قصص وروايات

الجزء الثاني والاخير بقلم محمدعبدة

وشخص لم تكن تتخيل يومًا إنه ممكن يكون جزءًا من الحكاية.

يتبع في الجزء الثالث…
الجزء الثالث: الحقيقة اللي قلبت كل الموازين!

نهى كانت قاعدة في بيت جاسر، في الصالة، قدامها كوباية شاي بردت من غير ما تشرب منها.

من ساعة ما خرجت من شقتها، وهي حاسة إن حياتها كلها كانت كذبة كبيرة.

الراجل اللي حبته ووثقت فيه، واللي كانت فاكرة إنه هيكون سندها بعد وفاة أهلها، طلع شخصًا تاني خالص.

لكن أكتر حاجة كانت شاغلة بالها هي الجملة اللي سمعتها قبل ما تخرج من الشقة.

«لو أخوها عرف الحكاية القديمة، مش الشقة بس اللي هنخسرها… إحنا ممكن نخسر كل حاجة!»

بصت لجاسر، اللي كان قاعد قدام اللابتوب، بيراجع المستندات اللي رجع بيها من السفر.

— جاسر، أنا عايزة أسألك سؤال.

رفع عينيه ليها.

— اتفضلي يا حبيبتي.

— إنت عرفت منين إن إبراهيم كان بيخطط لموضوع الشقة قبل جوازنا؟ وإيه الحكاية القديمة اللي أمه كانت بتتكلم عنها؟

جاسر قفل اللابتوب، وسكت لحظات كأنه بيختار كلماته بعناية.

— قبل ما أجاوبك، لازم تعرفي إني ما رجعتش مصر بالصدفة. أنا كنت بتابع الموضوع من بره من فترة، لكن ما كانش عندي دليل كافي أواجهه بيه.

نهى عقدت حاجبيها.

— بتتابع إيه بالضبط؟

جاسر فتح الملف، وطلع منه مجموعة أوراق قديمة.

— فاكرة لما جيت مصر قبل جوازك بإبراهيم، وقلتلك إني مش مرتاح له؟

— أيوه.

— وقتها أنا ما كنتش بحكم عليه من غير سبب. قبل ما أقابله، كنت سمعت اسمه في سياق شغل قديم، وكان فيه خلاف مالي بينه وبين واحد من الناس اللي أعرفهم.

نهى اتفاجئت.

— خلاف مالي؟!

— أيوه. الموضوع وقتها ما كانش واضح، وما كانش عندي دليل إنه عمل حاجة غير قانونية. لكن لما قابلته، حسيت إن فيه حاجات مش راكبة على بعض. ولما سألت عنه، اكتشفت إنه كان بيحاول يدخل في شراكات مع ناس عندهم أملاك، وكان بيستخدم وعود بمشروعات كبيرة عشان يكسب ثقتهم.

نهى حطت إيدها على صدرها.

— يعني هو اتجوزني عشان الشقة؟

جاسر ما استعجلش في الإجابة.

— أنا مش هقدر أقولك إن ده السبب الوحيد، لأننا لسه بنراجع الأدلة. لكن فيه مستندات بتوضح إنه بدأ يستفسر عن إجراءات نقل ملكية الشقة قبل جوازكم بخمسة شهور.

دموع نهى بدأت تتجمع في عينيها.

— خمسة شهور يا جاسر! يعني من أول ما عرفته، وهو ممكن يكون مخطط لكده؟

جاسر قرب منها.

— عشان كده لازم نعرف الحقيقة كاملة، ومش هنسيب أي حاجة للتخمين.

مد لها ورقة تانية.

كانت نسخة من مراسلات بين إبراهيم وشخص اسمه فؤاد، وهو رجل أعمال كان بيحاول يدخل معاه في مشروع.

في إحدى الرسائل، كان إبراهيم بيتكلم عن إنه على وشك الزواج من بنت ورثت شقة في منطقة مميزة، وإنه بيدرس أفضل طريقة لاستخدام العقار في مشروعه.

نهى قرأت الرسالة مرتين.

وبعدها رفعت عينيها لجاسر، وهي مش قادرة تصدق.

— هو كان بيتكلم عني كأني عقار؟!

جاسر رد بحزن:

— الرسالة دي جزء من الأدلة اللي بنراجعها. لكنها مش كل الحكاية.

نهى حست إن قلبها بيتكسر من جديد.

افتكرت أول مرة إبراهيم قال لها إنه بيحبها، وأول مرة وعدها إنه مش هيسيبها، وأول مرة حضنها وهي بتعيط على أهلها.

كل الذكريات اللي كانت بتديها إحساس بالأمان، بقت دلوقتي أسئلة مؤلمة.

هل كان بيحبها فعلًا؟

ولا كان بيستغل وحدتها من البداية؟

—

في نفس الوقت، كان إبراهيم قاعد في شقته، بيتحرك بعصبية بين الصالة والأوضة.

نادية كانت قاعدة قدامه، وسالي واقفة جنب الشباك.

قالت نادية بصوت منخفض:

— لازم نتصرف قبل ما جاسر يعرف كل حاجة.

إبراهيم بص لها بعصبية.

— وإنتِ كنتِ فين من الأول؟ مش إنتِ اللي قولتيلي إن الموضوع خلص وإن نهى مش هتعرف تثبت أي حاجة؟

نادية ردت بانفعال:

— ما كنتش أعرف إن أخوها هيرجع فجأة ومعاه الورق ده كله!

سالي دخلت في الكلام:

— طب ما نتفاهم مع نهى؟ نقول لها إننا غلطنا، ونحاول نخليها ترجع؟

إبراهيم ضحك بسخرية.

— ترجع إيه؟! إنتِ فاكرة إن جاسر هيسيبها ترجع بعد اللي شافه؟

نادية قربت منه وقالت:

— اسمعني كويس يا إبراهيم. فيه حاجة لازم تعرفها. لو جاسر وصل لفؤاد، ممكن كل حاجة تتكشف.

إبراهيم وقف فجأة.

— فؤاد؟! وإيه علاقة فؤاد بالموضوع دلوقتي؟

نادية اتلخبطت، وبدأت تتجنب النظر في عينيه.

— أنا قصدي إنه ممكن يعرف تفاصيل المشروع القديم.

إبراهيم مسك دراعها.

— ماما، إنتِ مخبية عني إيه؟

نادية سحبت إيدها.

— سيبني يا إبراهيم! أنا عملت كل ده عشان أحميك!

سالي بصت لأمها بصدمة.

— تحميه من إيه؟!

لكن نادية سكتت.

وفي اللحظة دي، إبراهيم فهم إن أمه عارفة حاجة ما قالتهاش له قبل كده.

حاجة ممكن تكون أخطر من موضوع الشقة نفسه.

—

تاني يوم، جاسر أخد نهى وقابلوا المحامي اللي كان بيتابع معاهم القضية.

المحامي راجع الأوراق بعناية، وسأل نهى عن ظروف التوقيع على المستندات.

حكت له كل حاجة بالتفصيل: وعود إبراهيم، والذهاب للشهر العقاري، والكلام اللي قاله عن الضمان المؤقت.

بعد ما خلصت، المحامي قال:

— عندنا نقاط تستحق الفحص، لكن لازم نتحرك على أساس المستندات الأصلية، ونراجع إجراءات نقل الملكية، ونتأكد من صحة كل توقيع وكل تاريخ. لو ثبت إن فيه تدليس أو معلومات جوهرية اتخفت عنك، ده ممكن يفتح بابًا للطعن وفقًا للقانون. لكن ما نقدرش نضمن النتيجة قبل استكمال الفحص.

نهى هزت راسها.

— أنا مش عايزة أظلم حد، بس مش هقبل إن حقي يضيع.

المحامي ابتسم باحترام.

— وده حقك. وإحنا هنمشي في الإجراءات القانونية خطوة بخطوة.

بعدها، جاسر طلع مستندًا أخيرًا من الملف.

— فيه حاجة تانية لازم حضرتك تشوفها.

المحامي قرأ الورقة، وبعدها رفع عينيه باستغراب.

— هل الشخص المذكور هنا مستعد للإدلاء بأقواله؟

جاسر رد:

— هو اللي تواصل معايا من أسبوع، وقال إنه مستعد يوضح كل حاجة.

نهى بصت لهم بحيرة.

— مين الشخص ده؟

جاسر سكت لحظة، وبعدها قال:

— فؤاد.

نهى استغربت الاسم.

— رجل الأعمال اللي كان بيتعامل مع إبراهيم؟

— أيوه. هو وافق يقابلنا النهارده.

—

في المساء، وصل فؤاد لمكتب المحامي.

كان رجلًا في أواخر الخمسينات، ملامحه جدية، وصوته هادي.

أول ما شاف نهى، اعتذر لها قبل ما يقعد.

— أنا عارف إن الاعتذار مش هيصلح اللي حصل، لكن كان لازم أقابلك وأقولك الحقيقة بنفسي.

نهى بصت له بتوتر.

— إنت تعرف إيه عن جوزي؟

فؤاد فتح حقيبته، وطلع مجموعة مستندات.

— أنا اتعاملت مع إبراهيم في مشروع من كام سنة، وكان المفروض إننا ندخل شراكة في مشروع عقاري. في البداية، قدم نفسه كرجل أعمال ناجح، وقال إنه عنده مصادر تمويل مضمونة.

— وبعدين؟

— بعد ما بدأت أراجع المستندات، اكتشفت تناقضات في المعلومات اللي قدمها. ولما طلبت منه توضيحات، بدأ يتهرب، وبعدها أنهى التعامل معايا.

جاسر سأله:

— وإيه علاقة ده بالشقة؟

فؤاد بص لنهى مباشرة.

— قبل جوازكم بفترة، إبراهيم تواصل معايا، وكان بيسأل عن إمكانية استخدام شقة مملوكة لزوجته المستقبلية كضمان لمشروع جديد. وقتها ما كنتش أعرف إنك مش على علم بالتفاصيل دي.

نهى حست بصدمة جديدة.

— يعني هو كان بيتكلم عن الشقة قبل ما نتجوز؟!

— أيوه. وعندي مراسلات بتثبت ده.

فؤاد حط الأوراق قدام المحامي، اللي بدأ يراجعها.

لكن فجأة، فؤاد اتردد، وبص لجاسر.

— فيه حاجة تانية… حاجة كنت متردد أقولها، لأنها تخص عيلة نهى نفسها.

نهى حست إن قلبها وقف للحظة.

— تخص عيلتي؟!

فؤاد أخد نفسًا عميقًا.

— قبل وفاة والدك ووالدتك بفترة، كان فيه شخص بيحاول يوصل لمعلومات عن ممتلكاتهم. وقتها ما كنتش أعرف السبب، لكن بعد ما عرفت إن إبراهيم اتجوزك وإن الشقة اتنقلت باسمه، بدأت أربط الأحداث ببعض.

نهى قامت من مكانها.

— إنت بتقول إيه؟! مين الشخص ده؟

فؤاد بص للمحامي، وبعدها رجع بص لها.

— أنا مش عايز أتهم حد من غير دليل. لكن فيه مستندات لازم تشوفيها، لأنها ممكن توضح إذا كان فيه رابط بين اللي حصل قبل جوازك واللي حصل بعده.

طلع من حقيبته ظرفًا قديمًا، وحطه على الترابيزة.

جاسر فتحه، وبدأ يراجع الأوراق الموجودة جواه.

وفجأة، ملامحه اتغيرت.

نهى قربت منه.

— جاسر؟ إيه اللي حصل؟

رفع عينيه لها، وكان واضحًا إنه بيحاول يستوعب اللي بيقرأه.

— نونو… فيه اسم هنا أنا ما كنتش متوقع أشوفه أبدًا.

— مين؟!

جاسر ما ردش فورًا.

مد لها الورقة.

نهى بصت للاسم المكتوب في أول المستند، وحست إن الدنيا بتلف بيها.

الاسم كان اسم شخص من عيلتها، شخص كانت بتعتبره قريبًا من أبوها وأمها، وبتثق فيه من غير أي شك.

لكن الورقة ما كانتش كافية لوحدها لإثبات إنه شارك في أي مخالفة.

المحامي طلب منهم يهدوا، وأكد إنهم محتاجين يتأكدوا من صحة المستندات ومصدرها قبل توجيه أي اتهام.

نهى قعدت ببطء، وهي بتحاول تستوعب كل اللي سمعته.

كانت فاكرة إن مشكلتها بدأت لما مضت على أوراق الشقة.

لكن دلوقتي، بقى فيه احتمال إن الخداع بدأ قبل جوازها بوقت طويل، وإن شخصًا آخر ربما كان عنده معلومات عن ممتلكات عيلتها.

—

في طريق العودة، نهى كانت ساكتة تمامًا.

جاسر لاحظ إنها بتبص من الشباك من غير ما تتكلم.

قال لها:

— عارف إن كل ده كتير عليكي، بس لازم نفصل بين اللي نعرفه فعلًا واللي لسه محتاج دليل.

نهى ردت بصوت مبحوح:

— أنا مش خايفة على الشقة بس يا جاسر. أنا خايفة أكتشف إن الناس اللي عشت معاهم طول عمري ما كنتش أعرفهم أصلًا.

جاسر مسك إيدها.

— مش كل الناس زي بعض يا نونو. وإحنا مش هنسمح لحد إنه يستغل خوفك أو ثقتك تاني.

وصلوا البيت، لكن قبل ما يدخلوا، موبايل جاسر رن.

بص للشاشة، واتغيرت ملامحه.

— أيوه يا أستاذ سامح؟

كان المحامي بيتكلم على الطرف التاني.

جاسر سمعه لثوانٍ، وبعدها قال:

— إنت متأكد من المعلومة دي؟

سكت، وبعدها بص لنهى.

— تمام. ما تعملش أي خطوة قبل ما نراجع المستندات.

قفل المكالمة، ووقف قدام أخته.

— فيه تطور جديد.

نهى سألت بقلق:

— إيه؟

— المحامي اكتشف إن فيه مستندًا تانيًا مرتبطًا بموضوع الشقة، لكنه مش موجود ضمن الأوراق اللي كانت معانا. والمستند ده ممكن يوضح مين اللي طلب تجهيز الإجراءات من البداية.

نهى همست:

— وإبراهيم؟

جاسر رد:

— المحامي حاول يتواصل مع الشخص اللي المفروض عنده نسخة من المستند، لكنه اختفى من عنوانه القديم، ومحدش عارف مكانه حاليًا.

نهى حست إن القضية بتكبر أكتر مما تخيلت.

لكن المفاجأة الأكبر كانت لسه جاية.

لأن بعد دقائق، وصل لجاسر اتصال من رقم مجهول.

رد، وسمع صوت راجل متوتر بيقول:

— أستاذ جاسر، أنا عندي معلومات عن إبراهيم وعن اللي حصل قبل جواز أختك. بس لازم نتقابل فورًا، وقبل ما يعرف إني اتكلمت معاك.

جاسر سأله:

— مين معايا؟

الراجل اتردد، وبعدها قال:

— أنا الشخص اللي جهز أوراق الشقة… وفيه حاجة مهمة لازم تعرفها عن اللي طلب مني أعمل كده.

وقبل ما جاسر يقدر يسأله أي سؤال تاني، الراجل قال جملة واحدة:

«إبراهيم ما كانش الشخص الوحيد اللي عايز الشقة تبقى باسمه!»

وبعدها قفل الخط.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى