روايات وقصص

القصة كاملة بقلم محمد عبده

— مني؟

— من الصدمة.

ثم نظر إلى مريم.

— وكان عارف إن أحمد ممكن يستخدمك عشان يضغط عليها.

فاطمة سألته:

— وإنت ليه فضلت ساكت؟

حسن تنهد.

— لأن أحمد ضغط عليّ أنا كمان.

ثم أخرج هاتفه.

— عندي تسجيل.

شغل التسجيل.

جاء صوت أحمد:

«لو اتكلمت، هقول إنك شريكي. وهحمّل كل حاجة عليك أنت دلوقتي.»

ثم صوت حسن:

«أنا مش هخاف منك.»

أحمد ضحك.

— «هتخاف لما أخلي أمي تزعل من مريم، ومريم تخسر ولادها.»

فاطمة غمضت عينيها.

الآن فهمت كل شيء.

أحمد لم يكن فقط يخفي المال.

كان يبني قصة كاملة تجعل الجميع يصدق أن مريم هي المشكلة.

وفجأة قالت فاطمة:

— طب فين أحمد؟

حسن رد:

— مش هنا.

المحامي قال:

— خرج من مصر؟

حسن هز رأسه.

— لأ.

ثم وضع هاتفه على الطاولة.

— هو عند الشرطة.

فاطمة اتصدمت.

— ليه؟

— لأنه لما خرج من هنا، حاول يسحب مبلغ كبير من حساب الشركة.

المحامي قال:

— والحساب كان تحت المراقبة.

مريم أخذت نفسًا عميقًا.

— يعني خلاص؟

المحامي رد:

— لسه التحقيقات مستمرة.

ثم التفت لفاطمة.

— لكن فيه حاجة مهمة لازم تعرفيها.

— إيه؟

— والدكِ… أقصد زوجك الراحل… ترك لكِ رسالة أخرى.

فاطمة اتسعت عيناها.

— رسالة تانية؟

المحامي أخرج ظرفًا صغيرًا.

— قال لي ما أسلمهاش لكِ إلا بعد ما تعرفي الحقيقة كلها.

فاطمة أخذت الظرف.

فتحته ببطء.

وفي أول سطر قرأت:

«يا فاطمة… لو وصلتي للرسالة دي، يبقى أخيرًا عرفتي إن مريم ما كانتش بتضيع فلوس ابننا… كانت بتحمي أولادنا.»

دموع فاطمة نزلت.

لكن آخر سطر في الرسالة كان هو اللي خلّاها تتجمد:

«ولو أحمد وصل للمرحلة دي… فاسألي مريم عن اللي خبّته عنك هي كمان.»

فاطمة رفعت عينيها ببطء.

وبصت لمريم.

— إنتِ مخبية عني إيه؟

مريم فضلت ساكتة.

فاطمة بصت لها وهي حاسة إن قلبها مش قادر يستحمل مفاجأة جديدة.

— إنتِ مخبية عني إيه يا مريم؟

مريم نزلت عينيها.

— كنت مستنية الوقت المناسب.

— الوقت المناسب عشان إيه؟

مريم دخلت أوضة النوم، وبعد دقايق رجعت وفي إيدها ظرف أبيض قديم.

حطته قدام فاطمة.

— ده كان عندي من يوم وفاة والد أحمد.

فاطمة فتحت الظرف.

جواه صورة قديمة، وتقرير طبي، ومفتاح صغير.

قلبت الصورة.

كانت صورة أحمد وهو شاب، واقف جنب والده، وبجانبهم رجل آخر.

فاطمة بصت للصورة باستغراب.

— مين الراجل ده؟

مريم قالت:

— صاحب أول شركة اشتغل فيها أحمد.

ثم سلمتها التقرير.

فاطمة قرأته ببطء.

التقرير كان يثبت إن أحمد، قبل سنوات، كان متورطًا في عملية احتيال مالي، وإن والده تدخل وقتها وسدد جزءًا من الخسائر حتى لا يتحمل ابنه المساءلة.

فاطمة رفعت عينيها.

— يعني جوزي كان بيغطي عليه من زمان؟

مريم هزت رأسها.

— أيوه.

— وإنتِ عرفتي كل ده إزاي؟

— والد أحمد هو اللي حكالي.

ثم أضافت:

— وقال لي إنه كان خايف إن ابنه ما يتغيرش.

فاطمة بصت للمفتاح.

— والمفتاح ده؟

مريم قالت:

— مفتاح خزنة.

المحامي أخذ المفتاح فورًا.

— خزنة فين؟

مريم ردت:

— في مكتب والد أحمد القديم.

في اليوم التالي، ذهبوا جميعًا إلى المكتب.

كان المكان مقفولًا من شهور.

المحامي فتح الخزنة.

جواها كانت هناك ملفات قديمة، وعقود، وصور، وأسطوانات تخزين.

لكن أهم شيء كان دفتر صغير.

فاطمة فتحته.

في الصفحة الأولى كان مكتوبًا بخط زوجها:

«الأموال ليست المشكلة… المشكلة في ابني.»

كل صفحة بعدها كانت تحتوي على ملاحظات عن تصرفات أحمد وتحويلاته ومحاولاته السيطرة على أموال الشركة.

وفي آخر صفحة:

«لو وصلت فاطمة إلى هنا، فأنا أتمنى ألا تكون كراهية ابنها قد غلبت حبها للحق.»

فاطمة أغلقت الدفتر وبدأت تبكي.

وقالت:

— كان عارف.

مريم مسكت إيدها.

— وكان عارف إنك هتتألمي.

بعد أسابيع، انتهت التحقيقات الأولية.

ثبتت المستندات والتسجيلات وجود تحويلات مالية غير قانونية ومحاولات للتلاعب بحسابات الشركة، بالإضافة إلى ضغوط موثقة لمريم.

أما الأموال التي ظنت فاطمة في البداية أنها تضيع، فاتضح أن جزءًا كبيرًا منها كان يُستخدم في علاج زينب، ومساعدة أسرة العامل المتوفى، وحماية حقوق الأطفال.

أما أحمد، فواجه الإجراءات القانونية المترتبة على ما ثبت ضده.

ولأول مرة منذ سنوات…

رجعت مريم وأولادها يعيشوا بأمان.

سلمى بطلت تخبي جاكتها في شنطتها خوفًا من كلام زمايلها.

وآدم بقى يلبس جزمة على مقاسه.

أما فاطمة…

ففي صباح الجمعة، فتحت محل الورد كعادتها.

لكن المرة دي كان جنبها سلمى وآدم.

سلمى كانت بترتب الورد.

وآدم كان بيحاول يمسك المقص الصغير.

فاطمة ضحكت وقالت:

— إنت هتبوظ الورد يا واد!

ضحك آدم.

ومريم كانت واقفة عند الباب.

فاطمة بصت لها وقالت:

— ادخلي يا بنتي.

مريم ابتسمت.

— بنتك؟

فاطمة قربت منها وحضنتها.

— أيوه… بنتي.

وبعدها بصت لأولادها وقالت:

— وجدّتكم اتعلمت درس عمرها ما هتنساه.

سلمى سألت:

— إيه هو؟

فاطمة ابتسمت وقالت:

— مش كل واحد شكله غني يبقى مرتاح… ومش كل واحد لابس هدوم بسيطة يبقى فقير.

ثم نظرت إلى مريم.

— والأهم… ما تحكمش على حد قبل ما تعرف الحقيقة.

بعد شهور، زينب تحسنت حالتها الصحية وانتقلت للعيش بالقرب من مريم والأطفال.

أما الحاجة فاطمة، فاحتفظت بصورة زوجها داخل محل الورد.

وكلما مرت بجانبها، كانت تبتسم وتقول:

— فهمت قصدك أخيرًا.

وفي يوم، سألتها مريم:

— هو قالك إيه بالضبط قبل ما يموت؟

فاطمة ابتسمت، وافتكرت كلماته القديمة:

«قريب هتفهمي.»

وقالت:

— ما فهمتش وقتها.

ثم نظرت إلى أحفادها.

— بس دلوقتي فهمت.

الفلوس ممكن تشتري بيت كبير، وعربية، وحياة مريحة… لكن عمرها ما تشتريش ضمير مرتاح ولا عيلة بتحبك بجد.

ومن يومها، بقت فاطمة كل ما تشوف أم بتلبس ولادها هدوم بسيطة، تفتكر مريم…

وتفتكر إن أكتر إنسانة ظلمتها في يوم من الأيام…

كانت هي نفسها الإنسانة اللي وقفت تحمي أولادها من أقرب شخص ليهم.

النهاية.

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى