روايات وقصص

القصة كاملة بقلم محمد عبده

كنت فاكرة إنها مجرد صندوق ذكريات قديم.

لكن أول ما فتحته…

لقيت صورة لنا من يوم الولادة.

أنا على سرير المستشفى، والبنات الثلاثة بجانبي.

لكن في خلفية الصورة…

كان فيه شخص واقف عند باب الغرفة.

والد آدم.

اتجمد آدم لما شاف الصورة.

— أبويا؟!

قلت:

— والدك كان موجود؟

هز رأسه ببطء.

— أبويا مات من سنتين… لكن طول عمري فاكر إنه ماكانش يعرف أي حاجة عن اللي حصل بينا.

قلب الصورة.

وكان مكتوب خلفها بخط اليد:

“الحقيقة لازم تفضل مدفونة… لأن ظهورها هيهد كل شيء.”

بصينا لبعض.

ثم قال آدم:

— الخط ده خط أمي.

—

في نفس الليلة، رجعنا نفتش في كل الأوراق القديمة.

وبعد ساعات، لقيت ظرفًا صغيرًا مخبأ داخل دفتر قديم.

كان عليه اسمي.

فتحته.

وكان جواه تقرير طبي من يوم الولادة.

قرأته بسرعة.

ثم توقفت.

كان مكتوبًا أن البنات الثلاثة وُلدن بصحة جيدة.

لكن في أسفل الصفحة، كانت هناك ملاحظة بخط مختلف:

“تم نقل الطفلة الرابعة إلى جناح آخر بناءً على طلب أحد أفراد العائلة.”

شهقت.

— طفلة؟ يعني الطفل الرابع كانت بنت؟

آدم قرب مني.

— كملي.

أسفل الملاحظة كان فيه رقم ملف.

بحثنا عنه في السجلات القديمة.

لكن الرقم…

كان مرتبطًا باسم مختلف تمامًا.

“مريم الشاذلي.”

بصيت لعمر.

وشه تغير.

— مريم؟

قلت:

— إنت تعرف الاسم ده؟

سكت للحظات.

ثم قال:

— أيوه.

— مين؟

أخذ نفسًا عميقًا.

— مريم دي كانت بنت أختي.

ساد الصمت.

قلت:

— كانت؟

هز رأسه.

— العيلة كلها قالت إنها ماتت وهي رضيعة… قبل خمس سنين.

آدم بص له ثم إليّ.

— إنت بتقول إن بنت أختك ممكن تكون هي الطفلة الرابعة؟

عمر لم يرد.

لكن فجأة…

رن هاتفه.

نظر للشاشة.

كان رقمًا مجهولًا.

رد.

— ألو؟

ظل ساكتًا وهو يستمع.

ثم شحب وجهه.

— إنت متأكد؟

سكت مرة أخرى.

ثم قال:

— ابعتلي العنوان فورًا.

أغلق الهاتف.

قلت:

— مين؟

نظر إليّ.

وقال:

— ست كانت بتشتغل ممرضة في المستشفى يوم ولادة البنات.

سألته:

— وقالت إيه؟

رد بصوت منخفض:

— قالت إن الطفلة الرابعة ما ماتتش.

تجمدنا جميعًا.

ثم أكمل:

— وقالت إنها تعرف فين عاشت الخمس سنين اللي فاتوا…

وقبل ما نتحرك، وصلت رسالة على هاتف آدم.

فتحها.

وكان فيها صورة لطفلة صغيرة.

أربع سنين تقريبًا.

بصينا للصورة…

ثم إلى البنات الثلاثة الواقفات أمامنا.

وكان التشابه واضحًا بشكل مخيف.

لكن المفاجأة الحقيقية كانت في آخر الرسالة:

“لو عايزين تعرفوا الحقيقة كاملة، تعالوا لوحدكم… لأن الست اللي أخفت الطفلة دي طول خمس سنين لسه عايشة، ولسه بتراقبكم.”
ماحدش فينا اتكلم لمدة ثواني.

كنت ببص لصورة الطفلة على الموبايل، وقلبي بيقول لي إن في حاجة غلط.

قلت:

— مين الست اللي أخفتها؟

الممرضة ما ردتش على الرسالة.

لكن بعدها بدقيقة بعتت عنوان مكان قديم في أطراف القاهرة.

خرجنا أنا وآدم وعمر.

وطول الطريق، محدش فينا كان بيتكلم.

لما وصلنا، لقينا بيت صغير جدًا في شارع جانبي.

خبطنا على الباب.

فتحت لنا ست كبيرة في السن.

أول ما شافت آدم، وشها اتغير.

وقالت:

— إنت ابنها؟

آدم سأل:

— ابن مين؟

الست بصت حوالينها، وبعدين قالت:

— أمك.

دخلنا.

وأول كلمة قالتها كانت:

— أنا آسفة.

قعدت قدامنا وبدأت تحكي.

في يوم ولادة البنات، كانت والدة آدم عارفة إن ابنها ناوي يطلقني.

لكنها كانت خايفة إن الحمل يخليه يتراجع.

وبعد الولادة، اكتشفت إن فيه طفلة من العائلة نفسها كانت مريضة جدًا، وإن والدها توفى قبل ولادتها بأيام.

استغلت الفوضى اللي حصلت في المستشفى، ونقلت أوراق الطفلة الرابعة باسم مختلف.

لكنها ماخدتش طفلة من عيلة تانية…

الطفلة كانت فعلًا بنت أخت عمر.

وكانت والدتها قد توفيت أثناء الولادة.

والدة آدم استخدمت نفوذها علشان تخفي الموضوع، لأنها كانت تعرف إن عائلة عمر فقيرة وقتها، وكانت مقتنعة إن الطفلة هتكون “عبء” على الجميع.

لكن الممرضة رفضت تسلم الطفلة لأي شخص.

فأخذتها عائلة آمنة وربتها بعيدًا عن المستشفى.

وبعد خمس سنين…

كانت الطفلة لا تزال حية.

سألتها وأنا مش قادرة أستوعب:

— يعني البنات الثلاثة مالهمش علاقة بالطفلة؟

هزت رأسها.

— لأ. البنات التلاتة بناتك إنتِ وآدم. أما الطفلة الرابعة فهي بنت أخت عمر.

آدم تنفس براحة.

أما عمر، فانهارت دموعه.

كان طول الخمس سنين فاكر إن بنت أخته ماتت.

الممرضة مدت له ورقة.

— دي شهادة الميلاد الأصلية. احتفظت بيها طول السنين دي علشان في يوم الحقيقة لازم تظهر.

أخذها عمر بإيد مرتعشة.

ثم سأل:

— فين مريم؟

الست أشارت للغرفة المجاورة.

فتح عمر الباب…

وتوقف.

كانت هناك طفلة صغيرة تلعب بدمية.

رفعت عينيها.

ولما شافت عمر، سألته بخجل:

— إنت مين؟

عمر نزل على ركبته.

دموعه نزلت قبل ما يقدر يتكلم.

وقال:

— أنا خالك.

الطفلة قربت منه بحذر.

ثم حضنته.

في اللحظة دي، آدم بص لي.

وقال:

— أنا كنت فاكر إن أكبر خسارة في حياتي كانت إنك سبتيّني.

سكت.

ثم أكمل:

— لكن دلوقتي عرفت إن أكبر غلطة عملتها إني صدقت كلام غيري، وسيبتك تمشي من غير ما أسمعك.

قلت له بهدوء:

— الماضي مش هيتغير يا آدم.

هز رأسه.

— عارف. وأنا مش طالب منك ترجعي.

كانت أول مرة أسمع منه الجملة دي بصدق.

— أنا بس عايز أكون أب كويس للبنات، لو إنتِ وافقتِ.

نظرت له.

وبعدين قلت:

— الأبوة مش كلمة. دي مسؤولية.

ابتسم للمرة الأولى بدون غرور.

— مستعد أتحملها.

—

بعد شهور، بدأت الأمور تهدى.

عمر تولى رعاية مريم رسميًا، واتعملت الإجراءات القانونية لإثبات هويتها وحقوقها.

وآدم بدأ يشوف بناته بانتظام، من غير ما يحاول يفرض نفسه على حياتهم.

أما أنا…

فكملت شغلي، وكبرت شركتي أكتر.

وفي يوم، كنت واقفة قدام مكتب الشركة، والبنات الثلاثة ماسكين إيدي.

آدم كان واقف بعيد شوية، مستنيهم.

واحدة منهم جريت ناحيته وقالت:

— بابا!

ابتسم.

وحملها.

أما أنا فابتسمت من بعيد.

مش لأن الماضي رجع…

لكن لأن كل واحد فينا أخيرًا فهم مكانه الحقيقي.

وقبل ما أركب العربية، آدم قرب مني وقال:

— فاكرة أول مرة شفتك بعد خمس سنين؟

ضحكت.

— فاكرة.

قال:

— كنت فاكر إنك خرجتي من حياتي من غير حاجة.

بصيت له وقلت:

— وأنت كنت غلطان.

سألني:

— إيه أكتر حاجة خرجتي بيها من جوازنا؟

نظرت للبنات.

ثم قلت:

— ثلاث أسباب خلوني أعرف إن حياتي ماوقفتش يوم ما انتهى جوازنا.

ابتسم.

وأنا مشيت.

لأن الحقيقة كانت أبسط من كل الأسرار:

أنا ماخسرتش لما اتطلقت.

أنا بدأت من جديد.

والرجل اللي كان فاكر إنه تركني بلا شيء…

اكتشف بعد خمس سنين إنني لم أكن وحدي أبدًا.

كنت أربي ثلاث بنات.

أبني شركة.

وأبني حياة جديدة…

حياة لم يعد هو مركزها.
تمت
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى