
أول مواجهة بعد حوالي نص ساعة، دخلت الممرضة وقالت لي إن فيه مكالمة عاجلة من أمي. في البداية، فكرت إني مش هرد. لكن بعد لحظة، قررت أسمع هي عايزة إيه. فتحت المكالمة. وقبل ما أقول أي كلمة، سمعت صوتها العالي: «إنتِ عملتي إيه يا ليلى؟!». بصيت للموبايل بهدوء وقلت: «صباح الخير يا ماما». صرخت: «مفيش صباح الخير! العربية مش شغالة، وحساب النادي اتوقف، والبطاقة اللي بستخدمها اترفضت! إنتِ فاكرة نفسك بتعملي إيه؟». سألتها بهدوء: «إنتِ بتسأليني أنا بعمل إيه، ولا بتسأليني ليه بطلت أدفع مصاريفك؟». سكتت لحظة. وبعدين قالت: «إنتِ بنتي، ومن حقنا نعيش كويس!». ابتسمت ابتسامة حزينة. «وأنا بنتك برضه يا ماما. بنتك اللي موجودة في مستشفى عسكري، وعندها كسور في الحوض والضلوع، وطلبت منك تاخدي أحفادك كام أسبوع عشان مش قادرة تتحرك». ردت بعصبية: «أنا قلت لك إن لي حياتي ومواعيدي! ما ينفعش توقفي كل حاجة لمجرد إنك اتعصبتي من مكالمة!». قلت لها: «أنا ما وقفتش كل حاجة عشان اتعصبت. أنا وقفتها لأنني اكتشفت إن مساعدتي ليكم اتحولت لالتزام مفروض عليَّ، حتى في الوقت اللي أنا فيه محتاجة مساعدة». قالت بحدة: «إنتِ بتعاقبينا عشان رفضنا نقعد مع الولاد؟». رديت: «لأ. أنا بس قررت أتحمل مسؤولية فلوسي وممتلكاتي بنفسي. لو فيه مصاريف كنت بدفعها من غير التزام قانوني، فمن حقي أراجعها وأقرر أستمر فيها أو لأ». سمعتها بتتنفس بعصبية. وبعدين قالت: «أبوكي عايز يكلمك». بعد ثوانٍ، سمعت صوت أبويا. كان صوته هادي، لكن نبرته فيها غضب واضح. «ليلى، إنتِ كبرتي الموضوع أكتر من اللازم. أمك ما كانتش تقصد تزعلك». سألته: «طيب، إنت كنت تقصد إيه لما عرفت إني اتصبت، وما حاولتش حتى تسألني محتاجة إيه؟». رد: «أنا كنت فاكر إن الجيش هيتصرف في موضوع الأولاد». قلت: «الجيش وفر رعاية مؤقتة، وأنا كنت محتاجة مساعدة من عيلتي. ما طلبتش منكم تسيبوا حياتكم، ولا طلبت منكم فلوس». قال: «خلاص، حصل خير. رجعي التحويلات والعربية، وبعدها نتكلم في موضوع الأولاد». في اللحظة دي، فهمت إن أبويا لسه مش مستوعب المشكلة الحقيقية. بالنسبة له، المطلوب إن كل حاجة ترجع زي ما كانت، وبعدها ممكن يفكروا إذا كانوا هيساعدوني أو لأ. قلت له: «لما أكون محتاجة مساعدتكم، هطلبها بوضوح. لكن مش هربط مساعدتي ليكم بقراركم إنكم تساعدوني. ومش هقبل إن حد يعتبر فلوسي حق مكتسب له». رد بغضب: «إنتِ اتغيرتي يا ليلى». قلت: «يمكن. أو يمكن أخيرًا فهمت إن لازم أحط حدود». وبعدها أنهيت المكالمة.
سارة تظهر على الخط ما مرتش عشر دقايق، حتى ظهر اسم سارة على شاشة الموبايل. رديت. كانت بتتكلم بسرعة، وكأنها خايفة إني أقفل قبل ما تخلص كلامها. «ليلى، إنتِ لازم ترجعي التحويلات فورًا!». سألتها: «صباح الخير يا سارة. إنتِ محتاجة إيه؟». قالت: «أنا عندي التزامات، وفيه فواتير لازم تتدفع. إنتِ عارفة إن دخلي الشهري معتمد على المبلغ اللي بتحوليه لي». قلت: «المبلغ ده كان مساعدة مني، مش مرتب مستحق ليكي. وإنتِ عارفة الفرق كويس». ردت بانفعال: «يعني إيه مساعدة؟ إنتِ اللي عرضتي تساعديني!». «أيوه، وفضلت أساعدك سنين. لكن ده مش معناه إن التحويلات هتستمر للأبد، خصوصًا بعد اللي حصل». سكتت للحظة. وبعدين سألتني: «إنتِ تقصدي إيه باللي حصل؟». ركزت في صوتها. كان فيه توتر واضح، لكن ما كنتش عارفة إذا كان سببه وقف الفلوس، ولا حاجة تانية. قلت: «دانيال بيعمل مراجعة كاملة لحسابات الشركات والعقارات. أول ما نعرف الحقيقة، هنتكلم». تغير صوتها فجأة. «دانيال؟! هو دخل في الموضوع ليه؟». سألتها: «ليه السؤال ده خوّفك؟». قالت بسرعة: «أنا مش خايفة! بس مش فاهمة إنتِ ليه بتحولي مشكلة عائلية لموضوع قانوني». رديت: «لأن فيه مستندات مالية وعقارية لازم تتراجع، وده شغله». سكتت. وبعدين قالت بصوت منخفض: «ليلى، اسمعيني كويس. إنتِ مش عارفة كل حاجة». قلبي بدأ يدق بسرعة. «طب فهميني. إيه اللي أنا مش عارفاه؟». ردت: «مش هقدر أتكلم في التليفون». وقبل ما أسألها أي سؤال تاني، قفلت المكالمة. فضلت أبص للشاشة. الجملة دي كانت كفاية عشان تزود شكوكي. لكنني قررت ما أستعجلش في الحكم عليها.
المفاجأة الأولى في نفس اليوم، وبعد ساعات من مراجعة المستندات، رجع دانيال اتصل بيا. المرة دي، طلب مني أفتح البريد الإلكتروني وأراجع مستندات بعتها لي. قال: «ليلى، لقيت مستندات تخص العقار اللي أهلك عايشين فيه. فيه طلب اتقدم لإجراء تغيير في بعض البيانات المتعلقة بإدارة العقار، وفيه مراسلات بتوضح إن سارة كانت بتتواصل مع الجهة المسؤولة». سألته: «هل ده معناه إنها حاولت تنقل ملكية البيت لنفسها؟». رد بحذر: «مش هقدر أقول كده قبل ما نراجع المستندات الأصلية ونعرف الهدف من الطلب. لكن فيه نقطة أخطر». فتحت الملفات اللي بعتها. كانت عبارة عن نسخ من مراسلات، ومستندات مالية، وطلب موقع إلكترونيًا. وأثناء ما كنت براجع الصفحات، لفت نظري اسم شركة ما شفتوش قبل كده. شركة مسجلة حديثًا، وكان اسم أحد المسؤولين عنها قريبًا من اسم سارة. سألت دانيال: «الشركة دي تبع مين؟». قال: «بحسب المعلومات الأولية اللي وصلنا لها، سارة مرتبطة بيها. لكن لسه بنتأكد من هيكل الملكية الفعلي». قلبت الصفحة التالية. وهنا شفت رقمًا خلاني أرجع أبص للمستند من أوله. كان فيه تحويل مالي بمبلغ كبير، خرج من حساب مرتبط بإحدى الشركات التابعة ليا، واتحول إلى حساب الشركة الجديدة. ما كانش التحويل مجرد مصروف صغير، ولا دفعة عادية من الدفعات اللي كنت بوافق عليها. كان مبلغًا محتاج تفسيرًا واضحًا. قلت لدانيال: «أنا ما وافقتش على التحويل ده». رد فورًا: «وده اللي مقلقني. بنراجع دلوقتي مين أصدر التعليمات، وإزاي اتنفذت العملية». سألته: «هل ممكن حد يكون استخدم بياناتي من غير إذني؟». قال: «الاحتمال ده لازم نتحقق منه، لكن ما ينفعش نستنتج حاجة قبل مراجعة سجلات الدخول والتفويضات البنكية». أخدت نفسًا عميقًا. كنت عارفة إن التحقيق محتاج وقت، وإن أي اتهام من غير دليل ممكن يظلم شخصًا بريئًا. لكن كان فيه سؤال واحد مش قادر يسيب دماغي. ليه سارة كانت مرتبطة بشركة بتحول لها أموال من حسابات مرتبطة بممتلكاتي؟ وليه كانت بتتابع إجراءات تخص البيت اللي أهلي عايشين فيه؟
اتصال من رقم مجهول في المساء، وبعد ما انتهيت من جلسة العلاج الأولى، رن الموبايل برقم غير مسجل عندي. رديت بحذر. سمعت صوت رجل قال: «حضرة العقيد ليلى منصور؟». «أيوه، مين معايا؟». قال: «اسمي حسام الشافعي، وكنت بتعامل مع أخت حضرتك في موضوع مالي يخص إحدى الشركات». اعتدلت في السرير على قد ما قدرت. «أي شركة؟». ذكر اسم الشركة اللي شفته في المستندات. سألته: «إيه علاقتك بسارة؟». رد: «أنا كنت بقدم خدمات إدارية للشركة، وظهرت قدامي بعض المستندات اللي حسيت إنها محتاجة مراجعة. حاولت أسأل عن مصدر التفويضات، لكن ما وصلنيش رد واضح». قلت: «وليه بتتصل بيا أنا؟». قال: «لأن اسم شركتك ظهر في المستندات، وأنا مش عايز أكون طرفًا في إجراء غير صحيح. عندي نسخ من المراسلات اللي اتبعتت لي، وأعتقد إن من حقك تشوفيها». طلبت منه يبعت المستندات إلى محاميّ مباشرة، ووضحت له إني مش هتناقش في تفاصيل مالية من خلال مكالمة غير موثقة. وافق، وأنهى الاتصال. بعدها اتصلت بدانيال وأبلغته بكل اللي حصل. قال لي: «كويس إنك طلبتي منه يتواصل معانا رسميًا. هنراجع أي مستند يبعته، وهنحافظ على كل الأدلة من غير ما نتدخل في حاجة ممكن تأثر على التحقيق». قفلت المكالمة، وبصيت من شباك المستشفى. كانت المدينة بتستعد لليل، والناس ماشية في الشوارع كأن مفيش حاجة بتحصل. أما أنا، فكنت بحاول أستوعب إن المشكلة اللي بدأت بمكالمة قاسية من أمي، ممكن تكون كشفت عن أزمة مالية أكبر بكتير. ومع ذلك، كان فيه شيء واحد واضح بالنسبة لي. مش هسمح للخوف أو الغضب إنهم يخلوني أتصرف بتهور. هعرف الحقيقة، وهحمي ممتلكاتي، وهركز على علاجي وعلى رجوعي لأولادي. لكن قبل ما أحط الموبايل على الترابيزة، وصلتني رسالة جديدة من سارة. فتحتها. كانت عبارة عن سطرين بس: «ليلى، أرجوكي ما تخليش دانيال يكمل المراجعة. إنتِ مش عارفة مين اللي بدأ الموضوع أصلًا». قرأت الرسالة مرتين. وبعدين رفعت عيني ناحية باب الأوضة، لما سمعت صوت خطوات بتقرب. بعد لحظات، دخلت الممرضة وقالت: «حضرة العقيد، فيه زائرة مصممة تشوفك، وبتقول إنها أختك». كانت سارة وصلت للمستشفى بنفسها. ولأول مرة من سنين، ما كنتش متأكدة إذا كنت عايزة أسمع منها الحقيقة… ولا كنت خايفة من اللي ممكن أكتشفه لما تتكلم. لأن الرسالة اللي بعتها كانت بتقول بوضوح إن سارة مش بالضرورة تكون صاحبة السر كله… وإن فيه شخصًا آخر ممكن يكون هو اللي بدأ كل حاجة من البداية. لما الممرضة قالت لي إن سارة موجودة بره وعايزة تشوفني، فضلت ساكتة لثواني. أختي اللي من كام ساعة كانت بتطالبني أرجع لها الفلوس، دلوقتي واقفة قدام أوضة المستشفى وعايزة تتكلم معايا. والأغرب من كده، إنها بعتت لي رسالة بتقول فيها إن دانيال لازم يوقف مراجعة الحسابات، وإنها مش الشخص الوحيد المسؤول عن اللي حصل. كنت محتاجة أعرف الحقيقة، لكنني ما كنتش مستعدة أسمح لأي حد يستغل إصابتي أو حالتي الصحية عشان يضغط عليَّ. بصيت للممرضة وقلت لها: «خليها تدخل، لو سمحتي». بعد لحظات، الباب اتفتح، ودخلت سارة. كانت لابسة ملابس أنيقة، وشعرها مرتب كعادتها، لكن ملامحها كانت مختلفة. عينيها كان فيهم قلق واضح، وإيديها بتتحرك بتوتر وهي ماسكة شنطتها. وقفت جنب السرير، وبصت لي فترة قبل ما تتكلم. وبعدين قالت: «إنتِ فعلًا وقفتي كل حاجة يا ليلى؟». ما رديتش على سؤالها. قلت لها: «اقعدي يا سارة. وقبل ما تتكلمي عن الفلوس، عايزة أفهم منك حاجة واحدة». قعدت على الكرسي، وفضلت باصة للأرض. سألتها مباشرة: «إيه حكاية الشركة اللي مرتبطة باسمك، والتحويل المالي اللي خرج من حساب تابع لشركتي؟». رفعت رأسها بسرعة. «إنتِ عرفتي موضوع الشركة؟». قلت: «دانيال بيعمل مراجعة قانونية ومالية، وظهر قدامه التحويل. أنا ما وافقتش عليه، وما عنديش علم بأي تفويض يسمح بإجرائه». سارة بلعت ريقها، وبعدين قالت: «أنا ما سرقتش منك حاجة». كانت أول جملة قالتها، والغريب إنها ما كانتش إجابة عن سؤالي. قلت بهدوء: «أنا لسه ما اتهمتكيش بالسرقة. أنا بس بسألك عن الحقيقة». بدأت عينيها تدمع. «الموضوع أكبر مني يا ليلى». اتكيت بظهري على المخدة، رغم الألم اللي كنت حاسّة بيه. «طيب، احكي لي من البداية». سكتت شوية، وبعدها بدأت تتكلم. قالت إن بعد فشل مشروع محل الملابس، كانت عليها التزامات مالية كبيرة، وإنها حاولت تبدأ شغل جديد في مجال الاستشارات الإدارية. لكن المشروع الجديد ما جابش دخل كفاية، وبدأت تتراكم عليها مصاريفها. في البداية، كانت بتعتمد على المبلغ الشهري اللي بحوله لها. لكن مع الوقت، بقت خايفة من إن المبلغ يتوقف في أي لحظة. سألتها: «ولما كنتِ خايفة من توقف الفلوس، قررتِ تعملي إيه؟». نزلت عينيها للأرض. «بابا قال لي إنه هيلاقي حل». حسيت إن قلبي وقف للحظة. «بابا؟». هزت رأسها. «أيوه». فضلت باصة لها، مستنية تكمل. قالت إن أبويا هو اللي عرّفها على الشخص اللي أسس الشركة الجديدة، وإنه وعدها إن الشركة هتقدر توفر لها دخلًا ثابتًا من خلال مشروع مرتبط بإدارة العقارات. لكنها أكدت إنها ما كانتش تعرف كل التفاصيل. قلت لها: «إنتِ بتقولي إن بابا هو اللي دخلك في الموضوع، وإنك ما كنتيش عارفة تفاصيل التحويلات؟». ردت بسرعة: «أنا كنت عارفة إن فيه مشروع، وكنت عارفة إن فيه فلوس هتتحول للشركة. لكن بابا قال لي إن كل حاجة متوافق عليها، وإنك عارفة». سألتها: «وشفتي موافقتي بنفسك؟». ما ردتش. كررت السؤال: «سارة، هل شفتي موافقة مني على التحويل؟». قالت بصوت واطي: «لأ». في اللحظة دي، حسيت بغضب شديد، لكنني حاولت أسيطر على نفسي. قلت لها: «يعني إنتِ شاركتي في موضوع مالي يخص ممتلكاتي، من غير ما تتأكدي إن عندك إذن مني؟». بدأت تبكي. «أنا عارفة إني غلطت. بس ما كنتش متخيلة إن الموضوع هيوصل لكده». رديت: «المشكلة مش بس في الفلوس يا سارة. المشكلة إنك وافقتي تدخلي في إجراء يخص ممتلكاتي، من غير ما تتأكدي إن صاحبة الممتلكات موافقة». فضلت تبكي، وبعد شوية رفعت رأسها وقالت: «فيه حاجة تانية لازم تعرفيها». نظرت لها. «إيه هي؟». قالت: «موضوع البيت مش مجرد مشروع عقاري. بابا كان عايز يستخدم البيت كضمان لتمويل الشركة». حسيت إن الغرفة ضاقت عليَّ. البيت اللي كنت بدفع مصاريفه، واللي وفّرته لأهلي عشان يعيشوا في أمان، كان ممكن يدخل في ترتيبات مالية من غير علمي؟ سألتها: «هل اتعمل أي إجراء فعلي على العقار؟». ردت: «مش عارفة إذا كان اكتمل ولا لأ. أنا كنت بتابع بعض الأوراق، لكن بابا هو اللي كان بيتكلم مع الناس المسؤولين عن التمويل». قلت لها: «طيب، ليه بعتّي لي رسالة تطلبي مني أوقف دانيال؟». مسحت دموعها وقالت: «لأن بابا اتصل بيا الصبح، وقال لي إنك لو كملتي المراجعة، ممكن كل حاجة تتكشف. وقال إننا لازم نحل الموضوع بيننا قبل ما يدخل فيه محاميين وبنوك». بصيت لها طويلًا. وبعدين سألتها: «وإنتِ جيتي هنا تساعديني أعرف الحقيقة، ولا عشان تمنعيني أكتشفها؟». ما قدرتش ترد. الصمت اللي ملأ الغرفة كان كفاية.




