منوعات

الجزء الاخير بقلم محمد عبده

“كانت تكتب لك كل سنة.”

“لكن الرسائل لم تصل إليك.”

نظرت سلمى إلى والدتها.

قالت:

“فين الرسائل؟”

والدتها أشارت إلى حقيبة صغيرة كانت تحملها.

فتحتها.

كانت مليئة بعشرات الخطابات.

واحد لكل سنة تقريبًا.

سلمى لمستها بأصابع مرتعشة.

“كل دي ليا؟”

والدتها قالت:

“كنت بكتب لك كل سنة… وأتمنى إنك في يوم من الأيام تقريهم.”

احتضنتها سلمى.

وفي وسط اللحظة المؤثرة دي، سمعت عمر يقول:

“لكن فيه حاجة واحدة لسه ما عرفناهاش.”

بصيت له.

“إيه؟”

قال:

“مين حاول يمنعني من الوصول للحقيقة في الأيام الأخيرة؟”

ثم نظر إلى المحامي.

المحامي بدأ يتراجع.

عمر قال:

“أنت كنت بتبعت المعلومات لحد من داخل العيلة.”

المحامي سكت.

سألته:

“مين؟”

لم يرد.

عمر أخرج هاتفه وشغل تسجيلًا آخر.

وجاء صوت المحامي نفسه وهو يقول:

“لو عمر وصل للمستندات، كل شيء هينكشف.”

ثم جاء صوت شخص آخر من التسجيل.

صوت امرأة.

صوت مألوف جدًا.

اتجمدت مكاني.

كان صوت أمي.

نظرت إليها بصدمة.

لكن عمر قال بسرعة:

“اسمعي التسجيل للآخر قبل ما تحكمي عليها.”

استمر الصوت:

“أنا مستعدة أقول كل الحقيقة… حتى لو ده هيخليني أخسر عيلتي.”

ثم جاء صوت المحامي:

“ولو رفضتي؟”

قالت أمي:

“هبلغ بنفسي.”

انتهى التسجيل.

لم أقدر أتكلم.

أمي بكت وقالت:

“أنا حاولت أصلح اللي حصل… لكني تأخرت سنين.”

عمر اقترب منها.

وقال:

“المهم إنك أخيرًا اتكلمتي.”

لكن فجأة، ظهر على هاتف عمر إشعار جديد.

قرأه.

ثم رفع رأسه.

وقال:

“وصلت الرسالة.”

سألته:

“رسالة إيه؟”

قال:

“النسخة الأخيرة من المستندات خرجت من مكانها.”

ثم نظر إلى سلمى.

“وفيه شخص واحد بس كان يقدر يوصل لها.”

سلمى سألت:

“مين؟”

عمر لم يجب.

أخرج صورة قديمة من الملف.

وفي الصورة ظهر رجل يقف بجوار والد سلمى.

لكن المفاجأة أن الرجل لم يكن غريبًا علينا.

كان والدي.

وفي ظهر الصورة جملة بخط والدتي:

“هذا هو اليوم الذي بدأت فيه الكذبة كلها.”

رفعت عيني ناحية أبي.

لكنه لم يعد موجودًا.

لقد اختفى من المكان.

وهنا أدركت أن المواجهة الأخيرة لم تبدأ بعد…

بل كانت قد بدأت بالفعل، وأبي كان يحمل آخر قطعة في اللغز.
الجزء التاسع
خرجنا من البيت بسرعة، وعمر كان ماسك الصورة القديمة في إيده.

كان واضح إن والدي هرب قبل ما نقدر نوقفه.

سلمى كانت واقفة ساكتة، وإيدها في إيد والدتها.

قالت بصوت مكسور:

“أنا مش عايزة أصدق إن أبو ياسمين له علاقة بكل ده.”

عمر رد بهدوء:

“وأنا كمان ما كنتش عايز أصدق… علشان كده فضلت أدور على دليل.”

وفجأة، رن هاتفه.

رقم مجهول.

رد عمر.

جاء صوت رجل عجوز:

“لو عايز تعرف الحقيقة كاملة، تعالى على المكان اللي بدأت منه الحكاية.”

عمر سأله:

“مين أنت؟”

الرجل لم يجب.

قال فقط:

“ومعاك سلمى… لوحدها.”

ثم أغلق الخط.

نظرت إلى عمر.

“إيه المكان اللي بدأت منه الحكاية؟”

أجاب:

“البيت القديم.”

رجعنا للمكان الذي بدأت فيه كل الأسرار.

وبمجرد ما دخلنا، لاحظ عمر شيئًا غريبًا.

على الحائط كانت هناك صورة قديمة للعائلة.

أشار إليها وقال:

“الصورة دي كانت موجودة هنا من يوم ما كنت طفل.”

اقترب منها.

ثم رفعها من مكانها.

وخلفها وجد تجويفًا صغيرًا.

داخله مفتاح آخر.

لكن هذه المرة كان معه ورقة.

فتحها وقرأ:

“الحقيقة ليست في الأوراق… الحقيقة في الشخص الذي حفظ الأوراق.”

سلمى قالت:

“يعني إيه؟”

عمر ظل يفكر.

ثم قال:

“المحامي.”

رجعنا إليه.

وفي البداية أنكر كل شيء.

لكن عندما وضع عمر التسجيل أمامه، انهار الرجل.

قال:

“أنا ما كنتش عايز أذي عمر.”

رد عمر:

“أمال كنت عايز تعمل إيه؟”

المحامي أخذ نفسًا طويلًا.

“كنت عايز أمنع الحقيقة من الظهور… لأن والدك أجبرني.”

قلت:

“أبويا؟”

هز رأسه.

“والدك كان يعرف إن أم سلمى هي صاحبة الحق الحقيقي في الأرض والأموال.”

سلمى سألت:

“طب ليه أخد حقي؟”

المحامي صمت لحظات.

ثم قال:

“لأن والدك كان شريكًا في المشروع القديم… ولما المشروع خسر، كان لازم حد يتحمل الخسارة.”

عمر قاطعه:

“فحملوها هي المسؤولية؟”

“بالضبط.”

ثم أضاف:

“لكن أم سلمى اكتشفت التلاعب في الحسابات، وكانت هتبلغ.”

سلمى بدأت تبكي.

“وعشان كده أبعدوني عنها؟”

المحامي هز رأسه.

“كانوا خايفين لو رجعت لبنتها، تفتح القضية من جديد.”

عمر وضع يده على كتف سلمى.

ثم قال للمحامي:

“بس لسه سؤال واحد.”

رفع الرجل عينيه.

“مين كان صاحب الفكرة من البداية؟”

المحامي نظر لنا جميعًا.

وقال:

“مش والد ياسمين.”

ساد الصمت.

ثم أخرج من درج مكتبه صورة أخرى.

ووضعها أمام عمر.

“الرجل ده هو اللي كان بيدير كل شيء من البداية.”

نظرت إلى الصورة.

وتجمدت.

لأنني عرفته فورًا.

كان عم عمر.

الشخص الذي حذرنا منه عمر أكثر من مرة.

لكن المفاجأة الأكبر كانت في الورقة الموجودة خلف الصورة.

كان عليها توقيع قديم.

وتحت التوقيع جملة قصيرة:

“كل شيء تم بموافقة عمر نفسه.”

سلمى رفعت رأسها ناحية زوجها.

“عمر… إيه معنى الكلام ده؟”

عمر ظل صامتًا.

ثم قال:

“معناه إن فيه جزء من الحقيقة أنا ما قلتوش لك.”

سلمى تراجعت خطوة.

“إيه الجزء ده؟”

عمر أغمض عينيه للحظات.

وقال:

“قبل ما أتجوزك… أنا كنت عارف إنك الوريثة.”

سلمى لم تستطع الكلام.

“وعرفت إن أمك عايشة.”

شهقت.

“من إمتى؟”

قال عمر:

“من قبل جوازنا بسنة.”

نظرت إليه بصدمة.

ثم قالت:

“يعني كل السنين دي كنت عارف؟”

عمر اقترب منها.

“كنت عارف جزء من الحقيقة… لكني ما كنتش عارف كل اللي حصل.”

سلمى سحبت يدها.

“وأنا كنت فاكرة إنك اخترتني علشان بتحبني.”

عمر قال بصوت متألم:

“أنا فعلًا اخترتك علشان بحبك.”

ثم أضاف:

“لكن الحقيقة بدأت بسبب سبب تاني… والحب هو اللي خلاني أكمل.”

لم ترد سلمى.

وفجأة سمعنا صوت باب يُغلق في آخر الممر.

جرينا ناحية الصوت.

لكن لم نجد أحدًا.

فقط ظرف أبيض على الأرض.

فتحه عمر.

وكان بداخله خطاب واحد.

قرأه بصوت مرتفع:

“لو وصلت للخطاب ده، يبقى عمر عرف الحقيقة… لكن لسه ما عرفش مين اللي أنقذه من المستشفى.”

توقف عمر عن القراءة.

نظر إلينا.

ثم قال:

“أنا عارف.”

سألته:

“مين؟”

رفع رأسه ببطء.

وقال:

“الشخص اللي أنقذني… هو نفس الشخص اللي كان بيراقبنا طول الوقت.”

ثم فتح الخطاب.

وفي السطر الأخير كان هناك اسم واحد فقط.

اسم لم يكن أحد فينا يتوقعه.
الجزء الاخير
فتح عمر الخطاب، وكانت يده ترتعش.

قرأت الاسم المكتوب في آخر السطر، وشعرت إن الأرض بتتحرك من تحت رجلي.

الاسم كان:

أمي.

بصيت لها وأنا مش مصدقة.

“إنتِ؟!”

أمي بدأت تبكي، وقالت:

“أيوه… أنا اللي أنقذت عمر.”

سلمى كانت واقفة مذهولة.

عمر قال:

“كنتِ عارفة إني عايش؟”

هزت رأسها.

“أنا اللي طلبت من الطبيب يساعدك تختفي مؤقتًا… لأني كنت عرفت إن عمك ناوي يمنعك من الوصول لباقي الأوراق.”

سألتها:

“طب ليه عملتي كل ده من غير ما تقوليلنا؟”

مسحت دموعها وقالت:

“لأني كنت جبانة… وخايفة أخسر عيلتي.”

ثم أخرجت من حقيبتها ظرفًا قديمًا.

“وده آخر شيء أخفيته عنكم.”

فتح عمر الظرف.

كان بداخله عقد أصلي، ورسائل قديمة، وإقرار موقع من عم عمر.

والحقيقة ظهرت كاملة.

جد سلمى كان قد ترك لابنته وأحفادها حقًا قانونيًا في الأرض والمشروع القديم. لكن عم عمر حاول الاستيلاء على نصيبها، واستغل خلافات العائلة، وزوّر بعض الأوراق بمساعدة المحامي.

والد ياسمين كان يعرف جزءًا من الأمر.

لكنه لم يكن العقل المدبر.

كان خائفًا، وبدل ما يواجه أخوه، اختار الصمت.

أما أم سلمى، فحاولت فضح الحقيقة، ولذلك تم إبعادها عن ابنتها لسنوات.

لكنها لم تتوقف يومًا عن محاولة الوصول إليها.

كل سنة كانت تكتب لها رسالة.

وكل رسالة كانت تبدأ بنفس الجملة:

“يا بنتي… أنا ما سيبتكيش.”

سلمى انفجرت في البكاء.

اقتربت منها أمها.

ولأول مرة، لم يكن بينهما باب ولا سنوات ولا أسرار.

احتضنتها سلمى وقالت:

“أنا كنت مستنياكي من غير ما أعرف حتى إنك موجودة.”

ردت أمها:

“وأنا كنت بدور عليكي طول عمري.”

أما أبي، فوقف أمام عمر مطأطئ الرأس.

وقال:

“أنا غلطت لما سكت.”

عمر لم يصرخ فيه.

فقط قال:

“سكوتك خلّى ناس تعيش سنين وهي فاكرة إن أمها رمتها.”

والدي بكى.

ثم أخرج ورقة من جيبه.

“أنا مستعد أشهد بكل اللي أعرفه.”

وبالفعل، خلال الأسابيع التالية، تم تقديم المستندات الأصلية للجهات المختصة، وبدأت الإجراءات القانونية لإعادة الحقوق لأصحابها.

أما عم عمر، فلم يعد قادرًا على إنكار شيء بعدما ظهرت التسجيلات والأوراق والشهادات.

وبعد سنوات طويلة، عادت حقوق سلمى القانونية إلى أصحابها.

لكن بالنسبة لها، أهم شيء لم يكن الأرض ولا الأموال.

كان وجود أمها بجانبها.

أما عمر…

فقد كشف لها آخر سر.

في الليلة التي طلب منها فيها الزواج، لم يكن يعرف كل التفاصيل.

كان يعرف فقط أن هناك ظلمًا حدث لها، وأنه يريد حمايتها.

لكن مع الوقت، تحولت الحماية إلى حب.

والحب أصبح زواجًا حقيقيًا.

قال لها وهو يمسك يدها:

“أنا يمكن أكون بدأت الحكاية علشان أحميكي… لكني كملت عمري كله علشان بحبك.”

ابتسمت سلمى رغم دموعها.

وقالت:

“وأنا طول عمري كنت فاكرة إن عيني هي اللي حرمتني من الدنيا… لحد ما اكتشفت إن فيه شخص شافني بقلبه من أول يوم.”

مرت الشهور.

وبدأت سلمى حياة جديدة مع أمها.

وعمر عاد لعمله، لكن هذه المرة من غير أسرار.

أما أنا، فكنت كلما نظرت إلى الصورة القديمة التي بدأت منها الحكاية، أتذكر شيئًا واحدًا:

أحيانًا الحقيقة بتتأخر جدًا…

لكنها لما تظهر، بتكشف كل شيء.

وتعلمنا أن أخطر شيء مش إن حد يكذب عليك…

الأخطر إن أقرب الناس ليك يختاروا الصمت وقت ما تكون محتاج الحقيقة.

وفي النهاية، لم تسترد سلمى حقها في الأرض فقط…

استردت أمها، وطفولتها، واسمها، والحياة التي حُرمت منها لسنوات.

وعندما سألتها بعد كل ما حدث:

“لو كان بإمكانك ترجعي لأول يوم قابلتي فيه عمر، كنتِ هتغيري حاجة؟”

ابتسمت وقالت:

“ولا حاجة… لأن كل الطرق، حتى أصعبها، خلتني أوصل في النهاية للمكان اللي كان المفروض أكون فيه من البداية.”

النهاية.
حكايات محمد عبده

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى