قصص وروايات

شاهد امرأة بقلم محمد عبده

“وفيه حاجة أغرب.”

“إيه؟”

“الإشارة بتتحرك في اتجاه منزل مسجل باسم…”

توقف.

قلت:

“اسم مين؟”

قال:

“محمود الشافعي.”

اتسعت عيني.

محمود كان مفروض إنه متوفى.

لكن حد كان داخل بيته.

والأغرب…

إنه كان يحمل جهاز التتبع الموجود في عربيته.

قلت:

“جهز العربية.”

ثم التفت إلى التوأم.

كان لازم آخدهم معانا لمكان آمن.

لكن قبل ما أتحرك، قالت ليان:

“بابا كان مخبي الصندوق في البيت.”

وقفت.

“أي بيت؟”

قالت:

“بيتنا القديم.”

سألتها:

“فين؟”

قالت اسم المنطقة.

وكان نفس المكان اللي ظهرت فيه الإشارة.

نظرت للرائد ياسين.

الآن كل الخيوط بدأت تتجمع.

البيت.

الصندوق.

الرجل الذي يفترض أنه توفى.

والسيدة التي جاءت فجأة للمطار.

لكن بقي سؤال واحد:

لو محمود حي فعلًا… ليه ساب أولاده لوحدهم؟

وأنا على وشك الخروج، اقتربت مني نادية وقالت:

“العقيد آدم، لازم تسمعني.”

وقفت.

قالت بصوت منخفض:

“إنت مش فاهم مع مين بتلعب.”

رديت:

“أنا مش بلعب.”

ثم نظرت في عينيها.

“أنا بحاول أحمي طفلين.”

قالت:

“لو دخلت البيت ده، مش هتلاقي اللي متوقعه.”

سألتها:

“إنتِ خايفة على مين؟”

لم تجب.

لكن عينيها راحت ناحية التوأم.

وفي اللحظة دي فهمت.

هي مش خايفة على نفسها.

هي خايفة من شخص تاني.

خرجنا من المطار، واتجهنا بسرعة ناحية المنزل.

طوال الطريق، عمر كان ساكت.

أما ليان فكانت بتبص من الشباك.

سألتها:

“إنتِ عارفة مكان الصندوق؟”

قالت:

“أيوه.”

“فين؟”

حطت إيدها على صدر الدبدوب.

“بابا قال لي إن الدبدوب هيساعدنا نلاقيه.”

أخذت الدبدوب منها.

فتشته مرة أخرى.

وفي أسفل الدبدوب، اكتشفت خياطة غريبة.

فتحتها بحذر.

وجدت مفتاحًا صغيرًا.

وعليه رقم:

27

قلت:

“مفتاح إيه ده؟”

ليان قالت:

“بابا قال إن المفتاح ده أهم من الفلوس.”

وصلنا أمام المنزل.

كان البيت مظلمًا تمامًا.

لكن باب الجراج كان مفتوحًا.

نزلت من السيارة.

أشرت لرجال الأمن ينتشروا حول المكان.

الرائد ياسين قرب مني وقال:

“الإشارة لسه موجودة.”

سألته:

“جوه؟”

قال:

“أيوه.”

دخلنا.

البيت كان مرتب بشكل غريب.

مفيش أي آثار اقتحام.

لكن فوق الترابيزة كان فيه كوب شاي دافئ.

بصيت إليه.

قلت:

“حد كان هنا من دقائق.”

وفجأة…

سمعنا صوت باب في الدور العلوي.

رجال الأمن تحركوا بسرعة.

طلعت السلم.

صوت خطوات بدأ يبتعد.

وصلنا إلى آخر الممر.

كان فيه باب مفتوح.

دخلت.

الغرفة كانت فاضية.

لكن الشباك مفتوح.

وبجانبه ورقة صغيرة فوق المكتب.

أخذتها.

كان مكتوب عليها بخط واضح:

“لو وصلت هنا يا آدم، يبقى محمود وثق فيك أكتر مما وثق في أي شخص آخر.”

تجمدت.

أنا ماكنتش قابلت محمود قبل كده.

إزاي عرف اسمي؟

قلبت الورقة.

