منوعات

القصة كاملة للنهاية بقلم محمد عبده

رفعت رأسها أخيرًا.

وقالت:

“والدك.”

ساد الصمت.

نظر ياسين إليها وكأنه لم يفهم.

“أبي مات قبل ثلاث سنوات.”

هزت رأسها.

“أعرف.”

ثم أخرجت من جيبها صورة قديمة.

كان والد ياسين يقف فيها مع الدكتور ماهر.

وخلفهما رجل ثالث.

رجل لم يتعرف عليه ياسين في البداية.

لكنني تعرفت عليه.

كان الرجل الذي ظهر في تسجيلات المراقبة.

قلت:

“هذا هو الشخص الذي كان يرش المادة داخل التهوية.”

نظر ياسين إلى الصورة.

ثم قلبها.

كانت هناك كتابة على ظهرها:

“الخطة تبدأ بعد وفاة ريم.”

رفع ياسين عينيه.

“لكن والدي كان ميتًا وقت بدء الأعراض.”

قال نديم:

“لأن الخطة لم تبدأ معه.”

ثم نظر إلى الدكتور ماهر.

“بدأت مع الشخص الذي ورث نفوذه.”

تراجع ياسين.

“من؟”

ابتسم الطبيب ابتسامة صغيرة.

ثم قال:

“أنت.”

لم أفهم.

لكن نديم فهم.

قال:

“لقد أرادوا أن يجعلوك تصدق أن ابنيك سيموتان، وأنك بحاجة إلى وصي على ثروتك.”

ثم أضاف:

“لكنهم لم يتوقعوا أن تظهر سارة.”

نظر إليّ الجميع.

قلت:

“لماذا أنا؟”

قال نديم:

“لأن ريم كانت تبحث عن شخص لا يعرف شيئًا عن العائلة.”

ثم أخرج آخر ملف من الحقيبة.

“وهذا الملف يحمل اسمك.”

فتحته.

كانت بداخله تقارير عني.

مكان عملي السابق.

خبرتي.

وحتى سبب اختياري لهذه الوظيفة.

لكن في الصفحة الأخيرة كانت هناك جملة واحدة:

“إذا وصلت سارة إلى المنزل، فاعلم أن ريم كانت تعرف أنها ستأتي.”

نظرت إلى ياسين.

“ريم كانت تعرفني؟”

هز نديم رأسه.

“لم تقابلك.”

ثم قال:

“لكنها اختارتك قبل وفاتها.”

في تلك اللحظة، بدأ أحد أجهزة القصر بالصفير.

ركضنا إلى غرفة الصبيين.

كان جهاز قياس التنفس يعطي إنذارًا.

آسر كان مستلقيًا على السرير.

وعلى الشاشة ظهرت قراءة غير طبيعية.

لكن الطبيب الذي فحصه لم يكن الدكتور ماهر.

كان طبيب الطوارئ الذي استدعاه ياسين.

قال:

“هناك شيء في الهواء.”

نظرنا إلى فتحة التهوية.

كانت تعمل من جديد.

رغم أن النظام تم إيقافه.

ثم ظهرت رسالة على شاشة التحكم:

“المرحلة الأخيرة بدأت.”

رفع ياسين هاتفه.

رن رقم مجهول.

أجاب.

جاء صوت امرأة.

صوت هادئ.

بارد.

قالت:

“ياسين… إذا أردت أن يعيش ابناك، أحضر لي الملف الذي وجدته ريم.”

ثم أضافت:

“وإذا أخبرت الشرطة…”

توقفت لحظة.

“فلن يريا شروق الشمس.”

انقطع الاتصال.

نظر ياسين إليّ.

كان يعرف الآن أن المواجهة الحقيقية بدأت.

لكنني كنت أنظر إلى شيء آخر.

إلى اسم ظهر على شاشة الهاتف بعد انتهاء المكالمة.

المتصل الأخير: ريم العطار.
نكمّل الجزء الأخير ونكشف الحقيقة كاملة:

ظل ياسين يحدق في شاشة هاتفه.

اسم المتصل ما زال ظاهرًا أمامه:

ريم العطار.

قال بصوت منخفض:

“هذا مستحيل.”

اقتربت منه.

“ربما الرقم لم يُلغَ.”

لكن نديم هز رأسه.

“لا.”

نظرنا إليه.

قال:

“هذا الرقم أُلغي قبل أربع سنوات.”

ساد الصمت.

ثم فهمت شيئًا.

قلت:

“إذن شخص ما يستخدم رقم ريم.”

أجاب نديم:

“بالضبط.”

رفع ياسين عينيه إلى الدكتور ماهر.

“أنت.”

هز الطبيب رأسه.

“لا.”

لكن صوته لم يكن مقنعًا.

في تلك اللحظة، وصل رجال الأمن الذين استدعاهم ياسين من خارج القصر.

أعطاهم ياسين التسجيلات والملفات.

ثم طلب منهم تفتيش نظام التهوية بالكامل.

وبعد دقائق، عثروا على جهاز صغير مخفي داخل لوحة التحكم.

كان الجهاز يسمح بتشغيل النظام وإيقافه عن بُعد.

وعليه رقم هاتف مسجل.

تتبعه رجال الأمن.

وكان الرقم مرتبطًا بشركة وهمية.

لكن نديم كان يعرف اسم صاحبها الحقيقي.

قال:

“هذه الشركة أسسها الدكتور ماهر قبل عامين.”

لم يعد الطبيب قادرًا على الإنكار.

جلس على الكرسي.

وقال:

“لم يكن الأمر من المفترض أن يصل إلى هذا الحد.”

صرخ ياسين:

“كنت تقتل ابنيّ!”

رد الطبيب:

“لم أكن أريد قتلهما.”

“إذن ماذا كنت تريد؟”

خفض رأسه.

“كنت أريد أن أجعلك تصدق أنهما لن ينجوا.”

سأله ياسين:

“لماذا؟”

نظر الطبيب إليه.

“لأنك كنت ستفعل أي شيء لإنقاذهما.”

قلت:

“حتى توقيع أوراق نقل ثروتك؟”

رفع الطبيب عينيه إليّ.

صمت.

وهذا الصمت كان إجابة كافية.

لكن بقي سؤال واحد.

من كانت المرأة التي اتصلت بنا باستخدام رقم ريم؟

قبل أن نتمكن من معرفة ذلك، وصلت الشرطة إلى القصر.

وبعد مراجعة الأدلة، تم القبض على الدكتور ماهر.

أما نوال، فقد اعترفت بكل ما تعرفه.

قالت إنها كانت ترى الطبيب يدخل غرفة ريم قبل وفاتها.

وأن ريم أخبرتها قبل الحادث بأنها تشك في وجود مؤامرة.

لكنها كانت خائفة من الكلام.

بعد أيام، وصلت نتائج التحاليل النهائية.

أكدت أن التوأمين تعرضا لفترة طويلة لمادة ضارة عبر نظام التهوية.

والأطباء أكدوا أن حالتهما يمكن أن تتحسن بعد توقف التعرض.

مرت أسابيع.

ثم أشهر.

وبدأ آدم وآسر يستعيدان قوتهما تدريجيًا.

في أول صباح استطاعا فيه الركض من غرفة إلى أخرى، وقف ياسين في الممر وهو يبكي.

لم يحاول إخفاء دموعه.

قال لي:

“كنت أعتقد أن المال يستطيع شراء أي إجابة.”

ابتسمت.

“لكنه لم يستطع شراء الملاحظة التي احتاجها ابناك.”

ضحك لأول مرة منذ عرفته.

لكن القضية لم تنتهِ.

كان هناك شيء واحد ما زال يؤرقني.

المكالمة من رقم ريم.

بحث نديم في الأمر أكثر.

وبعد أسبوع، عاد إلى القصر ومعه ملف جديد.

وضعه أمام ياسين.

وقال:

“عرفنا من كانت المرأة.”

فتح ياسين الملف.

ثم تجمد.

كانت صورة امرأة تقف أمام مبنى قديم.

قلت:

“من هذه؟”

قال نديم:

“ليلى.”

سأل ياسين:

“من تكون؟”

أجاب:

“مساعدة ريم السابقة.”

ثم كشف المفاجأة.

“كانت ريم قد طلبت منها، قبل وفاتها، أن تختفي تمامًا إذا حدث لها شيء.”

لكن لماذا عادت الآن؟

قال نديم:

“لأنها كانت تملك الدليل الأخير.”

أخرج تسجيلًا صوتيًا.

كان صوت ريم.

واضحًا هذه المرة.

قالت:

“إذا وصلتِ إلى هذه المرحلة، فهذا يعني أنني لم أعد موجودة.”

ثم سكتت لحظة.

“لا تثقي بما يقوله الأطباء.”

ثم قالت الجملة التي غيرت كل شيء:

“ياسين ليس الهدف.”

توقفت.

“أولادي هم الطُعم.”

ثم ظهر صوت رجل في الخلفية.

صوت والد ياسين.

قال:

“وعندما يوقّع ياسين الأوراق، تصبح الشركة ملكنا.”

توقف التسجيل.

ظل ياسين صامتًا.

كان والده قد مات، لكن الخطة التي بدأها استمرت بعد وفاته.

أما الدكتور ماهر، فكان ينفذها مقابل المال والنفوذ.

أما حادث ريم، فلم يكن حادثًا عاديًا بحسب الأدلة التي ظهرت لاحقًا.

لكن أهم شيء هو أن ريم تركت وراءها خطة احتياطية.

اختارت نديم.

واختارت ليلى.

واختارتني أنا بطريقة غير مباشرة.

لم تكن تعرفني شخصيًا.

لكنها كانت تعرف نوع الشخص الذي تحتاجه.

شخصًا يراقب التفاصيل الصغيرة.

شخصًا لا يهتم بثروة ياسين.

وشخصًا لن يصدق أن مرض طفلين يمكن تفسيره بجملة واحدة.

بعد أشهر، عاد آدم وآسر إلى المدرسة.

وفي أول يوم لهما، ركضا نحو السيارة دون مساعدة.

وقف ياسين يراقبهما من بعيد.

ثم التفت إليّ.

قال:

“لم أنقذ أبنائي.”

نظرت إليه.

“بل أنقذتهم لأنك صدقت الحقيقة في النهاية.”

هز رأسه.

“لا.”

ابتسم.

“أنتِ من أعطيتني فرصة لأصدقها.”

غادرت القصر بعد انتهاء مهمتي.

لم أطلب مكافأة.

ولم أطلب مالًا إضافيًا.

لكن بعد أسبوع، وصلتني رسالة من ياسين.

كان بداخلها خطاب واحد.

كتب فيه:

“هناك أشياء لا تستطيع الثروة شراءها.”

ثم أضاف:

“الثقة واحدة منها.”

وتحتها جملة أخيرة:

“أما أنتِ، فقد أثبتِّ أن ملاحظة شيء صغير يمكن أن تنقذ حياة كاملة.”

أغلقت الرسالة وابتسمت.

كنت أظن أنني دخلت ذلك القصر لأعتني بتوأمين مريضين.

لكنني اكتشفت في النهاية أن مهمتي الحقيقية كانت أكبر بكثير.

كنت هناك…

لكشف الحقيقة التي حاول الجميع دفنها.
تمت
حكايات محمد عبده

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى