قصص وروايات

القصة كاملة بقلم محمد عبده

المكالمة اللي غيرت كل حاجة طلبت من سارة إنها تمشي مؤقتًا، وإنها ما تتواصلش مع أي جهة مرتبطة بالموضوع لحد ما دانيال يراجع المستندات. اعترضت في البداية، لكنها في النهاية وافقت. بعد ما خرجت، اتصلت بدانيال فورًا. حكيت له كل اللي سمعته منها، وطلبت منه يراجع أي إجراء متعلق بالعقار، وأي ضمانات أو تحويلات مالية تمت من خلال الشركة الجديدة. قال لي: «ليلى، أهم حاجة دلوقتي إننا ما نفترضش إن كلام سارة صحيح بالكامل أو غير صحيح بالكامل. لازم نثبت كل نقطة بالمستندات». قلت له: «متفقة معاك. أنا عايزة الحقيقة، حتى لو كانت مؤلمة». بعد أقل من ساعة، رجع اتصل بيا. كان صوته جادًا. «ليلى، راجعنا بعض السجلات الأولية، وظهر إن فيه طلب تم تقديمه بخصوص العقار. لكن لسه بنراجع مدى اكتمال الإجراء وصحة المستندات المستخدمة فيه». سألته: «هل البيت اتنقل لحد تاني؟». رد: «ما عندناش دليل إن الملكية اتنقلت. وده مهم جدًا. لكن فيه محاولة لترتيب تمويل مرتبط بالعقار، ولازم نتحرك قانونيًا عشان نوقف أي إجراء غير مصرح به لحد ما نتحقق من كل حاجة». أغمضت عيني بارتياح نسبي. على الأقل، البيت ما ثبتش إنه خرج من ملكية الشركة. لكن السؤال الأهم كان: مين اللي بدأ كل ده، وليه؟ قلت لدانيال: «عايزة أعرف مين أصدر التعليمات الأولى، ومين وقّع المستندات، ومين استفاد من التحويل المالي». قال: «هنراجع سجلات التفويض البنكي، والمراسلات، وأي توقيعات إلكترونية مرتبطة بالعملية. ولو ظهرت شبهة تزوير أو احتيال، هنتعامل معاها من خلال الجهات المختصة». أنهيت المكالمة، وحاولت أركز في علاجي. لكن قبل ما الممرضة تدخل بموعد الدواء، رن الموبايل مرة تانية. كان أبويا. المرة دي، رديت. قال من غير مقدمات: «ليلى، لازم نتكلم». قلت: «اتفضل». قال: «أنا عرفت إن سارة راحت لك المستشفى». سألته: «هي اللي قالت لك، ولا إنت كنت متوقع إنها هتروح؟». تجاهل سؤالي. «اسمعيني يا بنتي. إحنا عيلة، ومش لازم كل مشكلة تتحول لقضية قانونية». قلت: «أنا لسه ما حولتش حاجة لقضية. أنا بطلب مراجعة معاملات مالية اتعملت باسم شركة أنا المالكة ليها، من غير موافقتي». رد بعصبية: «إنتِ بتشككي في أبوكي؟!». سكت لحظة، وبعدين قلت: «أنا بسأل عن معاملات مالية تخص ممتلكاتي. لو كل حاجة سليمة، المراجعة هتثبت ده». صوته ارتفع. «إنتِ مش فاهمة الظروف اللي كنا بنمر بيها!». كانت دي أول مرة يعترف فيها إن فيه ظروف أصلًا. قلت له: «طيب، فهمني. إيه الظروف دي؟». سكت. وبعدين قال: «كان عندي مشروع، وخسرت فيه فلوس. وكنت محتاج أرتب أموري قبل ما الديون تكبر». سألته: «وإيه علاقة ممتلكاتي بالموضوع؟». رد: «كنت ناوي أستخدم العقار لفترة قصيرة كضمان، وبعدها أسدد المبلغ، وكل حاجة كانت هترجع زي ما كانت». ما صدقتش اللي سمعته. قلت له: «إنت كنت ناوي تستخدم عقار مملوك لشركتي كضمان، من غير ما تاخد موافقتي؟». قال بسرعة: «كنت هشرح لك بعدين!». رديت: «بعد ما يتم الإجراء؟ بعد ما يبقى فيه التزام مالي على ممتلكاتي؟». قال: «أنا أبوكي يا ليلى! كنت فاكر إنك هتساعديني لو عرفتي». في اللحظة دي، فهمت إن المشكلة ما كانتش في إنه طلب المساعدة. المشكلة إنه قرر ياخد القرار نيابة عني، وكأن ملكيتي لحاجتي مش مهمة طالما هو محتاجها. قلت له بهدوء: «لو كنت طلبت مني المساعدة، كنت هسمعك. كنت هراجع ظروفك، وأشوف إذا كنت أقدر أساعدك ولا لأ. لكن إنك تستخدم ممتلكاتي من غير إذني، ده شيء مختلف تمامًا». رد بانفعال: «يعني هتسيبي أبوكي يواجه مشاكله لوحده؟». قلت: «أنا مش مسؤولة عن إخفاء أخطائك، ولا عن تحمل التزامات ما وافقتش عليها». وبعدين أنهيت المكالمة. كنت عارفة إن الكلام ده ممكن يغير علاقتي بأبويا للأبد. لكنني ما كنتش هسمح للخوف من زعله إنه يخليني أتنازل عن حقي في معرفة الحقيقة.
السر اللي أمي كانت مخبياه بعد المكالمة بحوالي عشرين دقيقة، وصلتني رسالة من أمي. كانت قصيرة جدًا: «ليلى، لازم تشوفيني. فيه حاجة ما قلتهاش لك». فضلت أبص للرسالة. أمي، اللي رفضت تساعدني وأنا في المستشفى، واللي كانت غاضبة لأنني وقفت دفع مصاريفها، دلوقتي تقول إن عندها حاجة مخبياها. اتصلت بيها. ردت بسرعة، وكأنها كانت مستنية المكالمة. قالت بصوت منخفض: «أنا عارفة إنك زعلانة مني، وعارفة إني غلطت لما رفضت أساعدك». ما رديتش. كملت: «بس فيه حاجات حصلت في البيت، وإنتِ ما كنتيش تعرفي عنها». سألتها: «زي إيه؟». قالت: «أبوكي كان بيتكلم في موضوع التمويل من فترة. وأنا كنت فاكرة إنه مجرد قرض عادي، وإنه هيخلص بسرعة». قلت: «هل كنتِ عارفة إنه بيستخدم البيت كضمان؟». سكتت طويلًا. وبعدين قالت: «عرفت من أسبوعين». حسيت بغصة في حلقي. «من أسبوعين؟ يعني قبل إصابتي؟». قالت: «أيوه». سألتها: «وليه ما قلتيليش؟». بدأ صوتها يرتعش. «أبوكي قال لي إن الموضوع مؤقت، وإنك مش هتوافقي لو عرفتي، وإننا هنحل المشكلة قبل ما توصلك أي أخبار». ما قدرتش أمنع نفسي من السؤال: «ومع ذلك، لما اتصلت بيكي من المستشفى وطلبت منك تاخدي ولادي كام أسبوع، قلتي لي إن عندك لعب بيكل بول؟». بدأت تبكي. «أنا عارفة إني قصرت معاكي يا بنتي». قلت لها: «الموضوع مش مجرد إنك رفضتي تساعديني. إنتِ كنتِ عارفة إن فيه مشكلة مالية بتخص ممتلكاتي، واخترتي تسكتي». ردت: «كنت خايفة على بيتنا، وخايفة على أبوكي». قلت لها: «وأنا؟ ما كنتيش خايفة عليَّ أنا؟ أنا كنت في المستشفى، ومش عارفة إمتى هقدر أشوف ولادي وأعتني بيهم بنفسي». ما ردتش. ولأول مرة، ما حاولتش تدافع عن نفسها. فضلت ساكتة، وأنا كمان سكت. بعد لحظات، قالت: «فيه حاجة تانية يا ليلى. أبوكي ما كانش لوحده في الموضوع». قلبي بدأ يدق بسرعة. سألتها: «مين كان معاه؟». ردت بصوت يكاد يكون همسًا: «الشخص اللي ساعده في ترتيب التمويل… أنا شفته في البيت أكتر من مرة. وكان بيقول إنه يعرفك من شغلك». حاولت أفتكر أي شخص ممكن يكون له علاقة بالأمر. لكن ما وصلتش لأي اسم. سألتها: «اسمه إيه؟». وقبل ما تجاوب، سمعت صوتًا في الخلفية، وكأن حد دخل الأوضة اللي كانت قاعدة فيها. أمي سكتت فجأة. قلت لها: «ماما؟ إنتِ لسه معايا؟». ردت بسرعة: «مش هقدر أتكلم دلوقتي. هكلمك بعدين». وبعدين قفلت. فضلت ماسكة الموبايل، وأنا بحاول أربط كل الخيوط ببعضها. أبويا اعترف إنه كان عايز يستخدم العقار كضمان. سارة شاركت في شركة مرتبطة بالتحويلات المالية. أمي كانت عارفة إن فيه مشكلة، لكنها اختارت السكوت. والشخص اللي ساعد في ترتيب التمويل، حسب كلامها، كان بيدّعي إنه يعرفني من عملي. مين الشخص ده؟ وإيه علاقته بيا؟
المفاجأة اللي وصلت قبل نهاية اليوم في المساء، دخل دانيال على الخط من جديد، لكن المرة دي كان معاه مستندات إضافية وصلته من مراجعة الحسابات. قال: «ليلى، فيه تطور مهم». سألته: «إيه هو؟». رد: «راجعنا سجل التحويلات، وظهر إن جزءًا من المبلغ اللي خرج من حساب الشركة اتنقل بعد كده لحساب آخر. الحساب ده مش باسم سارة، لكنه مرتبط بالشركة اللي هي كانت بتتعامل معاها». قلت: «هل عرفتم صاحب الحساب؟». قال: «بنراجع المستندات القانونية الخاصة به، ولسه محتاجين نتحقق من هوية المستفيد الفعلي». سألته: «وفيه حاجة تانية؟». تردد قليلًا، ثم قال: «أيوه. الشخص اللي قدم بعض المستندات المتعلقة بالتمويل استخدم بيانات تواصل مرتبطة بملف قديم عند شركتك. الملف ده كان خاصًا بمشروع سابق، وكان الوصول إليه محدودًا». شعرت إن الصورة بدأت تتغير. الموضوع ما بقاش مجرد أب بيحاول يخرج من أزمة مالية، أو أخت بتدور على دخل ثابت. كان فيه شخص استخدم بيانات مرتبطة بشركتي، ووصل إلى معلومات ما كانش المفروض تكون متاحة لأي حد. قلت لدانيال: «راجعوا سجلات الوصول للملف، وحددوا مين كانت عنده صلاحية الاطلاع عليه. وعايزة كل خطوة تتم بطريقة قانونية، مع الحفاظ على النسخ الأصلية من المستندات». رد: «هنعمل كده». وبعدين أضاف: «لكن فيه تفصيلة أخيرة لازم تعرفيها». سألته: «إيه هي؟». قال: «الاسم الموجود في إحدى المراسلات هو اسم شخص سبق له التعامل مع شركتك في مشروع قديم. والشخص ده كان على معرفة بأحد المسؤولين عن إدارة حساباتك». سكت لحظة، ثم نطق الاسم. أول ما سمعته، حسيت إن كل حاجة حواليا وقفت. لأن الاسم ما كانش غريبًا عليَّ. كان اسم شخص وثقت فيه لسنوات، وكنت أعتقد إنه بعيد تمامًا عن حياتي العائلية. شخص كان يعرف تفاصيل عن عملي، وعن ممتلكاتي، وعن الطريقة اللي بتدار بيها حساباتي. رفعت عيني ناحية صورة ولادي، وبعدين رجعت بصيت للموبايل. وسألت دانيال السؤال الوحيد اللي كان في بالي: «إنت متأكد إن الاسم ده موجود في المستندات الأصلية؟». رد: «أيوه، لكن لسه بنتأكد من دوره الحقيقي في الموضوع». قفلت عيني للحظة. كنت فاكرة إن أصعب حاجة في حياتي هي إني أتعافى من إصاباتي وأرجع أمشي من تاني. لكن الحقيقة اللي بدأت تظهر كانت بتقول إن قدامي معركة تانية، مختلفة تمامًا عن أي مهمة عسكرية شاركت فيها. والأخطر من كل ده، إن الشخص اللي ممكن يكون وراء الأزمة ما كانش مجرد غريب دخل حياة عيلتي… ده كان شخصًا ائتمنته على جزء من عملي في يوم من الأيام. ولسه ما كنتش أعرف إن أول مواجهة مباشرة معاه هتكشف سرًا تاني، أكبر من كل اللي اكتشفته لحد اللحظة دي. فضلت باصة للموبايل بعد ما دانيال قال لي اسم الشخص اللي ظهر في المستندات. كريم الشافعي. شريكي السابق في أحد المشروعات الاستثمارية، والشخص اللي وثقت فيه لسنوات، قبل ما ننهي تعاملاتنا المهنية بشكل ودي. كريم كان عارف تفاصيل كتير عن استثماراتي، وكان عنده صلاحية الوصول لبعض الملفات القديمة أثناء فترة عمله معانا. لكنني ما كنتش أتخيل أبدًا إن اسمه ممكن يظهر في أزمة مالية تخص عيلتي. اتصلت بدانيال تاني وقلت له: «عايزة أعرف إذا كان كريم تصرف فعلًا من غير إذني، ولا اسمه ظهر في المراسلات لسبب تاني. مش هتهم حد قبل ما أشوف الأدلة». رد عليَّ: «وده اللي بنعمله. راجعنا بعض السجلات، وهنطلب المستندات الرسمية اللازمة لتحديد مين أصدر التعليمات ومين وافق على التحويلات». قفلت المكالمة، وحاولت أهدّي نفسي. كان عندي كسور محتاجة علاج، وطفلين مستنييني أرجع لهم، وعيلة كاملة يبدو إنها كانت بتخبي عني حاجات كتير. لكنني قررت إن الحقيقة لازم تظهر، مهما كانت مؤلمة. مش عشان أنتقم من حد، لكن عشان أحمي نفسي وولادي وممتلكاتي. وفي صباح اليوم التالي، وصلني اتصال من دانيال. قال لي: «ليلى، قدرنا نحدد تفاصيل مهمة في التحويلات. عندنا دلوقتي مستندات بتوضح إن والدك طلب التمويل، وإن سارة كانت بتتابع الإجراءات، وإن كريم شارك في تجهيز بعض المستندات المالية». سألته: «هل عندنا دليل إن كريم استخدم بيانات الشركة من غير إذن؟». رد: «فيه مؤشرات قوية، لكننا لسه بنتحقق من نطاق صلاحياته وقت إعداد المستندات، ومن صحة التوقيعات والتفويضات. مش هنعتبر أي مخالفة مؤكدة إلا بعد ما تكتمل المراجعة». سألته عن العقار. قال: «الخبر المطمئن إن الملكية ما زالت مسجلة باسم شركتك وفقًا للسجلات اللي راجعناها. لكن فيه طلب تمويل كان ممكن يرتب التزامات على العقار، وبدأنا الإجراءات القانونية اللازمة للاعتراض عليه والتحقق من سلامة المستندات». أغمضت عيني وأنا بأخد نفسًا طويلًا. على الأقل، البيت ما خرجش من ملكية شركتي. لكن كان لازم أفهم ليه أبويا وصل بالأمور للمرحلة دي.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى