنا.”

وضعها في جهاز الكمبيوتر الموجود على المكتب.

ظهر ملف واحد فقط.

اسمه:

“آدم وآسر.”

فتحه.

كانت هناك عشرات الصور الطبية.

تقارير.

مواعيد.

ومقاطع فيديو قصيرة.

لكن الملف الأخير كان مختلفًا.

كان تسجيلًا مصورًا لريم نفسها.

جلست أمام الكاميرا، ويبدو أنها كانت تسجل الرسالة قبل وفاتها بفترة قصيرة.

قالت:

“ياسين، إذا كنت تشاهد هذا، فإما أنني لم أستطع إقناعك بما اكتشفته، أو أن شيئًا حدث لي.”

توقف ياسين عن التنفس تقريبًا.

تابعت ريم:

“منذ أشهر وأنا ألاحظ تغيرًا في صحة الأولاد. كل مرة أستشير فيها الدكتور ماهر، يقول إنها حالة وراثية أو نفسية.”

ثم ظهرت على وجهها علامات الخوف.

“لكنني اكتشفت شيئًا لا يستطيع تفسيره.”

ضغطت على الشاشة.

ظهرت صورة لعلبة دواء.

قالت:

“وجدت هذه العبوة في غرفة الطبيب.”

ثم ظهرت صورة أخرى.

“وهذه العبوة نفسها وُجدت في مخزن مواد التنظيف.”

نظرت ريم مباشرة إلى الكاميرا.

“بدأت أشك أن الأولاد لا يعانون من مرض طبيعي.”

شهق ياسين.

ثم أضافت:

“وعندما حاولت إخبار ياسين، سبقني شخص ما.”

توقف التسجيل فجأة.

نظر ياسين إلى الشاشة.

“ماذا حدث بعدها؟”

لم يجب أحد.

فتحنا ملفًا آخر.

كان يحتوي على تسجيل صوتي فقط.

ضغط ياسين عليه.

جاء صوت ريم:

“لا أستطيع الوثوق بأحد هنا.”

ثم صوت رجل بعيد.

توقفت.

وبعد ثوانٍ قالت:

“إذا حدث لي شيء، ابحثوا في نظام التهوية.”

ثم انتهى التسجيل.

ساد الصمت.

قلت:

“الآن نعرف لماذا كانت خائفة.”

قال ياسين:

“لكننا لا نعرف من فعل ذلك.”

في تلك اللحظة، سمعنا صوت باب يغلق في الطابق السفلي.

التفتنا جميعًا.

قالت نوال:

“لم يكن هناك أحد آخر في المنزل.”

أخذ ياسين هاتفه.

اتصل بالأمن.

لكن لم يرد أحد.

اتصل مرة أخرى.

لا إجابة.

قال:

“ابقوا هنا.”

نزل إلى الطابق السفلي.

تبعته رغم اعتراضه.

عندما وصلنا إلى غرفة المراقبة، وجدنا الحارس ملقى على الأرض.

كان فاقدًا للوعي، لكنه يتنفس.

وأجهزة المراقبة كانت مطفأة.

قال ياسين:

“أغلقوا الكاميرات.”

نظرت إلى الشاشة السوداء.

“منذ متى؟”

قال:

“قبل سبع دقائق.”

ثم رأينا باب القصر الرئيسي مفتوحًا.

كان هناك شخص قد غادر.

ركض ياسين إلى الخارج.

لكن السيارة كانت قد اختفت.

عاد بعد دقائق.

وفي يده شيء صغير.

قال:

“وجدت هذا قرب البوابة.”

كان هاتفًا محمولًا.

هاتف قديم.

فتحناه.

لم يكن عليه سوى رقم واحد محفوظ.

الدكتور ماهر.

نظر ياسين إليّ.

“الآن لدينا دليل.”

قلت:

“لدينا خيط، وليس دليلًا.”

فجأة وصل إشعار إلى الهاتف.

رسالة جديدة.

فتحها ياسين.

كانت قصيرة:

“إذا أردت إنقاذ ابنيك، لا تثق بالشخص الذي يبحث عن الحقيقة معك.”

رفع ياسين عينيه ببطء.

نظر إليّ.

ثم إلى نوال.

لم يتكلم.

قلت:

“هذه الرسالة وصلت الآن.”

قال:

“أعرف.”

“والشخص الذي أرسلها يعرف أين نحن.”

في تلك اللحظة، جاء صوت من أعلى الدرج.

كان صوت آدم.

“سارة؟”

صعدنا بسرعة.

كان آدم واقفًا أمام غرفته.

وجهه شاحب.

قال:

“هناك شخص كان هنا.”

انحنى ياسين أمامه.

“من؟”

أشار آدم إلى الغرفة.

“رأيته.”

دخلنا.

كانت النافذة مفتوحة.

رغم أن الغرفة تقع في الطابق الثاني.

اقتربت من النافذة.

وجدت شيئًا عالقًا في الستارة.

قطعة قماش سوداء.

وعليها شعار صغير مطرز.

تعرفت عليه فورًا.

كان الشعار الموجود على ملابس عمال الصيانة الذين يدخلون القصر.

لكن آدم قال شيئًا جعل الجميع يصمت:

“لم يكن عامل صيانة.”

سألته:

“كيف تعرف؟”

قال:

“لأنه كان يرتدي ساعة مثل ساعة الدكتور ماهر.”

نظر ياسين إلى ساعته.

ثم قال:

“أين الدكتور ماهر الآن؟”

فتحت السيدة نوال فمها.

لكن قبل أن تتكلم، سمعنا صوت سيارة تتوقف أمام القصر.

نظرنا من النافذة.

كان الدكتور ماهر قد عاد.

لكن هذه المرة لم يكن وحده.

خرج من السيارة رجل آخر.

وكان يحمل حقيبة معدنية.

قالت نوال بصوت مرتجف:

“يا إلهي…”

سألها ياسين:

“ماذا؟”

أشارت إلى الرجل.

“هذا هو الرجل الذي رأيته يدخل غرفة ريم قبل وفاتها.”

ثم التفتت إليّ.

“إنه ليس طبيبًا.”

قال ياسين:

“إذن من هو؟”

أجابت:

“كان زوج السيدة ريم السابق.”

تجمد ياسين.

“ريم لم تكن متزوجة قبلي.”

هزت نوال رأسها.

“أعرف.”

ثم قالت:

“لأنه لم يكن زوجها…”

وتوقفت لحظة قبل أن تكمل:

“كان شقيقها التوأم.”

وفي تلك اللحظة، انطفأت أنوار القصر بالكامل.
أكيد، هذا الجزء قبل الأخير، ونكمل فيه تصاعد الأحداث تمهيدًا للنهاية:

انطفأت أنوار القصر بالكامل.

ساد الظلام.

لم نسمع سوى صوت المطر وهو يضرب النوافذ.

ثم جاء صوت خطوات من الطابق السفلي.

خطوة…

ثم أخرى.

أمسك ياسين بيدي وقال:

“ابقَي خلفي.”

لكنني كنت أفكر في شيء واحد.

شقيق ريم التوأم.

إذا كان موجودًا بالفعل، فلماذا أخفت ريم أمره عن ياسين؟

ولماذا كان الدكتور ماهر معه؟

أضاء ياسين مصباح هاتفه.

بدأنا ننزل الدرج ببطء.

وفجأة ظهر رجل أمامنا.

كان يحمل حقيبة معدنية.

رفع ياسين صوته:

“قف مكانك!”

توقف الرجل.

ثم قال:

“أنا لا أريد إيذاء أحد.”

عرفت صوته.

كان الصوت الذي سمعناه في التسجيل القديم.

قال ياسين:

“من أنت؟”

أجاب:

“اسمي نديم.”

تقدم خطوة.

“وأنا شقيق ريم.”

قال ياسين بغضب:

“أين كنت طوال هذه السنوات؟”

نظر نديم إليه بحزن.

“أحاول أن أصل إليك.”

ضحك ياسين بسخرية.

“وتوصل رسالتك بإرسال أشخاص إلى منزلي ليلًا؟”

هز نديم رأسه.

“لم أرسل أحدًا.”

ثم أشار إلى الدكتور ماهر.

“هو من كان يفعل ذلك.”

التفت ياسين إلى الطبيب.

كان ماهر واقفًا خلفه.

وجهه شاحب.

قال:

“لا تصدقه.”

نديم أخرج من حقيبته مجموعة من الملفات.

“ريم كانت تعرف أن الأولاد يتعرضون لمادة يتم ضخها عبر التهوية.”

ثم نظر إلى ياسين.

“لكنها لم تعرف من المسؤول.”

قلت:

“وماذا عنك؟”

قال:

“اكتشفت الحقيقة بعد وفاتها.”

فتح أحد الملفات.

كانت هناك نتائج تحاليل وصور لنظام التهوية.

ثم قال:

“الدكتور ماهر كان يضيف مادة معينة إلى نظام التهوية بجرعات صغيرة.”

تراجع ياسين خطوة.

“لماذا؟”

قال نديم:

“لإظهار أعراض مرض غامض.”

ثم أضاف:

“كان يريد أن يجعل الجميع يعتقد أن الطفلين مصابان بمرض وراثي لا علاج له.”

صرخ ياسين:

“لماذا؟!”

صمت نديم للحظة.

ثم قال:

“لأن هناك وثيقة.”

أخرج ورقة قديمة.

“ريم كانت قد اكتشفت أن جزءًا كبيرًا من ثروتك سيتم تحويله إلى صندوق خاص إذا حدث لك شيء.”

نظر ياسين إليه بدهشة.

“ماذا تقصد؟”

قال نديم:

“الدكتور ماهر لم يكن يعمل وحده.”

نظر الجميع إليه.

ثم قال:

“كان هناك شخص آخر يمول كل شيء.”

سألته:

“من؟”

قبل أن يجيب، قال الدكتور ماهر:

“كفى!”

وأخرج هاتفه.

لكن نديم كان أسرع.

أمسك بيده وأسقط الهاتف.

صرخ الطبيب:

“أنت لا تعرف ما تفعله!”

قال نديم:

“بل أعرف أكثر مما تتخيل.”

ثم التفت إلى ياسين.

“الشخص الذي يقف خلف كل هذا ليس غريبًا عنك.”

تجمد ياسين.

“من؟”

نظر نديم إلى السيدة نوال.

كانت تبكي.

قال:

“اسألها.”

التفت الجميع إليها.

قال ياسين:

“نوال؟”

انهارت على الكرسي.

“أنا آسفة.”

اقترب منها.

“ماذا تعرفين؟”

قالت:

“السيدة ريم اكتشفت أن شخصًا من العائلة كان يزور الدكتور ماهر سرًا.”

“من؟”

لم تجب.

صرخ ياسين:

“من؟!”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى