الجزء الاخير ثبتُّ عيني على نوال وهي واقفة قدام مكتبي، وإصبعها لسه بيشاور على اللابتوب. قلت لها بهدوء: — إنتِ بتأمري مين يا نوال؟ بصتلي كأنها مستغربة إني أصلًا بسأل. — كريم، خد الجهاز. كريم اتحرك ناحية المكتب. وقفت قدامه فورًا. — محدش هيلمِس الكمبيوتر بتاعي. بصلي كريم بعصبية وقال: — إيفلين، إحنا مش جايين نتخانق. ضحكت بسخرية. — أمال جايين تعملوا إيه؟ تكسروا باب بيتي بعد الطلاق بيوم وتدخلوا تاخدوا حاجتي؟ نوال قاطعته: — إحنا جايين نطمن عليكي. بصيت لها، وبعدين بصيت للدريل اللي كان لسه واقع على الأرض جنب الباب. — بالطريقة دي؟ ما ردتش. كريم قرب مني وقال: — أمي كانت بتطلب منك الجهاز علشان فيه ملفات تخص العيلة. — ملفات تخص العيلة وموجودة على كمبيوتري أنا؟ — إنتِ كنتِ بتساعدي في إدارة المؤسسة. هنا اتوترت. مؤسسة العيلة. مؤسسة الشناوي الخيرية. دي كانت واحدة من أكبر المؤسسات الخاصة في المدينة، وكان اسم عيلة كريم مرتبط بيها من سنين. كنت أنا فعلًا بساعد في الحسابات الإلكترونية للمؤسسة. لكن بشكل محدود. إدخال بيانات. مراجعة فواتير. تنظيم بعض المستندات. ولا مرة كان مسموح لي أتعامل مع الحسابات البنكية الرئيسية. على الأقل... ده اللي كانوا بيقولوه لي. قلت لكريم: — لو فيه ملفات تخص المؤسسة، المحامي بتاعي يطلبها رسميًا. نوال ضربت بإيدها على المكتب. — إنتِ مش فاهمة خطورة اللي معاكي! سكتُّ. الجملة دي بالذات خلتني أبص لها باهتمام. — خطورة إيه؟ اتوترت. لأول مرة من ساعة ما دخلت، شفت الخوف في عينيها. لكنها تداركت نفسها بسرعة. — قصدي إن فيه مستندات خاصة بالعيلة، وممنوع تخرج بره المؤسسة. قلت: — غريبة. — إيه الغريب؟ — إنك قبل كده كنتِ بتطلبي مني أحتفظ بنسخ احتياطية من كل الملفات. وشها اتغير. كريم بص لها. وهي بصت له. الثانيتين دول كانوا كفاية إني أفهم إن فيه حاجة مش طبيعية. لكن المفاجأة الأكبر كانت في اللحظة اللي موبايلي رن فيها. كان المحامي سامح فؤاد. خرجت للشرفة ورديت. — أيوه يا أستاذ سامح؟ صوته كان مختلف. هادئ، لكن فيه توتر واضح. — إيفلين، إنتِ لوحدك؟ بصيت من بعيد على كريم ونوال. — لأ. سكت لحظة. وبعدين قال: — ماتفتحيش أي ملف على اللابتوب قدامهم. قلبي دق بسرعة. — ليه؟ — لأننا اكتشفنا حاجة أثناء مراجعة المستندات اللي بعتيها لي امبارح. — حاجة إيه؟ قال: — فيه تحويلات مالية مرتبطة بمؤسسة الشناوي. — تحويلات؟ — أيوه. — قد إيه؟ سكت ثانيتين. ثم قال: — إيفلين... إحنا بنتكلم عن مبلغ يقترب من أربعة ملايين دولار. حسيت إن الدنيا وقفت. — أربعة ملايين؟ — المبلغ مش واضح بالكامل لسه، لكن فيه أموال خرجت من حسابات المؤسسة على مدار سنوات. — وراحت فين؟ — ده اللي بنحاول نعرفه. بصيت من خلال زجاج الشرفة. كريم كان واقف وسط الصالة. لكن عينيه كانت ثابتة عليّ. كأنه كان بيحاول يعرف أنا سمعت إيه. قلت للمحامي: — هما هنا. صوته اتغير فورًا. — مين؟ — كريم وأمه. سكت. وبعدين قال: — إيفلين، اسمعيني كويس. — نعم؟ — ما تسلميش اللابتوب لأي حد. بصيت للجهاز من بعيد. — ليه؟ قال: — لأننا اكتشفنا إن فيه ملف اتفتح من جهازك قبل ما نبدأ المراجعة. — أنا ما فتحتش أي ملف. — عارف. — أمال مين فتحه؟ قال: — ده السؤال اللي لازم نجاوب عليه. قفلت المكالمة وأنا حاسة إن إيدي بترتعش. دخلت الصالة. كريم بصلي: — المحامي كان عايز إيه؟ قلت: — شغل. نوال ابتسمت ابتسامة صغيرة. — شغل بعد الطلاق؟ ما رديتش. راحت ناحية المكتب تاني. — خلاص، خدي حاجتك الشخصية وسيبيلنا ملفات المؤسسة. قلت: — مافيش ملفات مؤسسة هنا. قالت: وقتها فهمت. هم مش عايزين ملفات معينة. هم عايزين الجهاز كله. قلت: — مستحيل. كريم انفجر: — إيفلين! إنتِ ليه مصعّبة الموضوع؟ — لأنك دخلت بيتي من غير إذني. — أنا جوزك! بصيت له بثبات. — كنت جوزي. الكلمة سكتته. وفي نفس اللحظة، سمعنا خبطًا على الباب. كريم اتجمد. نوال بصت له. الخبط اتكرر. ثم جاء صوت من الخارج: — الأستاذة إيفلين؟ أنا مندوب المحكمة ومعايا إذن رسمي. وجه نوال شحب. كريم همس: — إنتِ عملتي إيه؟ فتحت الباب. وكان مع الرجل ظرف رسمي. استلمته وفتحته. قرأت أول سطر... وفهمت إن المحامي سامح سبقني بخطوة. كان طلبًا قانونيًا عاجلًا لمنع أي شخص من الوصول إلى ممتلكاتي وملفاتي الإلكترونية. لكن كان فيه شيء آخر. ورقة مرفقة بعنوان: "طلب مراجعة وتحفظ على السجلات المالية لمؤسسة الشناوي." بصيت لكريم. وبعدين لنوال. نوال قربت مني وقالت بصوت منخفض: — إيفلين، لو سلّمتي الملفات للمحامي، حياتك كلها هتتغير. قلت: — يمكن ده المطلوب. ردت بسرعة: — إنتِ مش فاهمة. — فاهمة إيه؟ اقتربت مني وقالت: — لو عرفتي مين كان بياخد الفلوس، مش هتقدري ترجعي زي الأول. سألتها: — ومين؟ ما ردتش. لكن كريم قال فجأة: — أمي، كفاية. بصيت له. — كفاية إيه؟ سكت. وهنا بدأت أشك إن كريم نفسه مش مجرد شخص بيحاول يحمي أمه. يمكن هو كمان كان خايف. لكن قبل ما أقدر أسأله، وصلني إشعار على موبايلي. تم تسجيل الدخول إلى حسابك من جهاز غير معروف. وتحته ظهر اسم الجهاز. كان اسمًا ما شفتوش قبل كده. لكن المكان... كان داخل مؤسسة الشناوي نفسها. فتحت الإشعار. وكان فيه وقت تسجيل الدخول: 10:18 صباحًا... يوم طلاقي. نفس الدقيقة اللي القاضي كان بيوقّع فيها أوراق طلاقي. حد كان داخل على حسابي في اللحظة نفسها. والأخطر... إن الحساب اللي دخلوا منه كان مربوطًا باللابتوب الموجود قدامي. رفعت عيني ناحية كريم. وقلت: — مين استخدم الكمبيوتر بتاعي يوم الطلاق؟ وجه كريم اتغير. لكن نوال هي اللي ردت. وقالت جملة خلت الدم يتجمد في عروقي: — إنتِ متأكدة إنك عايزة تعرفي؟ فضلت باصة لنوال من غير ما أتكلم. الجملة اللي قالتها ما كانتش جملة واحدة خايفة من إنها تتفضح. كانت جملة واحدة عارفة إن الحقيقة لو ظهرت... كل حاجة هتنهار. قلت لها: — أيوه، عايزة أعرف. نوال بصت لكريم. — قول لها. كريم هز راسه. — مش دلوقتي. صرخت فيه: — مش دلوقتي إمتى؟ بعد ما تمسحوا اللي على الكمبيوتر؟ وشه احمر. — محدش هيمسح حاجة. — أمال عايزينه ليه؟ ما ردش. دخلت بسرعة على المكتب، وسحبت اللابتوب ناحيتي. نوال حاولت تقرب. — إيفلين، سيبيه. — لأ. — إنتِ مش عارفة بتلعبي بالنار إزاي. قلت لها: — أنا من ست سنين بدفع فواتير عيلتكم، وكنت فاكرة إن دي أكبر مشكلة عندي. فتحت اللابتوب. — واضح إني كنت غلطانة. ظهر سطح المكتب. دخلت على مجلد كنت بستخدمه للنسخ الاحتياطية. لكن أول ما فتحته... اتصدمت. كان فيه مجلد جديد. اسمه: "ARCHIVE — 10:18" ما عملتوش أنا. فتحته. جواه عشرات الملفات. تحويلات بنكية. صور مستندات. عقود. إيصالات. وأسماء شركات ما سمعتش عنها قبل كده. بدأت أقلب الملفات بسرعة. وفجأة شفت رقمًا متكررًا. 780,000 دولار. وبعده: 640,000 دولار. وبعده: 515,000 دولار. وكل المبالغ كانت خارجة من حسابات مؤسسة الشناوي. رفعت عيني لكريم. — إيه ده؟ قال: — ما أعرفش. ضحكت. — لأول مرة في حياتي أصدقك. نوال قالت بعصبية: — اقفلي الجهاز. — ليه؟ — لأن الملفات دي مسروقة. — مسروقة من مين؟ سكتت. قلت: — من المؤسسة؟ ما ردتش. — ولا من الشخص اللي كان بيسرق المؤسسة؟ هنا كريم قال: — إيفلين، اسمعيني. — لأ، إنت اسمعني. وقفت قدامه. — من ست سنين وأنا كل ما أسأل عن مصاريف غريبة تقول لي "أمي بتدير شؤون العيلة". سكت. — وكل مرة كنت براجع فيها حسابات المؤسسة، كنت ألاقي أرقام ناقصة. سكت أكتر. — دلوقتي اكتشفت إن فيه ملايين اختفت. نوال قالت: — مافيش حاجة اختفت. لفيت ناحيتها. — أمال راحت فين؟ قالت: — فين العقود؟ — موجودة. — فين؟ ما ردتش. قلت: — فين؟ فضلت ساكتة. ابتسمت رغم خوفي. — فهمت. كريم قال: — إيفلين، الموضوع أعقد مما تتخيلي. — لأ، الموضوع واضح جدًا. رجعت أبص للملفات. كان فيه ملف اسمه: "Beneficiaries" فتحته. وكان عبارة عن جدول بأسماء المستفيدين من المؤسسة. قعدت أقرأ. اسم وراء اسم. لكن فجأة توقفت. كان فيه اسم أعرفه كويس. كريم الشناوي. وتحته مبالغ شهرية. وبعده اسم نوال. وبعده... أسماء أفراد من العيلة. لكن كان فيه اسم غريب. شركة باسم: "نورث ستار للاستشارات." بصيت لكريم. — الشركة دي بتاعة مين؟ قال: — ما أعرفش. قلت: — غريبة. — ليه؟ — لأن فيه تحويلات بالملايين رايحة ليها. نوال اقتربت بسرعة. — إيفلين، اقفلي الملف. قلت: — ليه؟ وفجأة سمعت صوت المحامي سامح من خلفي. كان قد وصل بالفعل. — ماتقفليش حاجة. بصيت له. دخل المكتب ومعاه مساعده وملف كبير. قال: — كويس إنك ما سلمتيش الجهاز. ثم نظر إلى كريم ونوال. — لأن اللي موجود هنا ممكن يفسر اختفاء جزء كبير من أموال المؤسسة. كريم تقدم خطوة. — إنت مالك؟ المحامي رد بهدوء: — من اللحظة دي؟ أنا ممثل قانوني عن إيفلين، وممنوع أي شخص يلمس ممتلكاتها. نوال قالت: — دي ملفات خاصة بالمؤسسة. فتح المحامي الملف اللي في إيده. — وأنا عندي سؤال بسيط. حط ورقة على المكتب. — ليه المؤسسة دفعت خلال الأربع سنين اللي فاتوا مبالغ ضخمة لشركات استشارية ما عندهاش موظفين تقريبًا؟ سكتت نوال. المحامي حط ورقة تانية. — وليه واحدة من الشركات دي مرتبطة بحساب مصرفي في الخارج؟ كريم قال: — دي استثمارات. — ممكن. المحامي رد بهدوء. — وعشان كده طلبنا مراجعة مستقلة. وبعدين بص لي. — إيفلين، فيه حاجة لازم تعرفيها. — إيه؟ — أنا ما اكتشفتش كل التحويلات من الحسابات البنكية. — أمال؟ — جزء كبير منها ظهر بسبب ملفات كنتِ إنتِ محتفظة بيها. بصيت للابتوب. — أنا؟ — أيوه. — بس أنا ما كنتش أعرف إن الملفات دي موجودة. قال: — وده بالضبط اللي خلاني أشك. ثم فتح صورة مطبوعة. كانت صورة لجدول مالي. — الملفات اتعدلت من جهازك. قلت: — إمتى؟ قال: — في نفس اليوم اللي طلبتي فيه الطلاق. اتجمدت. — بس أنا ما فتحتش الجهاز وقتها. المحامي بص لكريم. ثم لنوال. — عارف. الصمت ملأ المكان. قلت: — مين دخل عليه؟ المحامي قال: — عندنا عنوان الجهاز اللي دخل. — فين؟ — داخل مؤسسة الشناوي. كريم بدأ يتحرك بعصبية. — ده مش دليل على حاجة. المحامي رد: — صحيح. ثم أضاف: — لكن عندنا حاجة تانية. فتح الملف. — تسجيل كاميرا. قلبت الصفحة. — كاميرا إيه؟ — كاميرا المكتب الرئيسي للمؤسسة. — وبتظهر مين؟ المحامي بص لي مباشرة. — بتظهر شخصًا دخل مكتبك في المؤسسة قبل دقائق من تسجيل الدخول إلى حسابك. قلت: — مين؟ لكنه ما ردش فورًا. بدلًا من ذلك، أخرج هاتفه. — شوفِي بنفسك. عرض التسجيل. ظهرت صورة كاميرا مراقبة. رجل يدخل أحد المكاتب. يلتفت ناحية الكاميرا. وفي اللحظة اللي شفت فيها وجهه... ما قدرتش أتنفس. لأن الشخص اللي ظهر على الشاشة... ماكانش غريبًا عني. كان شخصًا كنت أثق فيه لسنين. والأصعب من كده... إنه كان يحمل في إيده مفتاحًا احتياطيًا لشقتي. فضلت باصة للشاشة، ومش قادرة أصدق اللي شايفاه. الرجل اللي ظهر في تسجيل الكاميرا... كان محمود، مساعد كريم الشخصي. لكن المشكلة ما كانتش في إنه دخل المكتب. المشكلة كانت في اللي كان في إيده. مفتاح احتياطي لشقتي. بصيت للمحامي سامح وقلت: — المفتاح ده معاه منين؟ سامح رد بهدوء: — دي أول حاجة لازم نعرفها. بصيت لكريم. وشه كان شاحب. — إنت كنت مدي محمود مفتاح شقتي؟ — لأ. — أمال جابه منين؟ ما ردش. نوال قالت بسرعة: — يمكن يكون مفتاح قديم. لفيت ناحيتها. — مفتاح قديم إيه؟ أنا غيرت كالون الباب من سنة. سامح فتح ملف تاني. — وده مش كل شيء. حط قدامي صورة من كاميرا مراقبة تانية. الصورة كانت لمحمود وهو خارج من المؤسسة، وفي إيده حقيبة سوداء. — التسجيل ده اتصور قبل يومين من الطلاق. قلت: — إيه اللي في الشنطة؟ — مش عارفين. ثم أضاف: — لكن عندنا تسجيل بعده بساعتين. قلب الصفحة. الصورة الجديدة كانت من كاميرا موجودة في جراج العمارة. محمود كان واقف جنب عربية كريم. وبعد دقائق، خرجت نوال من العربية ومعاها نفس الحقيبة. قلبي بدأ يدق بسرعة. — يعني أمه كانت بتاخد الشنطة؟ سامح قال: — غالبًا. كريم انفجر: — "غالبًا" مش دليل! سامح بص له. — عشان كده أنا ما اتهمتش حد. ثم فتح اللابتوب. — لكن عندنا حاجة أقوى. دخل على أحد الملفات. ظهر جدول تحويلات. كل تحويل كان له تاريخ ومبلغ. وأمام بعض التحويلات كان فيه رمز صغير. "M.W." قلت: — مين M.W؟ سامح قال: — في البداية افتكرنا إنه اسم شركة. ثم فتح ملف آخر. — لحد ما لقينا اختصار الاسم في مستند قديم. ظهرت خانة المستفيد. قرأت الاسم. محمود وائل. اتجمدت. محمود نفسه. الشخص اللي كان ماسك مفتاح شقتي. الشخص اللي ظهر وهو يدخل مكتب المؤسسة. والشخص اللي كان بيستخدم جهاز الكمبيوتر الخاص بي. قلت: — هو اللي كان بيسحب الفلوس؟ سامح رد: — جزء من الأموال خرج لحسابات مرتبطة بيه. ثم أضاف: — لكن محمود مش هو الشخص اللي كان بيصدر الأوامر. بصيت له. — أمال مين؟ فتح ملفًا أخيرًا. كان عبارة عن سلسلة رسائل إلكترونية. كل رسالة فيها تعليمات بتحويل مبلغ معين. والمرسل كان يستخدم عنوانًا مش باسمه الحقيقي. لكن في آخر رسالة... نوال الشناوي. سكتُّ. بصيت لنوال. هي ما اتكلمتش. كريم بص لأمه. — ماما... قالت بسرعة: — ده تزوير. سامح رد: — ممكن. ثم أخرج مستندًا آخر. — لكن توقيع التحويلات مطابق لتوقيعك البنكي. نوال بدأت تتراجع للخلف. — أنا ما عملتش حاجة. وقتها فهمت ليه كانوا مرعوبين من اللابتوب. مش علشان يعرفوا أنا عارفة إيه. علشان يمنعوني من معرفة إن الأدلة كانت موجودة عندي أصلًا. لكن كان لسه فيه سؤال واحد. ليه مبلغ الـ48 ألف دولار تحديدًا؟ فتحت سجل البطاقة. ظهر اسم المزاد. وكانت عملية الشراء مسجلة باسم شركة صغيرة مرتبطة بالمؤسسة. قلت: — نوال ما كانتش بتشتري حاجة لنفسها. سامح هز رأسه. — بالضبط. — كانت بتحاول تدفع من بطاقتي ثمن حاجة تخص المؤسسة. — أيوه. — ليه؟ سامح سكت لحظة. ثم قال: — لأن الشراء كان جزءًا من محاولة نقل ملكية أحد الأصول قبل ما تبدأ المراجعة الرسمية. حسيت بقشعريرة. — أي أصل؟ مد لي ورقة. وكان عليها عنوان عقار. مبنى إداري كامل في وسط القاهرة. العقار اللي كانت العيلة بتقول طول عمرها إنه ملك للمؤسسة. لكن الورقة كانت بتقول حاجة مختلفة. الملكية كانت في طريقها للانتقال إلى شركة خاصة. والشركة الخاصة... كانت مرتبطة بنوال. رفعت عيني. — كانوا بيهربوا الأصول. سامح قال: — ده احتمال قانوني لازم التحقيق يثبته بالمستندات. ثم نظر إلى اللابتوب. — لكن عندنا مشكلة أكبر. — إيه؟ — في ملف لسه مشفر. — وموجود عندي؟ — أيوه. — إيه اسمه؟ سامح قرب الشاشة. ظهر اسم الملف: "FINAL TRANSFER — 11:59 PM" نظرت إلى الساعة. كانت 11:47 مساءً. سألته: — يعني إيه؟ رد: — لو فهمنا الملف ده قبل منتصف الليل، ممكن نعرف آخر عملية كانوا بيجهزوا لها. وفي نفس اللحظة... وصل إشعار جديد على اللابتوب. تم تحديد موعد لتحويل مالي جديد. المبلغ: 1,200,000 دولار. موعد التنفيذ: بعد 12 دقيقة. رفعت عيني لكريم. كان واقف ساكت. لكن موبايله كان في إيده. وبدأ يرن. بص للشاشة... ثم بص لنوال. وأخيرًا قال بصوت منخفض: — لازم نمشي دلوقتي. سامح وقف أمام الباب. — محدش هيمشي. كريم سأله: — ليه؟ رد: — لأن الشرطة في طريقها. نوال شهقت. لكن قبل ما أي حد يتحرك، ظهر إشعار جديد على الشاشة. التحويل اتلغى. وبعده مباشرة ظهرت رسالة واحدة: "لقد عرفوا أكثر مما يجب. ابدأوا الخطة البديلة." سكت الجميع. ثم بصيت لكريم. لأول مرة، ما شفتش الغضب في عينيه. شفت الخوف. وسألته: — إيه الخطة البديلة يا كريم؟ ما ردش. لكن نوال هي اللي قالت: — إيفلين... إنتِ لازم تعرفي الحقيقة قبل ما يوصلوا لك. وقبل ما أسألها مين "هم"... انطفأت أنوار الشقة كلها. وفي الظلام... سمعت صوت مفتاح بيدور في باب شقتي. المفتاح الاحتياطي. ثبتنا كلنا مكاننا. صوت المفتاح وهو بيلف في قفل الباب كان واضح في الصمت. مرة... مرتين... وبعدين الباب بدأ يتفتح ببطء. سامح رفع إيده، وأشار لنا كلنا نبعد عن الباب. لكن المفاجأة إن الشخص اللي دخل ماكانش محمود. كانت الشرطة. دخل اثنين من رجال الشرطة ومعاهم ضابط تحقيق، وبعدهم مباشرة دخل شخص أعرفه كويس من المؤسسة. رئيس الحسابات السابق. بص لنوال وقال: — خلاص يا مدام نوال... انتهى الموضوع. نوال انهارت على الكرسي. كريم فضل واقف مكانه. أما أنا، فكنت لسه مش مستوعبة كل اللي حصل. الضابط قال: — إحنا عندنا إذن بتفتيش الأجهزة والمستندات المتعلقة بالتحويلات المالية. سامح سلمهم نسخة من الملفات. وبعد دقائق، بدأت الصورة الكاملة تظهر. المبلغ اللي اختفى من المؤسسة ماكانش اختفى في عملية واحدة. كان بيتسحب على مدار سنوات، على شكل تحويلات صغيرة ومتوسطة، من خلال شركات وهمية وحسابات متعددة. لكن المفاجأة الأكبر كانت إن اسمي أنا ظهر في بعض المستندات. بصيت لسامح بصدمة. — اسمي موجود ليه؟ قال: — لأنهم استخدموا بياناتك كمبرر لبعض المصروفات. فهمت وقتها ليه كانوا بيستخدموا بطاقتي. ليه كانوا بيخلوني أدفع. وليه كانوا عايزين اللابتوب. كانوا بيحاولوا يصنعوا قصة تبدو مقنعة على الورق... إن أنا كنت مشاركة في إدارة الأموال. لكن الملفات الموجودة على جهازي أثبتت العكس. كان فيها النسخ الأصلية قبل التعديل. والتواريخ. وسجل الدخول. وحتى الرسائل اللي كانت بتثبت إن بعض المستندات اتغيرت بعد ما كنت أراجعها. بصيت لكريم. — كنت عارف؟ سكت طويلًا. وبعدين قال: — كنت عارف إن فيه مشاكل في الحسابات. — بس؟ — ماكنتش أعرف كل حاجة. نوال قاطعته: — كريم ماعملش حاجة. لكن المحقق سألها: — حضرتك متأكدة؟ ما ردتش. بعد ساعات من التحقيق، بدأت التفاصيل تتكشف. محمود اعترف إنه كان بينفذ تعليمات مباشرة من نوال. ورئيس الحسابات اعترف إنه كان بيعدل بعض المستندات. أما كريم، فكان دوره محل تحقيق منفصل بسبب توقيعات وتحويلات مرتبطة باسمه. لكن أهم شيء بالنسبة لي كان إن اسمي اتشال رسميًا من دائرة الاتهام بعد مراجعة سجلات الأجهزة والحسابات. وفي الصباح... وقفت قدام شقتي. الباب اللي حاولوا يفتحوه بالقوة كان اتغير بالكامل. والقفل الجديد كان في إيدي. دخلت البيت، حطيت اللابتوب على المكتب، وبصيت له للحظات. الجهاز اللي كانوا مستعدين يعملوا أي حاجة علشانه... كان هو نفسه اللي أنقذني. بعد أسبوعين، صدر تقرير المراجعة الأول. أكد وجود مخالفات مالية وتحويلات غير مبررة من أموال المؤسسة، وأن التحقيقات مستمرة لتحديد المسؤوليات القانونية كاملة. أما أنا، فكنت خلصت آخر إجراء في طلاقي. ولأول مرة منذ ست سنين... ماكانش عندي أي حساب مشترك. ولا بطاقة باسم العيلة. ولا حد يطلب مني أدفع فاتورة مش بتاعتي. بعد فترة، اتصل بي سامح. قال: — فيه حاجة أخيرة لازم تعرفيها. — إيه؟ — عملية الـ48 ألف دولار. — اللي بسببها بدأ كل ده؟ — أيوه. — طلعت إيه؟ قال: — كانت محاولة شراء مستندات وأجهزة من مزاد خاص. — أجهزة؟ — أيوه. — وليه كانت مهمة؟ سكت لحظة. — لأن من ضمنها نسخة احتياطية قديمة لسجلات المؤسسة. فهمت وقتها الصورة كاملة. هم ماكانوش عايزين اللابتوب بتاعي علشان يسرقوا ملفاتي. كانوا عايزينه علشان يعرفوا إيه اللي أنا اكتشفته، وإيه اللي لسه ما اكتشفتوش. والـ48 ألف دولار كانت محاولة للحصول على نسخة قديمة من البيانات قبل ما تقع في إيد المحققين. قفلت المكالمة. وبصيت من الشباك. كان الصبح هادي. نفس المدينة. نفس الشوارع. لكن أنا ماكنتش نفس الست اللي كانت من أسابيع بتسأل نفسها إذا كان من حقها تلغي بطاقة باسمها. اتعلمت درسًا واحدًا لن أنساه: أحيانًا الحاجة الصغيرة اللي بتقرر توقفها في حياتك... تكون أول خطوة لاكتشاف الحقيقة الكبيرة اللي كانوا بيحاولوا يخفوها عنك. أما نوال؟ فالقضية القانونية ضدها استمرت، وكل شخص كان له دور في تحويل الأموال أصبح مطالبًا بتفسير أفعاله أمام الجهات المختصة. وأما كريم... فآخر مرة شفته فيها كانت في جلسة قانونية. ما حاولش يعتذر. ولا أنا كنت مستنية اعتذار. خرجت من المكان، ركبت عربيتي، وقفلت الباب. ثم فتحت موبايلي. كان عندي إشعار واحد فقط. تم إلغاء آخر حساب مشترك. بصيت للإشعار وابتسمت. المرة دي... ما حسيتش بالخوف. ولا الحزن. حسيت بالراحة. لأن الحساب اللي اتقفل ماكانش مجرد حساب بنكي. كان آخر رابط بيني وبين حياة قضيت سنين أحاول أصدق إنها عيلتي. وأخيرًا... بقى كل واحد مسؤول عن حسابه، وحياته، وأفعاله. تمت