
وأنا في الطريق، كان سؤال واحد بس بيدور في دماغي:
إيه اللي ممكن يكون موجود في أوراق ولادة بناتي… وأنا نفسي ماعرفوش؟
وصلت البيت وأنا حاسة إن رجلي مش شايلاني.
أول ما دخلت، لقيت عمر مستنيني في الصالة، وفي إيده ملف قديم.
قلت بسرعة:
— إيه اللي حصل؟
بص لي بجدية وقال:
— إنتِ متأكدة إنك ماشفتيش الملف ده قبل كده؟
هزيت رأسي.
— لأ. ده ملف الولادة اللي المستشفى سلمتهولي من خمس سنين.
فتح الملف وطلع ورقة.
— بصي هنا.
قربت الورقة من عيني.
كان فيها أسماء البنات الثلاثة، وتاريخ ميلادهم، وبيانات الأم.
لكن خانة الأب…
كانت مكتوب فيها:
“غير مُسجل.”
قلت:
— وده طبيعي. وقتها أنا ماكنتش سجلت اسم آدم.
عمر هز رأسه.
— أنا عارف. بصي على الورقة اللي بعدها.
قلبتها.
وهنا اتجمدت.
كانت شهادة ميلاد مؤقتة.
وفي خانة الأب، كان فيه اسم مكتوب بخط واضح:
آدم الشناوي.
بصيت لعمر.
— إيه ده؟
قال:
— دي المشكلة.
— إزاي اسمه موجود؟ أنا عمري ما طلبت تسجيله.
رد بهدوء:
— وده اللي خلاني أفتش في الملف كله.
قعدت على الكرسي.
— ولقيت إيه؟
طلع ورقة تانية.
— إيصال من المستشفى بتاريخ يوم ولادة البنات.
نظرت له.
— الإيصال باسم آدم.
قلبي وقف للحظة.
— مستحيل.
— أنا كمان قلت كده.
سكت شوية، ثم أضاف:
— بس فيه حاجة أغرب.
— إيه؟
— الإيصال اتدفع قبل ولادة البنات بثلاث ساعات.
رفعت عيني له.
— يعني آدم كان في المستشفى؟
هز رأسه.
— حسب الورقة… أيوه.
وقفت فجأة.
ذكريات قديمة بدأت ترجع.
يوم ولادة البنات.
أنا كنت في غرفة العمليات.
وكنت لوحدي.
على الأقل…
ده اللي كنت فاكرينه.
قلت بصوت مرتعش:
— أنا كنت فاكرة إني كنت لوحدي اليوم ده.
عمر قرب مني.
— سلمى، في حاجة لازم تعرفيها.
— إيه؟
أخرج ظرفًا بنيًا من الملف.
— الظرف ده كان مخبي جوه غلاف الملف.
فتحته.
كان جواه خطاب قديم.
ولما شفت التوقيع في آخره…
اتعرفت عليه فورًا.
آدم.
فتحت الخطاب بإيد مرتعشة.
وكان مكتوب:
“سلمى، لو وصل لكِ الخطاب ده، فمعناه إني ماقدرتش أقول لك الحقيقة وقتها…”
توقفت عن القراءة.
رفعت عيني لعمر.
— هو كان عارف إني حامل؟
عمر ماجاوبش.
رجعت للخطاب.
“أنا عرفت بالحمل قبل ما تطلبي الطلاق، وعرفت إنهم مش طفل واحد…”
شهقت.
“ثلاثة.”
إيدي وقعت على حجري.
آدم كان عارف.
كان عارف إني حامل في ثلاث بنات.
من قبل ما أخرج من بيته.
كملت القراءة.
“لكن والدتي أقنعتني إنك بتخبي الحمل علشان تمنعي العيلة من الوصول للأطفال…”
وقفت.
أمي؟
لا.
أمه هو.
والدة آدم.
الست اللي طول جوازنا كانت شايفة إني مش مناسبة لابنها.
كملت:
“قالت لي إنك لو عرفتي إني عرفت، هتستخدمي الأطفال ضدي، وإن أفضل حل إني أتركك وأنتِ هتعودي إليّ بنفسك.”
نفسي اتقطع.
لكن السطر الأخير كان الأخطر:
“يوم ولادتهم، حاولت أشوفك… لكن والدتي منعتني.”
رفعت عيني.
— يعني آدم كان في المستشفى يوم ولادتهم؟
عمر قال:
— واضح إن ده اللي حصل.
لكن قبل ما نستوعب كل حاجة…
رن جرس الباب.
مرة.
ثم مرة تانية.
فتحت الباب…
وكان آدم واقف قدامي.
وشه شاحب.
وفي إيده ملف مشابه.
بص لي وقال:
— أنا عرفت مين اللي كتب الورقة دي.
قلت:
— مين؟
أخرج صورة قديمة.
كانت صورة لوالدته مع مدير المستشفى.
ثم قال:
— أمي كانت هنا يوم ولادة البنات.
اتسعت عيني.
— إيه؟
— وأنا بدأت أراجع كل أوراق الخمس سنين اللي فاتوا.
سكت لحظة.
ثم قال:
— فيه شخص كان بيتابع البنات من بعيد طول الوقت.
قلبي دق بعنف.
— مين؟
نظر لي مباشرة.
وقال:
— أمي.
ساد الصمت.
لكن آدم أضاف جملة جعلتني أشعر أن الموضوع أكبر بكثير مما تخيلت:
— واللي عملته أمي مش بس إنها خبت عني البنات… هي كمان كانت بتحاول تمنعني من معرفة حقيقة حصلت يوم ولادتهم.
سألته:
— حقيقة إيه؟
نظر إلى البنات اللواتي كن يلعبن في الغرفة الأخرى.
ثم قال:
— واحدة من البنات الثلاثة اتبدلت أوراقها في المستشفى.
تجمدت في مكاني.
— إنت بتقول إيه؟!
قال بصوت منخفض:
— أنا مش بقول إن واحدة منهم مش بنتي… التحليل أثبت إن التلاتة من عيلتي.
ثم فتح الملف.
— لكن فيه طفل رابع كان موجود في نفس الليلة.
سكت.
— والطفل الرابع اختفى من سجلات المستشفى بعد الولادة.
نظرت إلى بناتي الثلاثة.
ثم إلى آدم.
وفجأة فهمت…
إن السر اللي أخفيناه عن بعض خمس سنين…
ماكانش مجرد سر حمل.
كان سرًا بدأ يوم ولادة بناتي… وماحدش كان مستعد يقول الحقيقة كاملة.
وقفت مكاني وأنا ببص لآدم.
— طفل رابع؟ إنت متأكد من اللي بتقوله؟
هز رأسه، وفتح الملف قدامي.
— أنا مش جاي أخوفك. أنا دورت في سجلات المستشفى بنفسي. في ليلة ولادة البنات، كان فيه أربع ولادات مسجلة في نفس الجناح. ثلاث بنات اتسجلوا بشكل طبيعي… لكن الطفل الرابع اختفت كل بياناته بعد ساعات.
قلت بصوت مرتجف:
— واختفى إزاي؟
رد:
— هنا المشكلة. اسم الطفل الرابع موجود في سجل الدخول، لكن صفحة الخروج اتبدلت.
عمر تدخل وقال:
— ومين كان عنده صلاحية يغيّر السجلات؟
آدم بص له.
— مدير المستشفى… وأمي كانت تعرفه.
سكتنا جميعًا.
وفجأة، واحدة من البنات خرجت من الغرفة وهي ماسكة علبة قديمة.
قالت:
— مامي، لقيت دي في الدولاب.
أخذت العلبة.