كان فيه سطر تاني:

“الصندوق رقم 27 موجود في المكان الذي بدأ منه كل شيء.”

الرائد ياسين سأل:

“يعني إيه المكان اللي بدأ منه كل شيء؟”

قبل ما أرد…

سمعنا صوت ليان من أسفل السلم.

صرخت:

“عمو آدم!”

نزلت بسرعة.

كانت واقفة جنب عمر، وبتبص على الحائط.

قالت:

“أنا فاكرة!”

“فاكرة إيه؟”

أشارت إلى صورة قديمة معلقة على الحائط.

كان فيها محمود وهو واقف أمام مبنى قديم.

قالت:

“بابا خدنا هناك أول مرة.”

سألت:

“فين ده؟”

قالت:

“محطة القطار.”

اقتربت من الصورة.

وفي الخلفية كان ظاهر رقم مبنى صغير:

27

في نفس اللحظة، وصل اتصال للرائد ياسين.

رد.

استمع لثوانٍ.

ثم قال:

“سيدي العقيد…”

بصيت له.

قال:

“لقينا محمود.”

سكت.

“فين؟”

قال:

“في محطة القطار القديمة.”

ثم أضاف:

“بس في مشكلة.”

“إيه؟”

“هو مش لوحده.”

نظرت إلى عمر وليان.

ثم إلى المفتاح رقم 27.

وفجأة فهمت إن الوصول إلى الصندوق مش هيكون نهاية القصة…

ده ممكن يكون بداية أخطر مواجهة في حياتنا كلها.

وصلنا إلى محطة القطار القديمة بعد دقائق.

المكان كان شبه مهجور، والجو مظلم، وأضواء قليلة كانت بتنور أجزاء من الرصيف.

الرائد ياسين كان بيتابع الإشارة على جهازه.

قال:

“الإشارة جوه المبنى رقم 27.”

بصيت للتوأم.

قلت لرجال الأمن:

“خلي الطفلين في العربية، ومحدش يقرب منهم غير العناصر اللي أنا أحددها.”

لكن ليان شدت في إيدي.

“عمو آدم…”

بصيت لها.

“إحنا لازم ندخل.”

قلت:

“ليه؟”

قالت:

“عشان بابا مستنينا.”

اتجمدت للحظة.

“إنتِ متأكدة؟”

هزت راسها.

“هو قال لنا لو في يوم شوفنا رقم 27، لازم نروح له.”

دخلنا المبنى بحذر.

كان قديمًا، مليان غرف مهجورة وأبواب صدئة.

وفجأة…

سمعنا صوت رجل من آخر الممر:

“آدم…”

وقفت.

الصوت كان هادئًا.

لكنني عرفته.

محمود.

خرج من الظلام.

كان أنحف مما ظهر في الفيديو، وملامحه مرهقة، لكنه كان حيًا بالفعل.

عمر أول ما شافه، جرى ناحيته.

“بابا!”

محمود فتح ذراعيه، واحتضن ابنه بقوة.

ليان ارتمت في حضنه وهي بتعيط.

أما أنا ففضلت واقفًا أراقب المشهد.

بعد لحظات، رفع محمود عينيه لي.

وقال:

“شكرًا إنك حميتهم.”

قلت:

“أنا محتاج أفهم كل حاجة.”

هز راسه.

“وأنا محتاج أقولك الحقيقة قبل ما يفوت الأوان.”

دخلنا غرفة صغيرة في نهاية الممر.

محمود قفل الباب.

الرائد ياسين وقف عنده للحراسة.

قلت:

“ليه خليت الناس كلها تفتكر إنك مت؟”

قال:

“لأني كنت مراقَب.”

ثم أخرج ملفًا قديمًا.

“اكتشفت إن فيه مجموعة بتزوّر مستندات، وبتحوّل ملكيات وأموال عن طريق شركات وهمية.”

سألته:

“واللواء فؤاد؟”

محمود سكت.

ثم قال:

“كان واحدًا من الأشخاص اللي عرفت عنهم.”

قلت:

“واحد من المتورطين؟”

رد:

“مش بالضبط.”

ووضع صورة أمامي.

“هو كان بيحاول يوقفهم.”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى