قصص وروايات

شاهد امرأة بقلم محمد عبده

لاحظت خوفه.

قلت له:

“ماتخافش. محدش هيقرب منكم.”

سألني:

“هتسلّمنا لماما؟”

السؤال كان بسيط…

لكن وقعُه كان ثقيلًا.

قلت:

“مش قبل ما نعرف الحقيقة ونتأكد إنكم في أمان.”

سكت شوية.

ثم قال:

“هي مش ماما.”

“عارف.”

“هي مرات بابا.”

رفعت عيني إليه.

“اسمها إيه؟”

قال:

“داليا.”

الرائد ياسين كان بيسجل كل كلمة.

سألت:

“وداليا كانت بتعمل إيه معاكم؟”

ليان قالت:

“كانت بتقول إننا بنفكرها ببابا.”

“وكانت بتضايقكم؟”

سكتت.

ثم قالت:

“كانت بتقفل علينا الأوضة.”

قلبي اتقبض.

لكن قبل ما أسأل أكتر، دخل ياسين ومعاه جهاز.

حط الشريحة فيه.

ظهرت ملفات قليلة.

صور.

مستندات.

ومقطع فيديو واحد.

ضغطنا عليه.

ظهر محمود الشافعي.

نفس الرجل اللي قيل إنه توفى من سنتين.

كان واقف قدام الكاميرا، وملامحه متعبة.

قال:

“لو التسجيل ده وصل لأي حد، يبقى أنا فشلت في إني أحمي أولادي.”

ليان قربت من الشاشة.

“بابا…”

محمود كمل:

“أنا عارف إن الناس كلها فاكرة إني مت.”

سكت لحظة.

“وده كان لازم يحصل.”

الرائد ياسين بص لي.

أما أنا ففضلت مركز مع الشاشة.

محمود قال:

“أنا مازيفتش موتي عشان أهرب من القانون.”

ثم ظهر خلفه ملف مليان أوراق.

“أنا اختفيت عشان كنت اكتشفت حاجة.”

سكت ثانية.

“حاجة مرتبطة بشركة كبيرة، وأشخاص عندهم نفوذ.”

ثم قال جملة جعلتني أقترب من الشاشة:

“لكن المشكلة إنهم اكتشفوا إني مازلت عايش.”

انتهى التسجيل فجأة.

قلت:

“شغّله تاني.”

شغلناه.

لكن قبل ما الفيديو ينتهي هذه المرة، لاحظت شيئًا خلف محمود.

صورة معلقة على الحائط.

كان فيها رجل يرتدي بدلة رسمية.

عرفت الرجل فورًا.

قلت:

“وقف.”

ياسين وقف الفيديو.

بصيت للصورة.

“ده اللواء فؤاد منصور.”

ياسين اتفاجئ.

“اللواء السابق؟”

هزيت راسي.

“أيوه.”

كان رجلًا معروفًا في دوائر الدولة، لكنه تقاعد من سنوات.

قلت:

“لازم نعرف علاقته بمحمود.”

وفي اللحظة دي…

سمعنا خبطًا على الباب.

دخل ضابط أمن وقال:

“سيدي العقيد، في سيدة بتطلب تشوف الطفلين.”

سألته:

“مين؟”

قال:

“بتقول إنها قريبة والدهم.”

“اسمها؟”

“نادية الشافعي.”

بصيت لعمر وليان.

أول ما سمعوا الاسم، عمر قام من مكانه.

لكن ليان مسكت إيده.

وقالت:

“لا.”

بصيت لها.

“ليه؟”

قالت:

“دي مش عمتنا.”

سألتها:

“إنتِ تعرفيها؟”

هزت راسها.

“شوفتها مع داليا.”

دخلت السيدة بعد دقائق.

كانت في منتصف الأربعينات، لابسة ملابس أنيقة، وملامحها هادئة جدًا.

لكن هدوءها كان غريب.

قالت:

“أنا نادية، أخت محمود.”

بصيت لها.

“ممكن إثبات شخصية؟”

قدمت البطاقة.

الاسم مطابق.

لكن كان فيه شيء غير منطقي.

قلت:

“إنتِ عارفة إن محمود توفى من سنتين؟”

ابتسمت ابتسامة صغيرة.

“للأسف.”

سألت:

“طب ليه جيتي للمطار؟”

قالت:

“عشان أخد أولاد أخويا.”

بصيت للتوأم.

ثم قلت:

“هما مش عايزين يروحوا معاكي.”

ابتسامتها اختفت.

قالت:

“الأطفال مش دايمًا بيعرفوا مصلحتهم.”

رديت بهدوء:

“وده سبب إضافي إنهم مايروحوش مع أي شخص من غير تحقيق.”

في اللحظة دي، رن جهاز اللاسلكي.

الرائد ياسين رد.

استمع.

ثم بص لي.

“سيدي…”

“قول.”

قال:

“في تطور خطير.”

“إيه؟”

“اللواء فؤاد منصور اتصل شخصيًا.”

سألته:

“قال إيه؟”

اقترب مني وقال بصوت منخفض:

“قال إننا لازم نوقف التحقيق فورًا.”

نظرت إلى السيدة نادية.

كانت واقفة بهدوء.

لكن أول ما سمعت اسم اللواء فؤاد…

اتغيرت ملامحها.

وهنا عرفت إننا وصلنا لأول خيط حقيقي.

قلت للرائد:

“اسأله ليه.”

ثواني مرت.

ثم عاد ياسين وقال:

“بيقول إن وجود الطفلين في المطار خطر.”

سألته:

“خطر على مين؟”

قال:

“ماقالش.”

نظرت إلى عمر وليان.

ثم إلى الشريحة.

ثم إلى السيدة نادية.

وفجأة…

ليان شدّت إيدي.

بصيت لها.

قالت بصوت منخفض جدًا:

“عمو آدم…”

“نعم؟”

“بابا قال لنا لو حد قال إننا لازم نرجع…”

سألتها:

“نعمل إيه؟”

همست:

“نقول له الجملة اللي علمهالنا.”

“إيه هي؟”

نظرت ناحية السيدة نادية.

ثم قالت:

“اللي تسبب في وفاة بابا… مش عايزنا نوصل للصندوق.”

سكت الجميع.

أما أنا…

فبدأت أفهم إن محمود ماكانش بيهرب من الموت.

كان بيحاول يخبي شيئًا… قبل ما حد يلحقه فعلًا.

الجملة اللي قالتها ليان فضلت بتتردد في دماغي:

“اللي تسبب في وفاة بابا… مش عايزنا نوصل للصندوق.”

بصيت للتوأم، وبعدها للسيدة نادية.

كانت واقفة مكانها، لكن وشها اتغير تمامًا.

قلت لها:

“إنتِ تعرفي حاجة عن الصندوق؟”

ردت بسرعة:

“لا.”

لكن ردها كان أسرع من اللازم.

الرائد ياسين لاحظ نفس الحاجة.

قال لها:

“إحنا لسه ماقلناش إن الصندوق موجود فين.”

سكتت.

ولأول مرة، ظهر الارتباك على وشها.

قلت:

“يبقى عرفتي منين إننا بنتكلم عن صندوق؟”

ما ردتش.

وفي اللحظة دي، دخل أحد أفراد الأمن وقال:

“سيدي العقيد، العربية اللي لقيناها على طريق الإسماعيلية تم فحصها بالكامل.”

قلت:

“ولقوا إيه؟”

قال:

“فيه جهاز تتبع صغير مخفي تحت المقعد.”

بصيت لياسين.

“هل اشتغل؟”

قال:

“أيوه.”

“وبيحدد مكان إيه؟”

فتح جهازه.

ظهرت نقطة حمراء على الخريطة.

قال:

“النقطة بتتحرك.”

سألته:

“فين؟”

رفع عينيه.

“العربية نفسها اتحركت من مكانها.”

اتصدمت.

“بس قالوا إنها كانت فاضية.”

“كانت فاضية وقت العثور عليها. لكن حد رجع لها.”

قلت:

“هاتوا موقعها فورًا.”

بدأ ياسين يتابع الإشارة.

وبعد ثوانٍ قال:

“الإشارة قربت من منطقة التجمع الخامس.”

سكت لحظة.

ثم أضاف:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى