روايات وقصص

القصة كاملة بقلم محمد عبده

— التسجيلات متقسمة على أكتر من ملف. والدك سلّمني نسخة منها قبل وفاته، وطلب مني ما أفتحهاش إلا في حالة واحدة.

فاطمة قالت:

— إيه هي؟

— لو أحمد حاول يستخدم الأطفال ضد أمهم.

فاطمة حطت إيدها على قلبها.

— افتحها.

المحامي شغل أول تسجيل.

ظهر صوت والد أحمد.

هادئ ومتعب.

«أنا عارف إن ابني هيحاول يقول إن مريم بتصرف فلوسه من غير حساب. لكن الحقيقة إن أنا اللي طلبت منها تستخدم جزء من الفلوس في علاج زينب.»

فاطمة بصت لمريم.

التسجيل كمل:

«زينب كانت موظفة عندي، واكتشفت تحويلات مش قانونية من حساب الشركة. ولما حاولت توقفها، حصل لها الحادث.»

أحمد صرخ:

— اقفل التسجيل!

المحامي ما وقفش.

ظهر صوت آخر.

صوت أحمد.

واضح جدًا.

«لو فضلتِ تتكلمي، هتعملي مشاكل كبيرة مع الكل.»

مريم غمضت عينيها.

فاطمة بصت لابنها وكأنها لأول مرة تشوفه.

التسجيل كمل.

صوت أحمد:

«هخلي أمي تصدق إنك بتسرقي فلوسي وبتهملي العيال.»

ثم صوت آخر لوالده:

«إنت فاكر إن أمك هتصدقك طول العمر؟»

ثم صوت أحمد:

«هي هتصدقني. دي أمي.»

فاطمة شهقت.

المحامي أوقف التسجيل.

الصمت سيطر على المكان.

فاطمة قالت بصوت مكسور:

— يعني كل اللي حصل كان متخطط؟

مريم ردت:

— أيوه.

أحمد بص لأمه.

— أمي، اسمعيني…

لكنها قاطعته:

— متقوليش أمي.

الكلمة خرجت منها بصعوبة.

— أنا كنت بدافع عنك طول عمري.

أحمد حاول يقرب منها.

— وأنا ابنك.

— ابني اللي كان عايز يحرمني من أحفادي؟

سكت.

فاطمة كملت:

— ابني اللي خلاني أكره مرات ابني ظلم؟

أحمد نزل عينيه.

مريم بدأت تبكي.

لكن فاطمة مسكت إيدها.

— حقك عليا.

مريم بصت لها بدهشة.

— أنا ظلمتك من غير ما أعرف الحقيقة.

— إنتِ كنتِ بتحاولي تحمي ولادي.

مريم هزت رأسها.

— كنت بحاول أحميهم من أبوهم.

في اللحظة دي، المحامي فتح الملف.

— لسه فيه حاجة أهم.

فاطمة قالت:

— إيه؟

— والد أحمد ماكانش بس بيوثق اللي حصل.

أخرج ورقة قديمة.

— كان عامل إجراء قانوني لحماية أموال أحفاده.

أحمد رفع رأسه بسرعة.

— إيه؟

المحامي قال:

— والدك كان عارف إنك هتحاول تستخدم فلوس الشركة لمصلحتك الشخصية.

ثم أضاف:

— عشان كده، قبل وفاته بشهر، نقل ملكية جزء كبير من الأصول إلى صندوق باسم ولادك.

أحمد اتصدم.

— مستحيل.

— موجود في المستندات.

— أنا ابنه!

المحامي رد بهدوء:

— وهو كان أبوهم.

فاطمة بصت للمحامي.

— يعني أحمد مش قادر يبيع أو يتصرف في الممتلكات دي؟

— من غير موافقات محددة، لأ.

أحمد انفجر:

— أبويا دمرني!

فاطمة ردت:

— لأ.

وسكتت لحظة.

— أبوك حاول يحمي أولاده منك.

أحمد بص لها بغضب.

— وإنتِ واقفة ضد ابنك؟

فاطمة دموعها نزلت.

— أنا مش واقفة ضد ابني.

ثم أشارت لمريم وولادها.

— أنا واقفة مع الحق.

خرج أحمد من الشقة غاضبًا.

لكن قبل ما يفتح الباب، المحامي قال:

— أحمد.

وقف.

— فيه تسجيل أخير.

أحمد ما اتحركش.

المحامي شغل التسجيل.

جاء صوت الأب.

«لو سمعت التسجيل ده، يبقى أنا ماقدرتش أصلح اللي بوظته.

يا أحمد… أنا أبوك.

ومهما كنت غلطت، كنت أتمنى تتراجع.

بس لو اخترت تكمل…

فما تظلمش مراتك ولا أولادك.

لأن الفلوس بتتعوض.

لكن الثقة لما تضيع… ممكن ماترجعش أبدًا.»

أحمد فضل واقف مكانه.

ولأول مرة ما كانش عنده رد.

خرج وأغلق الباب خلفه.

فاطمة قعدت على الكرسي.

بصت لمريم وقالت:

— دلوقتي فهمت ليه جوزي قال لي: «قريب هتفهمي.»

مريم ابتسمت وسط دموعها.

— وأنا كنت خايفة إنك ماتصدقينيش.

فاطمة مسكت إيدها.

— أنا اللي كنت عمياء.

بعد أيام، بدأت الإجراءات القانونية.

اتحفظت التسجيلات والمستندات، وبدأ التحقيق في التحويلات المالية وحسابات الشركة.

لكن المفاجأة الأخيرة ظهرت عندما راجع المحامي دفتر الحسابات القديم.

وجد تحويلًا ماليًا ضخمًا…

باسم شخص لم يكن أحد يتوقعه.

والاسم كان اسم شخص قريب جدًا من فاطمة نفسها.

فاطمة أول ما شافت الاسم…

وقعت الورقة من إيدها.

وقالت:

— مستحيل…

لأن الشخص ده كان آخر إنسان ممكن تتخيل إنه متورط.

فاطمة فضلت تبص للاسم كأنها مستنية الحروف تتغير قدام عينيها.

— لا… مستحيل.

المحامي سألها:

— تعرفي الشخص ده؟

فاطمة بلعت ريقها.

— ده… أخو جوزي.

مريم قربت منها.

— عم أحمد؟

فاطمة هزت راسها.

— عمي حسن.

كان حسن أخو جوزها الأكبر، والرجل اللي فاطمة كانت تعتبره طول عمرها سند العيلة.

هو اللي وقف جنبها بعد وفاة زوجها.

هو اللي كان بيزورها كل أسبوع.

وهو نفسه اللي كانت بتحكيله كل مشاكلها مع أحمد.

فاطمة قالت:

— مستحيل يكون له علاقة.

المحامي أشار إلى الأوراق.

— التحويلات موجودة، والتواريخ واضحة.

مريم سألت:

— الفلوس كانت بتروح له ليه؟

المحامي فتح ملفًا آخر.

— في البداية، كنا فاكرين إن أحمد هو صاحب القرار الوحيد.

ثم أضاف:

— لكن بعد مراجعة الحسابات، اكتشفنا إن عمك حسن كان بيستقبل الأموال ويحولها لشركات بأسماء مختلفة.

فاطمة قعدت وهي مش قادرة تستوعب.

— بس ليه؟

قبل ما المحامي يرد، رن هاتف مريم.

بصت للشاشة.

كان رقم حسن.

مريم فتحت المكالمة على السماعة.

جاء صوته:

— فاطمة موجودة؟

مريم قالت:

— أيوه.

سكت ثواني.

ثم قال:

— لازم أقابلكم.

فاطمة أخذت الهاتف.

— تعالى.

بعد أقل من ساعة، وصل حسن.

دخل الشقة بهدوء.

أول ما شاف فاطمة، عرف إنها عرفت.

— كنت عارف إن اليوم ده هييجي.

فاطمة قالت:

— ليه يا حسن؟

حسن قعد.

— لأن أخويا كان فاهم كل حاجة.

— وأنت؟

— حاولت أوقف أحمد.

فاطمة بصت له باستغراب.

— أمال الفلوس؟

— كانت فلوس رجعتها من حسابات الشركة.

المحامي تدخل:

— جزء منها فقط.

حسن أطرق رأسه.

— أيوه.

فاطمة قالت:

— والباقي؟

حسن سكت.

مريم قالت:

— اتصرف فين؟

حسن رفع عينيه.

— اتدفن.

الجميع اتصدم.

— إيه؟

— جزء من الأموال اتستخدم في تسوية ديون قديمة، وجزء اتصرف على علاج زينب، وجزء تاني…

توقف.

فاطمة قالت:

— وجزء تاني إيه؟

— اتدفع لعيلة موظف توفى بسبب حادث في موقع تابع للشركة.

المحامي أخرج مستندًا.

— الكلام ده عليه إثباتات.

فاطمة بدأت تفهم.

الفلوس اللي كانت فاكرة إنها سرقة…

جزء كبير منها كان بيتصرف في السر لحماية ناس اتضررت من شغل أحمد.

لكن لسه السؤال الأهم:

— طب ليه محدش قال لي؟

حسن قال:

— لأن أخويا كان خايف عليكِ.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى