روايات وقصص

القصة كاملة

نوال الشناوي.

سكتُّ.

بصيت لنوال.

هي ما اتكلمتش.

كريم بص لأمه.

— ماما…

قالت بسرعة:

— ده تزوير.

سامح رد:

— ممكن.

ثم أخرج مستندًا آخر.

— لكن توقيع التحويلات مطابق لتوقيعك البنكي.

نوال بدأت تتراجع للخلف.

— أنا ما عملتش حاجة.

وقتها فهمت ليه كانوا مرعوبين من اللابتوب.

مش علشان يعرفوا أنا عارفة إيه.

علشان يمنعوني من معرفة إن الأدلة كانت موجودة عندي أصلًا.

لكن كان لسه فيه سؤال واحد.

ليه مبلغ الـ48 ألف دولار تحديدًا؟

فتحت سجل البطاقة.

ظهر اسم المزاد.

وكانت عملية الشراء مسجلة باسم شركة صغيرة مرتبطة بالمؤسسة.

قلت:

— نوال ما كانتش بتشتري حاجة لنفسها.

سامح هز رأسه.

— بالضبط.

— كانت بتحاول تدفع من بطاقتي ثمن حاجة تخص المؤسسة.

— أيوه.

— ليه؟

سامح سكت لحظة.

ثم قال:

— لأن الشراء كان جزءًا من محاولة نقل ملكية أحد الأصول قبل ما تبدأ المراجعة الرسمية.

حسيت بقشعريرة.

— أي أصل؟

مد لي ورقة.

وكان عليها عنوان عقار.

مبنى إداري كامل في وسط القاهرة.

العقار اللي كانت العيلة بتقول طول عمرها إنه ملك للمؤسسة.

لكن الورقة كانت بتقول حاجة مختلفة.

الملكية كانت في طريقها للانتقال إلى شركة خاصة.

والشركة الخاصة…

كانت مرتبطة بنوال.

رفعت عيني.

— كانوا بيهربوا الأصول.

سامح قال:

— ده احتمال قانوني لازم التحقيق يثبته بالمستندات.

ثم نظر إلى اللابتوب.

— لكن عندنا مشكلة أكبر.

— إيه؟

— في ملف لسه مشفر.

— وموجود عندي؟

— أيوه.

— إيه اسمه؟

سامح قرب الشاشة.

ظهر اسم الملف:

“FINAL TRANSFER — 11:59 PM”

نظرت إلى الساعة.

كانت 11:47 مساءً.

سألته:

— يعني إيه؟

رد:

— لو فهمنا الملف ده قبل منتصف الليل، ممكن نعرف آخر عملية كانوا بيجهزوا لها.

وفي نفس اللحظة…

وصل إشعار جديد على اللابتوب.

تم تحديد موعد لتحويل مالي جديد.

المبلغ:

1,200,000 دولار.

موعد التنفيذ:

بعد 12 دقيقة.

رفعت عيني لكريم.

كان واقف ساكت.

لكن موبايله كان في إيده.

وبدأ يرن.

بص للشاشة…

ثم بص لنوال.

وأخيرًا قال بصوت منخفض:

— لازم نمشي دلوقتي.

سامح وقف أمام الباب.

— محدش هيمشي.

كريم سأله:

— ليه؟

رد:

— لأن الشرطة في طريقها.

نوال شهقت.

لكن قبل ما أي حد يتحرك، ظهر إشعار جديد على الشاشة.

التحويل اتلغى.

وبعده مباشرة ظهرت رسالة واحدة:

“لقد عرفوا أكثر مما يجب. ابدأوا الخطة البديلة.”

سكت الجميع.

ثم بصيت لكريم.

لأول مرة، ما شفتش الغضب في عينيه.

شفت الخوف.

وسألته:

— إيه الخطة البديلة يا كريم؟

ما ردش.

لكن نوال هي اللي قالت:

— إيفلين… إنتِ لازم تعرفي الحقيقة قبل ما يوصلوا لك.

وقبل ما أسألها مين “هم”…

انطفأت أنوار الشقة كلها.

وفي الظلام…

سمعت صوت مفتاح بيدور في باب شقتي.

المفتاح الاحتياطي.
ثبتنا كلنا مكاننا.

صوت المفتاح وهو بيلف في قفل الباب كان واضح في الصمت.

مرة…

مرتين…

وبعدين الباب بدأ يتفتح ببطء.

سامح رفع إيده، وأشار لنا كلنا نبعد عن الباب.

لكن المفاجأة إن الشخص اللي دخل ماكانش محمود.

كانت الشرطة.

دخل اثنين من رجال الشرطة ومعاهم ضابط تحقيق، وبعدهم مباشرة دخل شخص أعرفه كويس من المؤسسة.

رئيس الحسابات السابق.

بص لنوال وقال:

— خلاص يا مدام نوال… انتهى الموضوع.

نوال انهارت على الكرسي.

كريم فضل واقف مكانه.

أما أنا، فكنت لسه مش مستوعبة كل اللي حصل.

الضابط قال:

— إحنا عندنا إذن بتفتيش الأجهزة والمستندات المتعلقة بالتحويلات المالية.

سامح سلمهم نسخة من الملفات.

وبعد دقائق، بدأت الصورة الكاملة تظهر.

المبلغ اللي اختفى من المؤسسة ماكانش اختفى في عملية واحدة.

كان بيتسحب على مدار سنوات، على شكل تحويلات صغيرة ومتوسطة، من خلال شركات وهمية وحسابات متعددة.

لكن المفاجأة الأكبر كانت إن اسمي أنا ظهر في بعض المستندات.

بصيت لسامح بصدمة.

— اسمي موجود ليه؟

قال:

— لأنهم استخدموا بياناتك كمبرر لبعض المصروفات.

فهمت وقتها ليه كانوا بيستخدموا بطاقتي.

ليه كانوا بيخلوني أدفع.

وليه كانوا عايزين اللابتوب.

كانوا بيحاولوا يصنعوا قصة تبدو مقنعة على الورق…

إن أنا كنت مشاركة في إدارة الأموال.

لكن الملفات الموجودة على جهازي أثبتت العكس.

كان فيها النسخ الأصلية قبل التعديل.

والتواريخ.

وسجل الدخول.

وحتى الرسائل اللي كانت بتثبت إن بعض المستندات اتغيرت بعد ما كنت أراجعها.

بصيت لكريم.

— كنت عارف؟

سكت طويلًا.

وبعدين قال:

— كنت عارف إن فيه مشاكل في الحسابات.

— بس؟

— ماكنتش أعرف كل حاجة.

نوال قاطعته:

— كريم ماعملش حاجة.

لكن المحقق سألها:

— حضرتك متأكدة؟

ما ردتش.

بعد ساعات من التحقيق، بدأت التفاصيل تتكشف.

محمود اعترف إنه كان بينفذ تعليمات مباشرة من نوال.

ورئيس الحسابات اعترف إنه كان بيعدل بعض المستندات.

أما كريم، فكان دوره محل تحقيق منفصل بسبب توقيعات وتحويلات مرتبطة باسمه.

لكن أهم شيء بالنسبة لي كان إن اسمي اتشال رسميًا من دائرة الاتهام بعد مراجعة سجلات الأجهزة والحسابات.

وفي الصباح…

وقفت قدام شقتي.

الباب اللي حاولوا يفتحوه بالقوة كان اتغير بالكامل.

والقفل الجديد كان في إيدي.

دخلت البيت، حطيت اللابتوب على المكتب، وبصيت له للحظات.

الجهاز اللي كانوا مستعدين يعملوا أي حاجة علشانه…

كان هو نفسه اللي أنقذني.

بعد أسبوعين، صدر تقرير المراجعة الأول.

أكد وجود مخالفات مالية وتحويلات غير مبررة من أموال المؤسسة، وأن التحقيقات مستمرة لتحديد المسؤوليات القانونية كاملة.

أما أنا، فكنت خلصت آخر إجراء في طلاقي.

ولأول مرة منذ ست سنين…

ماكانش عندي أي حساب مشترك.

ولا بطاقة باسم العيلة.

ولا حد يطلب مني أدفع فاتورة مش بتاعتي.

بعد فترة، اتصل بي سامح.

قال:

— فيه حاجة أخيرة لازم تعرفيها.

— إيه؟

— عملية الـ48 ألف دولار.

— اللي بسببها بدأ كل ده؟

— أيوه.

— طلعت إيه؟

قال:

— كانت محاولة شراء مستندات وأجهزة من مزاد خاص.

— أجهزة؟

— أيوه.

— وليه كانت مهمة؟

سكت لحظة.

— لأن من ضمنها نسخة احتياطية قديمة لسجلات المؤسسة.

فهمت وقتها الصورة كاملة.

هم ماكانوش عايزين اللابتوب بتاعي علشان يسرقوا ملفاتي.

كانوا عايزينه علشان يعرفوا إيه اللي أنا اكتشفته، وإيه اللي لسه ما اكتشفتوش.

والـ48 ألف دولار كانت محاولة للحصول على نسخة قديمة من البيانات قبل ما تقع في إيد المحققين.

قفلت المكالمة.

وبصيت من الشباك.

كان الصبح هادي.

نفس المدينة.

نفس الشوارع.

لكن أنا ماكنتش نفس الست اللي كانت من أسابيع بتسأل نفسها إذا كان من حقها تلغي بطاقة باسمها.

اتعلمت درسًا واحدًا لن أنساه:

أحيانًا الحاجة الصغيرة اللي بتقرر توقفها في حياتك… تكون أول خطوة لاكتشاف الحقيقة الكبيرة اللي كانوا بيحاولوا يخفوها عنك.

أما نوال؟

فالقضية القانونية ضدها استمرت، وكل شخص كان له دور في تحويل الأموال أصبح مطالبًا بتفسير أفعاله أمام الجهات المختصة.

وأما كريم…

فآخر مرة شفته فيها كانت في جلسة قانونية.

ما حاولش يعتذر.

ولا أنا كنت مستنية اعتذار.

خرجت من المكان، ركبت عربيتي، وقفلت الباب.

ثم فتحت موبايلي.

كان عندي إشعار واحد فقط.

تم إلغاء آخر حساب مشترك.

بصيت للإشعار وابتسمت.

المرة دي…

ما حسيتش بالخوف.

ولا الحزن.

حسيت بالراحة.

لأن الحساب اللي اتقفل ماكانش مجرد حساب بنكي.

كان آخر رابط بيني وبين حياة قضيت سنين أحاول أصدق إنها عيلتي.

وأخيرًا…

بقى كل واحد مسؤول عن حسابه، وحياته، وأفعاله.
تمت

5 من 5التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى